جمال عبدالناصر

جمال عبد الناصر حسين (15 يناير 1918 – 28 سبتمبر 1970). هو ثاني رؤساء مصر. تولى السلطة من سنة 1956 إلى وفاته. وهو أحد قادة ثورة 23 يوليو 1952، التي أطاحت بالملك فاروق (آخر حاكم من أسرة محمد علي)، والذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء في حكومتها الجديدة. وصل جمال عبد الناصر إلى الحكم وبعد ذلك وضع الرئيس محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية، وذلك بعد تنامي الخلافات بين نجيب وبين مجلس قيادة الثورة،قام عبد الناصر بعد الثورة بالاستقالة من منصبه بالجيش تولى رئاسة الوزراء ثم رئاسة الجمهورية باستفتاء شعبي يوم 24  يونيو 1956.

أدت سياسات عبد الناصر المحايدة خلال الحرب الباردة إلى توتر العلاقات مع القوى الغربية، التي سحبت تمويلها للسد العالي، الذي كان عبد الناصر يخطط لبنائه. ورد عبد الناصر على ذلك بتأميم شركة قناة السويس سنة 1956، ولاقى ذلك استحساناً داخل مصر والوطن العربي. وبالتالي، قامت بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل باحتلال سيناء، لكنهم انسحبوا وسط ضغوط دولية، وقد عزز ذلك مكانة عبد الناصر السياسية بشكل ملحوظ. ومنذ ذلك الحين، نمت شعبية عبد الناصر في المنطقة بشكل كبير، وتزايدت الدعوات إلى الوحدة العربية تحت قيادته، وتحقق ذلك بتشكيل الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا (1958 – 1961).

في سنة 1962، بدأ عبد الناصر سلسلة من القرارات الاشتراكية والإصلاحات التحديثية في مصر. وعلى الرغم من النكسات التي تعرضت لها قضيته القومية العربية، بحلول سنة 1963، وصل أنصار عبد الناصر للسلطة في عدة دول عربية. وقد شارك في الحرب الأهلية اليمنية في هذا الوقت. قدم ناصر دستوراً جديداً في سنة 1964، وهو العام نفسه الذي أصبح فيه رئيساً لحركة عدم الانحياز الدولية. بدأ ناصر ولايته الرئاسية الثانية في مارس 1965 بعد انتخابه بدون معارضة. وتبع ذلك هزيمة مصر من إسرائيل في حرب الأيام الستة سنة 1967. واستقال عبد الناصر من جميع مناصبه السياسية بسبب هذه الهزيمة، ولكنه تراجع عن استقالته بعد مظاهرات حاشدة طالبت بعودته إلى الرئاسة. بين سنتي 1967 و1968 عين عبد الناصر نفسه رئيساً للوزراء بالإضافة إلى منصبه كرئيس للجمهورية. وشن حرب الاستنزاف لاستعادة الأراضي المفقودة في حرب 1967. وبدأ عملية عدم تسييس الجيش وأصدر مجموعة من الإصلاحات الليبرالية السياسية.

بعد اختتام قمة جامعة الدول العربية سنة 1970، تعرض عبد الناصر لنوبة قلبية وتوفي. وشيع جنازته في القاهرة أكثر من خمسة ملايين شخص. يعتبره مؤيدوه في الوقت الحاضر رمزاً للكرامة والوحدة العربية والجهود المناهضة للإمبريالية. بينما يصفه معارضوه بالمستبد، وينتقدون انتهاكات حكومته لحقوق الإنسان. تعرض عبد الناصر لعدة محاولات اغتيال في حياته، كان من بينها محاولة اغتيال نسبت لأحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وقد نفت الجماعة علاقتها بالحادثة.أمر ناصر بعد ذلك بحملة أمنية ضد جماعة الإخوان المسلمين. يصف المؤرخون ناصر باعتباره واحداً من الشخصيات السياسية البارزة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط في القرن العشرين.

نشأته

ولد جمال عبد الناصر بن حسين بن خليل بن سلطان المري في 15 يناير 1918م في منزل والده -رقم 12 شارع قنوات- بحي باكوس بالإسكندرية قبيل أحداث ثورة 1919 في مصر. وهو من أصول صعيدية، حيث ولد والده في قرية بني مر في محافظة أسيوط، ونشأ في الإسكندرية،وعمل وكيلاً لمكتب بريد باكوس هناك، وقد تزوج من السيدة “فهيمة” التي ولدت في ملوي بالمنيا، وكان جمال عبد الناصر أول أبناء والديه. وكان والداه قد تزوجا في سنة 1917، وأنجبا ولدين من بعده، وهما عز العرب والليثي. ويقول كُتّأب سيرة عبد الناصر روبرت ستيفنس وسعيد أبو الريش أن عائلة عبد الناصر كانت مؤمنة بفكرة “المجد العربي”، ويتضح ذلك في اسم شقيق عبد الناصر، وهو عز العرب، وهذا اسم نادر في مصر.

سافرت الأسرة في كثير من الأحيان بسبب عمل والد جمال عبد الناصر. ففي سنة 1921، انتقلوا إلى أسيوط، ثم انتقلوا سنة 1923 إلى الخطاطبة. التحق عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبة في الفترة ما بين سنتي 1923 و1924، وفي سنة 1925 دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة، وأقام عند عمه خليل حسين لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالإسكندرية فقط أثناء العطلات الدراسية.

