يلماز غوني.. من السجن إلى السعفة الذهبية في مهرجان كان

أدار فيلمي «الأمل» و «القطيع» من السجن، كما أخرج فيلمه «الطريق» من سجن (توب تاشه)، بالتعاون مع شريف غوران. وكانت جميع أفلامه تحقق نجاحات في شباك التذاكر.

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

ولد يلماز غوني في نيسان سنة ١٩٣٧ في قرية آينجة التابعة لمدينة أضنا، وسط عائلة فقيرة الحال، عاش فقيراً، لكنه كان محباً للعلم، فتابع تحصيله العلمي حتى حصل على الثانوية العامة.

مارس يلماز أكثر من مهنة ليكسب قوت عيشه ومصروفاً لدراسته، حيث أكمل الثانوية وسجل في جامعة إسطنبول في كلية الاقتصاد.

وفي إسطنبول كان الثوري والفنان المبدع، وتبلورت مفاهيمه الثورية، ورفضه العفوي في مرحلة بسيطة من حياته لأشكال التعسف الاجتماعي ضد الفقراء، ويدل اسمه على ذلك، فـ (يلماز) يعني (القاسي) ولقبه كان بوتون لكنه اختار غوني ويعني (المسكين أو الفقير).

يعتبر واحداً من بين أكثر الأسماء الأدبية والفنية ملاحقة واعتقالاً من قبل السلطات الرسمية، حيث أمضى في السجن حوالي 11 عاماً، خلال فترات متفرقة. لكن لم يمنعه ذلك من متابعة عمله، إن كان في الكتابة القصصية والروائية، أو في النشاط السينمائي.

بداية رحلته مع السينما

بدأ رحلته مع السينما في ١٩٥٧ كمساعد مخرج لفلم (أبناء هذا البلد) ومن بعدها اشتغل كممثل في ٤٠٠ عمل سينمائي منها ١١٠ فلماً بدور البطولة وكان ملقباً بـ (السلطان القبيح) وحقق طوال مساره كمخرج نحو ٢٢ فيلماً، (أخرج ثلاثة منها وهو في السجن)، نال معها نحو 17 جائزة، من بينها السعفة الذهبية من مهرجان «كان» السينمائي عن

از غوني (فيسبوك)

فيلمه “الطريق (YOL)”.

وجد غوني الشاب نفسه مناضلاَ في صفوف «الجناح الأكثر تطرفاً في الحزب الشيوعي التركي». ولم يكن غوني راضياً عن معظم الأفلام التي كان يمثل فيها، معتبراً اياها «تستلب الشعب أكثر وأكثر وتعطيه وعياً مزيفاً»، فيما كان يخوض نضالاً سياسياً عنيفاً في بلد يحظر فيه أي انتماء يساري، كما بدأت هويته الكُردية تبرز إلى العلن، من دون أن يتمكن من التعبير عنها بشكل مباشر في أي من أدواره العديدة.

اعتمد أسلوب الواقعية الايطالية وركز على الفئات المضطهدة والفقيرة في الأرياف.

كان عام ١٩٦٦ تحولاً كبيراً في حياة كوناي حيث ظهرت له أفلام من نوعٍ جديد أرسى من خلالها مدرسة جديدة للسينما في تركيا، والتي أخذت بعداً عالمياً وداخلياً وسرعان ما تأثر بها المنتجين الكبار، فأخرج (سيد خان، الذئاب الجائعة، رجل قبيح…) وكانت باكورة أعماله في تلك المرحلة فيلم (الأمل) الذي أوصله إلى أكبر المهرجانات العالمية حيث نال (17) جائزة على فيلمه، وجذب إليه العيون والسمعة القوية بين فناني العالم.

أخرج أفلاماً من السجن

أصبح غوني خلال فترة قياسية واحداً من السينمائيين الأكثر حضوراً في السينما الأوروبية، وذلك بفضل أفلام تقول الحكاية إنه أدار إخراج الأفضل من بينها وهو في السجن،

مشهد من فيلم الطريق ليلماز غوني(نون بوست)

حيث كان مساعده زكي اوكتان أو صديقه شريف غوران، ينفذان الخطوات الإخراجية التي يرسمها هو لسيناريوهات كتبها بنفسه وهو قابع في زنزانته. إذ كان اوكتان وغوران يعدان الممثلين ومواقع التصوير، وهو في الداخل يحدد الحركات والعلاقات والحوارات وموقع الكاميرا.

وتكررت هذه التجربة مرات عدة. إذ أدار فيلمي «الأمل» و «القطيع» من السجن، كما أخرج فيلمه «الطريق» من سجن (توب تاشه)، بالتعاون مع شريف غوران. وكانت جميع أفلامه تحقق نجاحات في شباك التذاكر.

