الأفقي والعمودي في الثورة السورية

هل سيرحل رأس النظام “بشار الأسد” قتيلاً أو هارباً إلى دولة حليفة؟ أم أنه سيستمر حتى يثبت للعالم أجمع أنه أشرس دكتاتور عبر التاريخ؟ وهل هو على استعداد لإبادة الشعب السوري أجمع، ومحو سوريا من خارطة الكرة الأرضية مقابل وجوده مع منظومته الاستبدادية؟

0
الأيام السورية؛ أحمد بغدادي

كلنا يعرف المراحل التي مرّت بها الثورة السورية، خلال السنوات التسع الماضية، وتحولاتها، بين موازين القوى التي فرضت عليها، وخاصةً عقب دفعها نحو السلاح من قبل النظام السوري وحلفائه؛ حيث فُرضَ عليها اتجاهاتٍ عديدةً؛ منها تغيير ملامحها نحو “الأسلمة”، وهذا المخطط كان معدّاً بشكل مسبق في غرف استخبارات بعض الدول الكبرى والإقليمية، علاوة على نجاح النظام السوري والإيراني بعد سنة تقريباً من اندلاع الحراك الشعبي بدق الأسافين الطائفية، وترويج الخطاب المتطرف (الأصولي) في سورية، بالتزامن مع ممارسة القتل والترهيب والاعتقالات بحق أبناء المدن المنتفضة ضد طاغية دمشق.

امتطاء الشعوب العربية

هذه الأفاعيل ـ أي القتل والقمع والاستبداد ـ هي سجيّة هذه الأنظمة، بل إنها وظائف وواجبات عليهم إنجازها، وقت الخطر، لدفع الشعب نحو طلب الثأر والاقتتال الأهلي، فضلاً عن إرضاء أسيادهم، الذين ساعدوهم على “امتطاء” الشعوب العربية، كي يتمكنوا من ــ ضبط ــ بوصلة الجماهير وتوجيهها حيث يرغبون بعيداً عن القضية المركزية، ألا وهي فلسطين.

لذلك، كان النظام السوري ذا حظٍ وافر ومقام عالٍ لدى الصهيونية أمام الأنظمة الأخرى (الرؤساء) التي يُفترض أنها “سقطت” أثناء الربيع العربي؛ ومثال على ذلك، الرئيس المصري “حسني مبارك”، الذي لم يبقَ شهراً واحداً بعد اندلاع الثورة المصرية، حتى أعلن عن استقالته، وذلك كان من العجب العجاب، حيث إن العالم أجمع يعرف الثقل التاريخي والجيوسياسي لمصر في الشرق الأوسط، فكيف لطاغية مثل مبارك أن يتخلّى عن سدّة الحكم لولا لم تأتِ أوامر بذلك!؟ ليتم بعدها ترضية الشعب المصري لفترة وجيزة بالإخوان المسلمين، عن طريق انتخابات فاز بها محمد مرسي، ويأتي بعدها السيسي (خريج كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي بالولايات المتحدة عام 2006) بانقلاب عسكري كسر ظهر البعير، ولمّا تزل مصر حتى الآن تعاني الويلات من حكم العسكر، بل أسوأ من حقبة مبارك!

حتمية بقاء النظام السوري لآخر نفس، مع السماح بتدخّل إيران وحزب الله وروسيا، وكافة الميليشيات الطائفية، والفصائل الراديكالية في سورية، إلى أنْ يتم وأد انتفاضة السوريين، وإجهاض الثورة.

والقذافي أيضاً، “سقط”، وها هي ليبيا ترزح تحت وطأة حرب قذرة، ودموية، مع محاصصة غربية، ووصاية إيطالية، علاوة على التدخل الإماراتي والتركي والروسي هناك!

بقاء النظام السوري قرار دولي!

وثمة أمثلة أخرى، عن اجتثاث رأس النظام، وبقاء الانفلات الأمني والاستبداد القديم، والمهازل البرلمانية، ضمن تلك الدول التي مرّ بها الربيع العربي، باستثناء سوريا، التي لم تحظَ حتى الآن بحلمها، المتمثّل في سقوط نظام جذوره ضاربة حتى النخاع الشوكي في الوطن العربي، لا بل تمتد تلك الجذور لتصلَ إلى غرف نوم ضبّاط المخابرات الأمريكية (SIA)، الذين قرّروا منذ بداية الثورة “حتمية بقاء النظام السوري لآخر نفس، مع السماح بتدخّل إيران وحزب الله وروسيا، وكافة الميليشيات الطائفية، والفصائل الراديكالية في سورية”، إلى أنْ يتم وأد انتفاضة السوريين، وإجهاض الثورة التي تؤلّب “بنظرهم” باقي الشعوب العربية والإسلامية على إسقاط أنظمتها الوظيفية، وتهدد النظام العالمي الجديد التي تسعى إليه أمريكا وحلفاؤها.