جمال عبد الناصر في عام 1931

كان عبد الناصر يتبادل الرسائل مع والدته، ولكن الرسائل توقفت في أبريل 1926، وعندما عاد إلى الخطاطبة علم أن والدته قد ماتت قبل أسابيع بعد ولادتها لأخيه الثالث شوقي، ولم يملك أحد الشجاعة لإخباره بذلك.[12][13] وقد قال عبد الناصر في وقت لاحق:

   

جمال عبد الناصر

لقد كان فقداني لأمي في حد ذاته أمرا محزنا للغاية، فقد كان فقدها بهذه الطريقة، وعدم توديعي إياها صدمة تركت في شعورا لا يمحوه الزمن،وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضا بالغا في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين
   

جمال عبد الناصر

وتعمق حزن عبد الناصر عندما تزوج والده قبل نهاية هذا العام.

وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف 1928 عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية.

التحق جمال عبد الناصر بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاما واحدا، ثم نقل في العام التالي (1930) إلى مدرسة رأس التين بالإسكندرية بعد أن انتقل والده للعمل في الخدمة البريدية هناك. وقد بدأ نشاطه السياسي حينها،فقد رأى مظاهرة في ميدان المنشية بالإسكندرية، وانضم إليها دون أن يعلم مطالبها، وقد علم بعد ذلك أن هذا الاحتجاج كان من تنظيم جمعية مصر الفتاة، وكان هذا الاحتجاج يندد بالاستعمار الإنجليزي في مصر، وذلك في أعقاب قرار من رئيس الوزراء حينئذ إسماعيل صدقي بإلغاء دستور 1923، وألقي القبض على عبد الناصر واحتجز لمدة ليلة واحدة،قبل أن يخرجه والده.

اسم عبد الناصر في جريدة الجهاد

عندما نقل والده إلى القاهرة في عام 1933، انضم ناصر إليه هناك، والتحق بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة،ومثل في عدة مسرحيات مدرسية، وكتب مقالات بمجلة المدرسة، منها مقالة عن الفيلسوف الفرنسي فولتير بعنوان “فولتير، رجل الحرية”. وفي 13 (توضيح) نوفمبر 1935، قاد ناصر مظاهرة طلابية ضد الحكم البريطاني احتجاجا على البيان الذي أدلى به صمويل هور وزير الخارجية البريطاني قبل أربعة أيام، والذي أعلن رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر. وقتل اثنان من المتظاهرين وأصيب عبد الناصر بجرح في جبينه سببته رصاصة من ضابط إنجليزي وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها، ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى. وفي 12 (توضيح)ديسمبر، أصدر الملك الجديد، فاروق، قراراً بإعادة الدستور.

نما نشاط عبد الناصر السياسي أكثر طوال سنوات مدرسته، حيث أنه لم يحضر سوى 45 يوماً أثناء سنته الأخيرة في المدرسة الثانوية.اعترض عبد الناصر بشدة على المعاهدة البريطانية المصرية لسنة 1936، التي تنص على استمرار وجود قوات عسكرية بريطانية في البلاد، وقد أيدت القوات السياسية في مصر هذه المعاهدة بالإجماع تقريبا. ونتيجة لذلك، انخفضت الاضطرابات السياسية في مصر بشكل كبير، واستأنف عبد الناصر دراسته في مدرسة النهضة،حيث حصل على شهادة التخرج في وقت لاحق من ذلك العام.

التأثيرات المبكرة

أمضى ناصر معظم وقت فراغه في القراءة، وخاصة في سنة 1933 عندما كان يعيش بالقرب من دار الكتب والوثائق القومية في مصر. قرأ القرآن، وأقوال الرسول محمد وحياةالصحابة، والسير الذاتية للزعماء القوميين نابليون، أتاتورك، أوتو فون بسمارك، وغاريبالدي والسيرة الذاتية لونستون تشرشل.

كان ناصر متأثراً إلى حد كبير بالقومية المصرية، التي اعتنقها السياسي مصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي، ومدربه في الكلية الحربية، عزيز المصري، الذي أعرب عبد الناصر عن امتنانه له في مقابلة صحفية سنة 1961. وقد تأثر ناصر بشدة برواية “عودة الروح” للكاتب المصري توفيق الحكيم، التي قال فيها توفيق الحكيم أن الشعب المصري كان فقط بحاجة إلى “الإنسان الذي سيمثل جميع مشاعرهم ورغباتهم، والذي سيكون بالنسبة لهم رمزا لهدفهم”. وكانت هذه الرواية هي مصدر إلهام لعبد الناصر لإطلاق ثورة 1952.

الحياة العسكرية

A man wearing a tweed, pinstriped jacket and a tie. His hair is raised and black and he has a thin mustache.

صورة لناصر في كلية الحقوق عام 1937.

في سنة 1937، تقدم عبد الناصر إلى الكلية الحربية لتدريب ضباط الجيش، ولكن الشرطة سجلت مشاركته في احتجاجات مناهضة للحكومة، فمنع من دخول الكلية، فالتحق بكلية الحقوق في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة حالياً)،لكنه استقال بعد فصل دراسي واحد وأعاد تقديم طلب الانضمام إلى الكلية العسكرية. واستطاع عبد الناصر مقابلة وزير الحربية إبراهيم خيرى باشا،وطلب مساعدته، فوافق على انضمامه للكلية العسكرية في مارس 1937، ركز ناصر على حياته العسكرية منذ ذلك الحين، وأصبح يتصل بعائلته قليلا. في الكلية، التقى بعبد الحكيم عامر وأنور السادات، وكلاهما أصبحوا مساعدين هامين له خلال فترة رئاسته. وتخرج من الكلية العسكرية في شهر يوليو 1937، رقي عبد الناصر إلى رتبة ملازم ثاني في سلاح المشاة.