وكذلك كتب رواية «ماتوا ورؤوسهم منحنية» عن الفلاحين الفقراء في جنوب تركيا، وهو في السجن. واللافت أن أصدقاء غوني كانوا يهربون أفلامه إلى خارج البلاد لتعرض في المهرجانات وتثير ضجة من حول مخرجها الذي تحول إلى “أسطورة حية”، وصار واحداً من السينمائيين المرموقين في العالم.

يقول عنه إيليا كازان حين تشاهد هذا الفيلم “الأمل” تشعر من فورك أن النظرة التي يلقيها مخرجه على البشر وعلى شعبه، نظرة صادقة، حقيقية ومتكاملة إلى درجة أنني حين كنت أتابع مَشاهد الفيلم شعرت بقلق شديد على مصير الرجل والعائلة اللذين كنت أشاهدهما على الشاشة، بل أخذني القلق حتى بعد نهاية الفيلم.

يلماز غوني الأديب

يلماز غوني في واحد من أفلامه(سينماتوغراف)

كتب قصته الأولى الأعناق الملوية ١٩٦١ وكانت سبباً لسجنه من قبل السلطات بتهمة أنه “مثقف أحمر”.

لم يكن السجن ليلماز جدران مغلقة بل عالم جديد من العمل واختراق الذات وانفعال الفكر والقهر والخيال والحب، ليكتب من عالمه أجمل ملاحمه، فقد كتب رائعته (صالبا) عام ١٩٧٣ من سجن السليمة، والتي طبعت عدة مرات وبلغاتٍ عديدة، وكتب رواية (معادلات مع ثلاث غرباء) وكتب مئات القصائد والمقالات، كما كتب سيناريوهات أكثر من فيلم داخل السجن وكان أكثرها شهرة فيلم (الرفيق. القطيع وآخرها فيلم الطريق).

نشر مئات القصص القصيرة وله أربع روايات، من بينها «الأعناق المنحنية» أو «ماتوا ورؤوسهم منحنية»، التي حازت على جائزة «أورهان كمال» في العام 1970، وهي أرفع جائزة أدبية في تركيا.

غوني والقضية الكردية

يقول غوني عن القضية الكردية، هي “قضية في غاية الصعوبة والتعقيد، ذات يوم سأحقق فيلماً أحكي فيه حقاً حكاية نضال شعب من أجل ولادته أو بعثه، أما اليوم فالأمر

بوستر واحد من أفلام غوني(جنرال ميوزيك)

عسير كما إن القضية نفسها عسيرة، ومع هذا على المرء أن يحكي ذات يوم كيف تم تشتيت الشعب الكردي وتقسيمه، وما هي الآفاق المستقبلية المطروحة أمامه. على أي حال اعتقد إن من الأمور الشديدة الصعوبة الحديث عن مثل هذا بموضوعية، فالتاريخ ليس حافلاً بالانتصارات فقط، بل هو حافلٌ كذلك بالهزائم والأخطاء وخيبات الأمل”.

ويقول في حوارٍ معه: “لم يكن هدفي من الحياة مزاولة الفن، بل محاولة تحرير شعبي من خلال هذا الفن”. لذلك ومن خلال هذا الفن دخلت القضية الكُردية أطواراً عديدة، منها السياسي والاحتجاجي، في البلدان التي يتوزع فيها الكُرد طامحين إلى حلمهم بالهوية التي قد تحققها الدولة الكُردية. والهوية في جانب منها هي الثقافة، وأن من قدّم ثقافة شعبه يستطيع نقل رسالة شعبه إلى العالم.

الهروب من السجن

في عام 1981، هرب من السجن خلال «إجازة مراقبة»، ومن تركيا إلى اليونان، ثم استقر في فرنسا. وفي حينها، جردته الحكومة التركية من الجنسية، وحكمت عليه المحاكم التركية بأكثر من 22 سنة سجن بتهم سياسية.

ويقول يلماز گوناي إنه هرب من السجن بتسهيل من السلطات التي أرادت أن يفر من البلاد إلى المنفى، في فرنسا، أنجز فيلمه الأخير «الجدار ـ Duvar» في العام 1983، الذي يتحدث عن واقع السجون التركية عبر خلاله عن الواقع المزري هناك عبر تصوير أعمال شغب جرت في أحد السجون.

الوفاة

بفيلم أسدل الستار على حياة هذا المبدع الكبير الذي توفي في باريس يوم 9 أيلول 1984 ليدفن في مقبرة العظماء “بيير لاشيز”، بعد أن ملأ السمع والبصر بالقضية الكُردية العادلة.

مصدر د. ابراهيم محمود‏، يلماز غوناي ودور السينما في النضال الوطني‏
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!