ما خفيَ أعظم

إذن؛ هذا هو الواقع المرئي، والواضح للعوام، لكن، إن أتينا إلى “ما خفيَ أعظم”، سوف نجد أن هناك مخططاً أكثر دموية يُعدّ، وأجنداتٍ لها بُعد زمني، واستراتيجي، تجاه المنطقة، وخاصةً في سورية ومحيطها الإقليمي الشمالي.. وهو عزل تركيا عن الوطن العربي والإسلامي، حيث سوريا هي البوابة الوحيدة لها بعد العراق، الذي يحتضر عقب تدميره ومنحه لإيران، فتركيا محاطة بدول لديها عداء تاريخي معها، ابتداءً من اليونان إلى أرمينيا وبلغاريا وجورجيا، وصولاً لإيران (الصفوية)، وكل هذه الدول لن تترك فرصة لتركيا أن تتنفس، بل تشارك في إضعافها مع أمريكا وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

وقد تجلّى جزءٌ من المخطط على الأرض ضمن الصراع الأخير في إدلب، القائم على تحالف النظام السوري وروسيا والميليشيات الإيرانية والعراقية، ضد فصائل المعارضة المسلحة المدعومة من تركيا، التي “لقّنت الأسد درساً عسكرياً مكثّفاً خلال أيام”؛ ما جعل وزارة الخارجية الأمريكية تبدي قلقها مثل “بان كي مون” وباقي أعضاء الأمم المتحدة جرّاء ما يحصل في الشمال السوري، وتلوم الجانب الروسي الذي يدعم النظام، مع إيصال رسائل واضحة للجميع، تارةً بأنهم سوف يقفون مع تركيا، وتارات أخرى يرفعون أيديهم عن (دعم) تركيا حتى سياسياً! وكل ذلك مقابل خضوع تركيا لشروط واشنطن، منها فيما يخص صفقة الــ” S400 ” وطائرات الـ” F35 ” وبطاريات الباتريوت الأمريكية؛ ويأتي هذا على حساب الدم السوري كالعادة، متجاهلين ما يقوم به النظام السوري وميليشياته وروسيا من قتل وتهجير وتغيير ديمغرافي!

بعد العامل الأول النظام السوري جاءت العوامل الأخرى مصالح الدول، ما جعل الثورة السورية من أكثر الثورات دموية عبر التاريخ، لا بل إن أهدافها فشلت، وانتصر القاتل بحكم الواقع.

مصالح الدول

بعد العامل الأول “النظام السوري” جاءت العوامل الأخرى (مصالح الدول)، ما جعل الثورة السورية من أكثر الثورات دموية عبر التاريخ، لا بل إن أهدافها فشلت، وانتصر القاتل بحكم الواقع، وهنا نذهب إلى نتائج الصراع، بين طرفين؛ الأول يمتلك ترسانة عسكرية ودعم دول قوية، والطرف الثاني هو الشعب الأعزل، الذي قتل منه مئات الألوف وتهجّر نصفه بين أصقاع الأرض، وقاوم ويقاوم حتى الآن بالكلمة والهتافات، ويواجه جيوشاً نظامية وطائرات وأسلحة محرمة دولياً، وقرارات مجحفة وظالمة بحقه من قبل المجتمع الدولي والدول الصديقة قبل الأعداء! – فهل هذا منصف لنقول إن الثورة فشلت؟

نعتقد أن المثل القائل “لكل جواد كبوة” لا ينطبق على الثورة السورية، فهي تعثرت كثيراً، وقد ذكرنا العوامل التي أوصلتها إلى ذلك، هذا علاوة على الفشل الذريع لما تسمى بـ”المعارضة السياسية” مثل الائتلاف السوري، وغيره من حركات ومجاميع سياسية معارضة، اقتصرت أعمالهم على المهاترات والشجار للفوز بالمناصب، والفساد، والتخوين والانقسام، والتبعية لدول تمرر مصالحها وتلعب بهم كالدمى!

محو سوريا من خارطة الكرة الأرضية

لن يرحل رأس النظام “بشار الأسد” قتيلاً أو هارباً إلى دولة حليفة حتى يثبت للعالم أجمع أنه أشرس دكتاتور عبر التاريخ؛ فهذه السنوات التسع التي دمّر خلالها سوريا وشعبها، لم تكفهِ! سوف يسعى إلى أقذر من ذلك ليشبع غروره، بل إنه على استعداد تام لإبادة الشعب السوري أجمع، ومحو سوريا من خارطة الكرة الأرضية مقابل وجوده مع منظومته الاستبدادية ضمن قطعة أرض لا تتجاوز “كيلو متر” تكون ميراث كهدية له عبر الاحتلال الروسي أو الإيراني و(دول أصدقاء سوريا!).

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!