Two seated men in military uniform and wearing fez hats

ناصر (على اليمين)، مع أحمد مظهر

في سنة 1941، طلب عبد الناصر النقل إلى السودان، وهناك قابل عبد الحكيم عامر، وكانت السودان حينها جزءاً من مصر. عاد جمال عبد الناصر من السودان في سبتمبر 1942، ثم حصل على وظيفة مدرب في الأكاديمية العسكرية الملكية بالقاهرة شهر مايو 1943.

في سنة 1942، سار مايلز لامبسون السفير البريطاني إلى قصر الملك فاروق وحاصره بالدبابات، وأمره بإقالة رئيس الوزراء حسين سري باشا، بسبب تعاطفه مع قوات المحور. ورأى ناصر الحادث بأنه انتهاك صارخ للسيادة المصرية، وقال عن ذلك:

   

جمال عبد الناصر

أنا أخجل من أن جيشنا لم يصدر أي رد فعل ضد هذا الهجومجمال عبد الناصر

تم قبول ناصر في كلية الأركان العامة في وقت لاحق من ذلك العام.بدأ ناصر بتشكيل مجموعة من ضباط الجيش الشباب الذين يملكون مشاعر القومية القوية. ظل ناصر على اتصال مع أعضاء المجموعة من خلال عبد الحكيم عامر، وواصل عبد الناصر البحث عن الضباط المهتمين بالأمر في مختلف فروع القوات المسلحة المصرية.

حرب فلسطين

 حرب 1948

Eight men in dressed in military fatigues standing before an organized assembly of weapons, mostly rifles and mortar. The first man from the left is not wearing a hat, while the remaining seven are wearing hats.

ناصر (الأول من على اليسار) مع وحدته في الفالوجة، يعرضون أسلحة استولوا عليها من الجيش الإسرائيلي خلال حرب فلسطين.

كانت أول معركة لعبد الناصر في فلسطين خلال الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1948. تطوع عبد الناصر في البداية للخدمة في اللجنة العربية العليا بقيادة محمد أمين الحسيني، وكان عبد الناصر قد التقي بالحسيني وأعجب به. ولكن تم رفض دخول قوات اللجنة العربية العليا في الحرب من قبل الحكومة المصرية،[36] لأسباب غير واضحة.

في مايو 1948، أرسل الملك فاروق الجيش المصري إلى فلسطين، وخدم ناصر في كتيبة المشاة السادسة. وخلال الحرب، كتب عبد الناصر عن عدم استعداد الجيش المصري، قائلا:

   

جمال عبد الناصر

تبدد جنودنا أمام التحصينات
   

جمال عبد الناصر

وكان ناصر نائب قائد القوات المصرية المسؤولة عن تأمين الفالوجة. أصيب عبد الناصر بجروح طفيفة في القتال يوم 12 يوليو. وبحلول شهر أغسطس، كان عبد الناصر مع فرقته محاصرين من قبل الجيش الإسرائيلي، ولكن الفرقة رفضت الاستسلام. أدت المفاوضات بين إسرائيل ومصر أخيراً إلى التنازل عن الفالوجة إلى إسرائيل. وفقا لإريك مارغوليس الصحفي المخضرم، تحملت القوات المصرية القصف العنيف في الفالوجة، بالرغم من أنها كانت معزولة عن قيادتها. وأصبح المدافعون، بما فيهم الضابط جمال عبد الناصر أبطالا وطنيين حينها.

استضافت المطربة المصرية أم كلثوم احتفال الجمهور بعودة الضباط رغم تحفظات الحكومة الملكية، التي كانت قد تعرضت لضغوط من قبل الحكومة البريطانية لمنع الاستقبال، وزاد ذلك من عزم عبد الناصر على الإطاحة بالملكية.بدأ عبد الناصر كتابة “فلسفة الثورة” أثناء الحصار.

بعد الحرب، عاد عبد الناصر إلى وظيفته مدرساً في الأكاديمية الملكية العسكرية، وأرسل مبعوثين إلى جماعة الإخوان المسلمين، لتشكيل تحالف معها في أكتوبر سنة 1948، ولكنه اقتنع بعد ذلك بأن جدول أعمال الإخوان لم يكن متوافقاً مع نزعته القومية، وبدأ الكفاح من أجل منع تأثير الإخوان على أنشطته. أرسل ناصر كعضو في الوفد المصري إلى رودس في فبراير 1949 للتفاوض على هدنة رسمية مع إسرائيل، ويقول عبد الناصر أنه اعتبر شروط الهدنة مهينة، وبخاصة لأن الإسرائيليين تمكنوا من احتلال منطقة إيلات بسهولة بينما هم يتفاوضون مع العرب في مارس 1949.

الثورة

الضباط الأحرار

 

Eight men in dressed in military uniform, posing in a room around a rectangular table. All the men, except for third and fifth persons from the left are seated. The third and fifth person from the left are standing.

الضباط الأحرار بعد الثورة، عام 1953 (بعكس عقارب الساعة): زكريا محيي الدين، عبد اللطيف البغدادي، كمال الدين حسين (واقفا)، ناصر (جالسا)، عبد الحكيم عامر، محمد نجيب، يوسف صديق، وأحمد شوقي.

تزامنت عودة عبد الناصر لمصر مع انقلاب حسني الزعيم في سوريا. وقد شجع نجاحه الواضح عبد الناصر في مساعيه الثورية. بعد فترة وجيزة من عودته، استدعى رئيس الوزراءإبراهيم عبد الهادي عبد الناصر لاستجوابه بشأن شكوك بأنه تم تشكيل مجموعة سرية من ضباط المعارضة، نفى عبد الناصر هذه المزاعم بشكل مقنع. وكان عبد الهادي أيضا مترددا في اتخاذ تدابير جذرية ضد الجيش، خصوصا أمام رئيس أركانه، الذي كان حاضرا أثناء الاستجواب، وأفرج عن عبد الناصر في وقت لاحق. ودفع هذا الاستجواب عبد الناصر إلى تسريع أنشطة جماعته.

بعد سنة 1949، اعتمد الفريق اسم “حركة الضباط الأحرار”. قام عبد الناصر بتنظيم “اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار”، وتألفت من أربعة عشر رجلاً من مختلف الخلفيات السياسية والإجتماعية، بما في ذلك ممثلين عن الشباب المصريين، والإخوان المسلمين، والحزب الشيوعي المصري، والطبقة الأرستقراطية. انتخب ناصر رئيسا للجنة بالإجماع.

في الانتخابات البرلمانية لسنة 1950، فاز حزب الوفد بأغلبية المقاعد، ويرجع ذلك إلى غياب جماعة الإخوان المسلمين، الذين قاطعوا الانتخابات.بدأت الاتهامات بالفساد ضد سياسيي حزب الوفد تطفو على السطح، وانتشرت الشائعات والشكوك حولهم، مما جلب الضباط الأحرار إلى واجهة الحياة السياسية المصرية. وبحلول ذلك الوقت، كان عدد أعضاء الجمعية قد ارتفع إلى 90 عضوا، ووفقا لخالد محيي الدين:

   

جمال عبد الناصر

لم يعرف أحد جميع الأعضاء، ومكانهم في التسلسل الهرمي للجمعية باستثناء ناصر
   

جمال عبد الناصر

ورأى ناصر أن الضباط الأحرار لم يكونوا على استعداد للتحرك ضد الحكومة، وظل نشاطه مقتصرا لمدة تقارب العامين على تجنيد الضباط ونشر المنشورات السرية.

في 11 أكتوبر سنة 1951، ألغت حكومة الوفد المعاهدة البريطانية المصرية لعام 1936، والتي أعطت السيطرة لبريطانيا على قناة السويس حتى سنة 1956. ووفقاً لأنور السادات:

   

جمال عبد الناصر

قرر ناصر حينها شن “حملة اغتيالات على نطاق واسع
   

جمال عبد الناصر

وفي يناير عام 1952، حاول عبد الناصر وحسن إبراهيم قتل حسين سري عامر ببنادقهم الرشاشة، بينما كان يقود سيارته في شوارع القاهرة، وبدلا من قتل الضابط، أصاب أحد المهاجمين امرأة مارة بريئة. وذكر ناصر أنه بكى لذلك، وجعله هذا الأمر يعدل عن رأيه.

كان سري عامر مقرباً من الملك فاروق، ورشح لرئاسة نادي الضباط. وكان ناصر مصمماً على استقلال الجيش عن النظام الملكي، وطلب من محمد نجيب الانضمام إلى الضباط الأحرار، عن طريق عبد الحكيم عامر. وكان محمد نجيب ضابطًا شعبيًا، قدم استقالته إلى الملك فاروق في عام 1942، وأصيب ثلاث مرات في حرب فلسطين.

ثورة 23 يوليو

ثورة 23 يوليو

Three men seated and observing an event. The first man from the left is wearing a suit and fez, the second man is wearing a military uniform, and the third man is wearing military uniform with a cap. Behind them are three men standing, all dressed in military uniform. In the background is ab audience seated in bleachers

قادة مصر بعد الإطاحة بالملك فاروق، نوفمبر 1952، من اليسار إلى اليمين: سليمان حافظ،محمد نجيب وناصر

يوم 25 يناير سنة 1952، حدثت مواجهة بين القوات البريطانية وشرطة الإسماعيلية أدت إلى مقتل أربعين من رجال الشرطة المصرية بالرصاص، ودارت أعمال شغب في القاهرة في اليوم التالي، مما أسفر عن مقتل 76 شخصا. بعد ذلك، نشر ناصر برنامجا من ست نقاط لمصر في مجلة روز اليوسف لتفكيك الإقطاع والقضاء على النفوذ البريطاني. في مايو 1952، تلقى ناصر كلمة تقول بأن الملك فاروق قد عرف أسماء الضباط الأحرار وسيقوم بإلقاء القبض عليهم، فقام عبد الناصر على الفور بتوكيل مهمة التخطيط للاستيلاء على الحكومة إلىزكريا محي الدين، بمساعدة وحدات الجيش الموالية للجمعية.

كان الضباط الأحرار يقولون أن نيتهم ليست تثبيت أنفسهم في الحكومة، وإنما إعادة إنشاء دولة ديمقراطية برلمانية. لم يعتقد عبد الناصر أن ضابطاً من ذوي الرتب المتدنية مثله (مقدم) من شأنه أن يكون مقبولاً من قبل الشعب المصري، واختار لذلك محمد نجيب ليكون قائدا للثورة (اسمياً).انطلقت الثورة يوم 22 (توضيح) يوليو وأعلن نجاحها في اليوم التالي. استولى الضباط الأحرار على جميع المباني الحكومية، والمحطات الإذاعية، ومراكز الشرطة، وكذلك مقر قيادة الجيش في القاهرة. وكان العديد من الضباط المتمردين يقودون وحداتهم، ارتدى ناصر ملابس مدنية لتجنب القبض عليه عن طريق النظام الملكي.وفي خطوة لدرء التدخل الأجنبي، أخبر ناصر الولايات المتحدة والحكومة البريطانية قبل يومين من الثورة عن نواياه واتفق معهما على عدم مساعدة فاروق. وتحت ضغط من أمريكا، وافق ناصر على نفي الملك المخلوع مع احتفال تكريمي.

جمال عبدالناصر مع الرئيس محمد نجيب

يوم 18 يونيو سنة 1953، تم إلغاء النظام الملكي وأعلن قيام الجمهورية في مصر، وكان نجيب أول رئيس لها،  ووفقاً لأبو الريش: بعد توليهم السلطة، أصبح ناصر والضباط الأحرار “أوصياء على مصالح الشعب” ضد النظام الملكي وطبقة “الباشاوات”. وطلبوا من رئيس الوزراء السابق علي ماهر قبول إعادة تعيينه في موقعه السابق، وتشكيل مجلس الوزراء بأكمله من المدنيين.حكم الضباط الأحرار باسم “مجلس قيادة الثورة” عن طريق محمد نجيب رئيساً وجمال عبد الناصر نائبا للرئيس.قام عبد الناصر بالعديد من الإصلاحات كقانون الإصلاح الزراعي، وإلغاء النظام الملكي، وإعادة تنظيم الأحزاب السياسية استقال ماهر يوم 7 (عدد) سبتمبر. وتولى نجيب دوراً إضافياً وهو رئاسة الوزراء، وعبد الناصر نائباً رئيس الوزراء. وفي سبتمبر، تم وضع قانون الإصلاح الزراعي حيز التنفيذ.ومن وجهة نظر عبد الناصر، أعطى هذا القانون مجلس قيادة الثورة هويته وحول الانقلاب إلى ثورة.

قبل تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، في شهر أغسطس عام 1952، اندلعت أعمال شغب يقودها الشيوعيون في مصانع الغزل والنسيج في كفر الدوار، مما أدى إلى اشتباك الجيش معهم مما أسفر عن مقتل 8 جنود و5 من العمال وإصابة 28 . أصر معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة على إعدام اثنين من زعماء أعمال الشغب، رفض ناصر هذا الرأي ومع ذلك، تم تنفيذ الحكم. وقال نجيب في مذكراته «إنني التقيت بهما وكنت مقتنعا ببرائتهما بل وكنت معجبا بشجاعتهما ولكن صدقت على حكم إعدامهما تحت ضغط وزير الداخلية – جمال عبد الناصر – لمنع تكرار مثل هذه الأحداث».أيد الإخوان المسلمون مجلس قيادة الثورة، وبعد تولي نجيب للسلطة، طالبوا بأربع حقائب وزارية في الحكومة الجديدة. رفض عبد الناصر مطالبهم وبدلا من إعطائهم أربع حقائب وزارية، منح اثنين من أعضاء الجماعة مناصب وزارية طفيفة.

الطريق إلى الرئاسة

الخلاف مع نجيب

Two smiling men in military uniform seated in an open-top automobile. The first man on the left is pointing his hand in a gesture. Behind the automobile are men in uniform walking away from the vehicle

ناصر (على اليمين) ومحمد نجيب (على اليسار) خلال الاحتفالات بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لثورة 1952.

في يناير 1953 تمكن عبد الناصر من التغلب على المعارضة بقيادة نجيب وحظر جميع الأحزاب السياسية، وأنشأ نظام الحزب الواحد تحت مظلة هيئة التحرير، والأخيرة حركة فضفاضة كانت مهمتها الرئيسية تنظيم مسيرات وإلقاء محاضرات مناؤة لمجلس قيادة الثورة، وتولى عبد الناصر منصب أمينها العام.وعلى الرغم من قرار حل البرلمان، كان عبد الناصر عضو مجلس قيادة الثورة الوحيد الذي ما زال يفضل إجراء الانتخابات البرلمانية، وفقاً لعبد اللطيف البغدادي (أحد زملائه من الضباط). وظل عبد الناصر ينادي بإجراء الانتخابات البرلمانية في سنة 1956.في مارس سنة 1953، قاد ناصر الوفد المصري للتفاوض على انسحاب القوات البريطانية من قناة السويس.

عندما بدأت علامات الاستقلال من مجلس قيادة الثورة تظهر من نجيب، حيث نأى بنفسه عن قانون الإصلاح الزراعي وتقرب إلى الأحزاب المعارضة لمجلس قيادة الثورة مثل: جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد، فكر ناصر في تنحيته. في يونيو ، سيطر ناصر على منصب وزير الداخلية بعزل الوزير سليمان حافظ، الموالي لمحمد نجيب، وضغط على نجيب لاختتام إلغاء النظام الملكي.

في 25 فبراير 1954، أعلن نجيب استقالته من مجلس قيادة الثورة بعد أن عقد مجلس قيادة الثورة لقاء رسمياً دون حضوره قبل يومين. في 26 فبراير، قبل ناصر استقالة نجيب، وقام بوضع نجيب تحت الإقامة الجبرية في منزله. وعين مجلس قيادة الثورة ناصر قائداً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء، على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً. وكما أراد نجيب، ثم تمرد على الفور بين ضباط الجيش، وطالبوا بإعادة نجيب وحل مجلس قيادة الثورة. ولكن في 27 فبراير، أطلق أنصار عبد الناصر في الجيش غارة على القيادة العامة العسكرية، وقاموا بإنهاء التمرد. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، نظم مئات الآلاف من أعضاء جماعة الأخوان المسلمين مظاهرات، ودعوا لعودة نجيب وسجن عبد الناصر. وأيضا طالبت مجموعة كبيرة داخل مجلس قيادة الثورة، بقيادة خالد محيي الدين، بإطلاق سراح نجيب وعودته إلى رئاسة الجمهورية، واضطر ناصر إلى الإذعان لمطالبهم، ولكنه أجل إعادة نجيب حتى 4 مارس، وقام بتعيين عبد الحكيم عامر قائداً للقوات المسلحة، وكان هذا المنصب في يد محمد نجيب قبل عزله.

يوم 5 مارس، قامت قوات الأمن التابعة لعبد الناصر بالقبض على الآلاف من المشاركين في المظاهرات الداعية لعودة نجيب. نجح مجلس قيادة الثورة في إثارة المستفيدين من الثورة، أي العمال والفلاحين، والبرجوازيين الصغار، حيث قاموا بتنظيم مظاهرات كبيرة، لمعارضة قرارات نجيب، التي ألغى فيها قانون الإصلاح الزراعي وعدة إصلاحات أخرى.سعى نجيب لقمع المظاهرات، ولكن تم رفض طلباته من قبل رؤساء قوات الأمن.يوم 29 مارس، أعلن ناصر إلغاء قرارات نجيب “ردا على طلب الشارع”. بين أبريل ويونيو، تم اعتقال وفصل مئات من مؤيدي نجيب في الجيش، وكان محيي الدين منفيا في سويسرا بصورة غير رسمية (لتمثيل مجلس قيادة الثورة في الخارج). حاولالملك سعود ملك المملكة العربية السعودية إصلاح العلاقات بين عبد الناصر ونجيب، ولكن دون جدوى.

رئاسة مجلس قيادة الثورة

26-10-1954

في 26 أكتوبر 1954، حاول محمود عبد اللطيف أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين اغتيال عبد الناصر، عندما كان يلقى خطاباً في الإسكندرية للإحتفال بالإنسحاب العسكري البريطاني. كان المسلح بعيدا عنه بـ 25 قدم (7.6 متر)، وأطلق ثماني طلقات، ولكن جميع الطلقات لم تصب ناصر. اندلعت حالة من الذعر بين الجمهور، لكن ناصر رفع صوته وطلب من الجماهير الهدوء، وصاح بما يلي:

   

جمال عبد الناصر

فليبق كل في مكانه أيها الرجال، فليبق كل في مكانه أيها الرجال، حياتي فداء لكم، دمي فداء لكم، سأعيش من أجلكم، وأموت من أجل حريتكم وشرفكم، إذا كان يجب أن يموت جمال عبد الناصر، يجب أن يكون كل واحد منكم جمال عبد الناصر، جمال عبد الناصر منكم ومستعد للتضحية بحياته من أجل البلاد
   

جمال عبد الناصر

A man standing in an open-top vehicle and waving to a crowd of people surrounding the vehicle. There are several men seated in the vehicle and in another trailing vehicle, all dressed in military uniform

استقبال الحشود لناصر في الإسكندرية بعد يوم واحد من إعلانه الانسحاب البريطاني ومحاولة اغتياله، 27 أكتوبر 1954.

تعالت صيحات التشجيع لعبد الناصر في مصر والوطن العربي. وأتت محاولة الاغتيال بنتائج عكسية. وبعد عودته إلى القاهرة، أمر عبد الناصر بواحدة من أكبر الحملات السياسية في التاريخ الحديث لمصر، فتم اعتقال الآلاف من المعارضين، ومعظمهم من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والشيوعيين، وتمت إقالة 140 ضابطا موالياً لنجيب. وحكم على ثمانية من قادة الإخوان بالإعدام. تمت إزالة محمد نجيب من رئاسة الجمهورية ووضع تحت الإقامة الجبرية، ولكن لم تتم محاكمته، ولم يقم أحد في الجيش بالدفاع عنه. وبعد تحييد منافسيه، أصبح عبد الناصر الزعيم بلا منازع في مصر.

كان لا يزال عدد مؤيدي عبد الناصر قليلاً، ولا يضمن له الحفاظ على خططه الإصلاحية، وسعيه للبقاء في السلطة. فقام عبد الناصر بإلقاء عدة خطب في أماكن مختلفة في البلاد، للترويج لنفسه ولهيئة التحرير. وقام بفرض ضوابط على الصحافة، وأعلن أن جميع المنشورات والصحف لا بد أن تلقى موافقته عليها لمنع “الفتنة”. غنى كل من أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وبعض المطربين العرب البارزين في هذا العصر عدة أغاني تشيد بقومية عبد الناصر. وأنتجت عدة مسرحيات تشوه سمعة خصومه السياسيين.ووفقاً لبعض معاونيه، دبر عبد الناصر الحملة بنفسه. وبدأت القومية العربية تظهر بشكل متكرر في خطاباته في سنتي 1954 – 1955. ثم في يناير 1955 عين رئيساً لمجلس قيادة الثورة.

قام عبد الناصر بعمل اتصالات سرية بغرض السلام مع إسرائيل في سنتي1954 – 1955 ، لكنه مصمم بعد ذلك على أن السلام مع إسرائيل مستحيل، واعتبر أنها “دولة توسعية تنظر العرب بإزدراء”. يوم 28 فبراير 1955، هاجمت القوات الإسرائيلية قطاع غزة، الذي كانت تسيطر عليه مصر في ذلك الوقت، وأعلنت إسرائيل أن هدفها هو القضاء على الغارات الفدائية الفلسطينية. شعر عبد الناصر بأن الجيش المصري ليس على استعداد للمواجهة ولم يرد عسكرياً. كان فشله في الرد على العمل العسكري الإسرائيلي ضربة لشعبيته المتزايدة. في وقت لاحق أمر ناصر بتشديد الحصار على الملاحة الإسرائيلية من خلال مضيق تيران. قام الإسرائيليون بإعادة عسكرة منطقة عوجة الحفير منزوعة السلاح على الحدود المصرية في 21 سبتمبر.

وبالتزامن مع غارة فبراير الإسرائيلية، تم تشكيل حلف بغداد بين بعض الحلفاء الإقليميين للمملكة المتحدة. اعتبر عبد الناصر حلف بغداد تهديدا لجهوده للقضاء على النفوذ العسكري البريطاني في الشرق الأوسط، وآلية لتقويض جامعة الدول العربية و”إدامة التبعية العربية للصهيونية والإمبريالية الغربية”. ورأى ناصر أنه إذا كان يريد الحفاظ على الموقع الريادي الإقليمي لمصر فهو يحتاج إلى الحصول على الأسلحة الحديثة لتسليح جيشه. عندما أصبح واضحا له أن الدول الغربية لن تمد مصر بالأسلحة تحت شروط مالية وعسكرية مقبولة،تحول عبد الناصر إلى الكتلة الشرقية وأبرم اتفاق شراء أسلحة من تشيكوسلوفاكيا بمبلغ 320 مليون دولار أمريكي في 27 سبتمبر.بعد صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية، أصبح ميزان القوى بين مصر وإسرائيل أكثر تعادلاً، وتعزز دور عبد الناصر كقائد للعرب يتحدى الغرب.

إعلان الحياد

Six men seated on a rug. The first two men from the left are dressed in white robes and white headdresses, the third and fourth men are dressed in military uniform, and the last two are wearing robes and headdresses

ناصر والإمام أحمد من شمال اليمن(وجههما للكاميرا)، والأمير فيصل منالمملكة العربية السعودية في الجلباب الأبيض في الخلف، أمين الحسيني منحكومة عموم فلسطين في المقدمة فيمؤتمر باندونغ، أبريل 1955

في مؤتمر باندونغ في إندونيسيا في أواخر أبريل 1956، كان عبد الناصر يعامل كأبرز ممثلي الدول العربية، وكان واحداً من الشخصيات الأكثر شعبية في القمة.وكان عبد الناصر قد زارباكستان في وقت سابق (9 (عدد) أبريل) والهند (14 أبريل)،وبورما وأفغانستان في الطريق إلى باندونغ. وأقام معاهدة صداقة مع الهند في القاهرة يوم 6 (عدد) أبريل، مما عزز العلاقات المصرية الهندية في السياسة الدولية وجبهات التنمية الاقتصادية.

ناصر يدلي بصوته في الاستفتاء على الدستور المقترح، 23 حزيران 1956

توسط ناصر في مناقشات المؤتمر بين الفصائل الموالية للغرب، والموالية للإتحاد السوفيتي. وسعت جهود عبد الناصر للتصدي للإستعمار في أفريقيا وآسيا وتعزيز السلام العالمي في ظل الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي. قدم عبد الناصر الدعم من أجل استقلال تونسوالجزائر والمغرب عن الحكم الفرنسي، ودعم حق عودة الفلسطينيين لمنازلهم، ودعى لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. نجح في الضغط على الحضور لتمرير قرارات بشأن كل من هذه القضايا، وأبرز مكاسبه كان ضمان الدعم القوي من الصينوالهند.

بعد مؤتمر باندونج، أعلن ناصر رسميا “الحياد الإيجابي” لمصر بشأن الحرب الباردة.وتم استقبال عبد الناصر من قبل حشود كبيرة من الناس غطت شوارع القاهرة لدى عودته إلى مصر في 2 مايو، وتم الإعلان على نطاق واسع في الصحافة عن إنجازاته وقيادته للمؤتمر. ونتيجة لذلك، تعززت مكانة عبد الناصر إلى حد كبير كما زادت ثقته في نفسه.

1956 (الدستور والرئاسة)

مع تعزيز موقعه الداخلي إلى حد كبير، أصبح ناصر قادرا على ضمان أسبقيته على زملائه في مجلس قيادة الثورة، واكتساب سلطة صنع القرار من دون منازع نسبيا،وخاصة في السياسة الخارجية.

خلال شهر يناير من سنة 1956، أُعلن عن الدُستور المصري الجديد، الذي نصَّ على تأسيس نظام الحزب الواحد تحت مظلَّة الاتحاد القومي.يفلسف ناصر الاتحاد القومي بقوله: «إن الاتحاد القومي ليس حزباً، وإنما هو وطن بأكمله داخل إطار واحد … ويحقق أهداف ثورته التي لا بد من تحقيقها». كان الاتحاد القومي هو نفسه هيئة التحرير بعد إعادة تشكيلها، بعد أن فشل ناصر في حشد المُشاركة الشعبيَّة الكبيرة فيها.حاول ناصر أن يُخرط المزيد من المُواطنين في الحركة الجديدة، على أن يتم تقديم طلبات الانتساب إلى لجانٍ شعبيَّةٍ مُختصَّة تُوافق عليها أولًا، وذلك في سبيل ترسيخ الدعم الشعبي لِحُكومته.كان الاتحاد القومي يختار مُرشحًا للانتخابات الرئاسيَّة على أن تتم الموافقة عليه من قبل الجماهير بعد أن يُطرح اسمه من قِبل اللجان.

تم ترشيح عبد الناصر لمنصب رئاسة الجمهورية، وطرح الدستور الجديد للاستفتاء العام يوم 23 يونيو، وحاز كلاهما على الموافقة بأغلبية ساحقة. وأنشئ مجلس الأمة الذي يتضمن 350 عضوا. وجرت الانتخابات في يوليو سنة 1957. منح الدستور حق الاقتراع للمرأة، وحظر التمييز القائم على نوع الجنس، وكفل حماية خاصة للنساء في مكان العمل. تزامنا مع الدستور الجديد ورئاسة عبد الناصر، حل مجلس قيادة الثورة نفسه كجزء من الانتقال إلى الحكم المدني.وخلال المناقشات التي دارت لتشكيل حكومة جديدة، بدأ ناصر عملية تهميش منافسيه من بين الضباط الأحرار الأصليين، بينما رفع أقرب حلفائه لمناصب رفيعة المستوى في الحكومة.

تأميم قناة السويس

ناصر يرفع العلم المصري على قناة السويسفي مدينة بورسعيد، بمناسبة الاحتفال بالانسحاب العسكري البريطاني من البلاد، حزيران 1956

بعد فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، تسلم ناصر السلطة. اصطدمت سياساته الخارجية والداخلية المستقلة بشكل متزايد مع المصالح الإقليمية لكل من المملكة المتحدة وفرنسا. أدانت الأخيرة دعمه القوي لاستقلال الجزائر، واهتاجت حكومة أنطوني إيدن في المملكة المتحدة من حملة عبد الناصر ضد حلف بغداد. بالإضافة إلى ذلك، فقد أدى تمسك عبد الناصر بالحياد بشأن الحرب الباردة، والاعتراف بالصين الشيوعية، وصفقة الأسلحة مع الكتلة الشرقية إلى انزعاج للولايات المتحدة. في 19 تموز 1956، سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا فجأة عرضهما لتمويل بناء سد أسوان،حيث أعربتا عن خوفهما من أن الاقتصاد المصري سوف يغرق بسبب هذا المشروع.

أُبلِغ ناصر بالانسحاب البريطاني الأمريكي بينما كان على متن طائرة العودة إلى القاهرة من بلغراد. يؤكد الصحفي محمد حسنين هيكل أن ناصر اتخذ القرار النهائي لتأميم قناة السويس بين 19 و20 يوليو. ولكن ناصر ذكر بنفسه في وقت لاحق أنه قرر ذلك في 23 يوليو، بعد دراسة المسألة والتباحث مع بعض مستشاريه من مجلس قيادة الثورة المنحل، وهما البغدادي ومحمود يونس. علم بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة بالقرار يوم 24 يوليو، بينما كان الجزء الأكبر من مجلس الوزراء غير مدركين لمخطط التأميم حتى قبل ساعات من إعلان عبد الناصر علنا عنه.

في 26 يوليو 1956، قدم ناصر خطابا في الإسكندرية أعلن فيه تأميم شركة قناة السويس كوسيلة لتمويل مشروع سد أسوان في ضوء انسحاب القوات البريطانية الأمريكية. ووسط حديثه، ندد ناصر بالإمبريالية البريطانية في مصر والسيطرة البريطانية على أرباح شركة القناة، وتمسك بحق الشعب المصري في السيادة على الممر المائي، خاصة وأن 120,000 مصري قد مات في سبيل إنشائه.

وكان في استقبال إعلان تأميم القناة تأييد واسع من قبل الجمهور في مصر، وفي جميع أنحاء الوطن العربي، نزل الآلاف إلى الشوارع مرددين هتافات داعمة لهذا القرار. وكتب المحلل السياسي المصري محمود حمد أنه بعد تأميم القناة اكتسب ناصر شعبية “شبه تامة” أنشئت الشرعية وجعلته “القائد الكاريزمي” و”المتحدث باسم الجماهير ليس فقط في مصر، بل في جميع أنحاء العالم الثالث”. ووفقا لأبو الريش، كان هذا أكبر انتصار لقومية عبد الناصر العربية في ذلك الوقت و”بعد فترة قصيرة كانت لوحاته يمكن العثور عليها في خيام اليمن، وأسواق مراكش، والفيلات الفاخرة في سوريا”. وكان التبرير الرسمي لتأميم القناة أن الأموال الناتجة من القناة ستستخدم في بناء السد في أسوان. وفي اليوم نفسه، أغلقت مصر القناة أمام الملاحة الإسرائيلية.

وفاة جمال عبد الناصر

توفي الزعيم جمال عبد الناصر في عام ألف وتسعمئة وسبعين ميلادي، وذلك عقب مؤتمر القمة الذي عقد في شهر سبتمبر من ذلك العام، وقد جاءت وفاته إثر نوبة قلبية، مما استدعى نقله مباشرة إلى بيته، وهناك أشرف الأطباء على حالته الصحية، إلى أن توفي بعد ساعات. قد حضر وفاته كل من زوجته، ومحمد أنور السادات، وهيكل. وقد فسر الأطباء وفاته بتصلب الشرايين، ومضاعفات السكري، والدوالي، ومما ساعد على إصابته بهذه الاعتلالات تدخينه الشره، عدا عن وجود تاريخ عائلي بوجود الأمراض القلبية. تضاربت بعض الروايات مع الرواية السابقة فيما يتعلق بوفاة جمال عبد الناصر، وذلك بعد أن خضعت وفاته للقيل والقال، فذهب بعض المحللين إلى أن عبد الناصر مات مسموماً، وذلك خلال زيارته لقطر عربي في نفس العام الذي توفي فيه، ولا يزال هذا الأمر محل اختلاف كبير إلى يومنا هذا.

ردود الأفعال على وفاة عبد الناصر

بعد أن أعلن المسؤولون في جمهورية مصر العربية نبأ وفاة جمال عبد الناصر، صدم العالم العربي من شرقه إلى غربه جراء هذا النبأ، ويقال أن عدد من شيعوه قد بلغ قرابة خمسة ملايين شخص تقريباً، وقد حضر جنازته كافة الزعماء العرب في ذلك الوقت وعلى رأسهم الملك الحسين بن طلال، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، غير أن الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية كان قد تغيب عن حضور هذه الجنازة. كما حضر جنازة جمال عبد الناصر بعض الشخصيات الهامة من غير العرب. هذا وقد رُثي عبد الناصر من قبل العديد من الشعراء كالشاعر العربي نزار قباني.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

التعليقات مغلقة.