أحمدى خاني.. شاعر الكُرد وفيلسوفهم الأشهر

وصل الى قمة مجده في ملحمته “مم وزين” التي يختلف الباحثون في تحديد تاريخ تدوينها، ويرجح أنه انتهى منها في الرابعة والأربعين من عمره، وربما باشر بها عام 1665م وقد أخذت منه ثلاثين عاما من عمره.

0
الأيام السورية؛ حنان معمو

أحمدى خاني (Ehmedê Xanî) هو أحمدى بن الياس بن رستم، ولد عام 1650 في قرية “خاني” القريبة من “جوله ميرك” أكبر مدن منطقة “هكاري” في شمال كُردستان (تركيا).

البحث عن العلم والمعرفة

شاعر وأديب، من أشهر الأدباء الكُرد عبر القرون. وهو واحد من كبار علماء الكُرد الذين برعوا في علوم الفقه والفلسفة والتصوف والأدب.

صورة متخيلة مرسومة للشاعر أحمدى خاني(مديوم)

كغيره من أبناء عصره، تلقى خاني علومه الابتدائية في الكتاتيب والجوامع، على أيدي شيوخ زمانه، ثم في المدارس التي كانت متوفرة آنذاك في المدن الكبيرة، مثل تبريز وبدليس، حيث ظهرت لديه علائم النبوغ مبكرة، وهو لم يتجاوز الربيع الرابع عشر من عمره.

سعيا وراء المزيد من العلم، زار مدنا كثيرة، وتجول فيها، وأقام في مرابعها ردحا من الزمن، مثل اسطنبول، ودمشق، ومصر أيضا، فاطلع على علوم عصره، وجمع بين الأدب ولا سيما الشعر، وبين الفقه والتصوف، فذاعت شهرته مقرونة بالثقافة الواسعة والمعرفة العميقة في الأمور الأدبية والفلسفية والدينية.

علاقته مع اللغات

كانت اللغات العربية والتركية والفارسية بالإضافة الى اللغة الكردية هي اللغات السائدة في المنطقة. فانكب خاني عليها جميعا، وغرف من معينها إلى أن أتقنها كلها. ثم التفت للأطفال، فجسد حبه لهم من خلال تعليمهم وتلقينهم مبادئ اللغتين الكردية والعربية، فوضع قاموسه الكردي – العربي، الذي خصهم به، حتى انه أسماه (“نوبهار بجوكان” الربيع الجديد للصغار) وراح يفتح المدارس، ويتطوع للتعليم فيها بنفسه دون مقابل مجسدا بذلك حبه للعلم.

تمثال أحمدى خاني(ويكيبيديا)

وعلى الرغم من تمكنه من اللغات العربية والفارسية والتركية، تراه قد آثر أن يكتب مؤلفاته باللغة الكردية، ليؤكد بذلك مساهمة الكُرد في بناء الحضارة الإنسانية. فخلف من بعده أروع ما كتب في الأدب الكردي. مبدعا الشعر القصصي في هذا الأدب وذلك من خلال (ممي آلان) و (ممو زين) ديوانه ذائع الصيت الآن في الشرق والغرب، والمنتشر بين الآداب العالمية.

وله قصائد شعرية أخرى، وله أيضا “عقيدة الايمان” ومجموعة من القصائد الغزلية، وقصيدة جمع فيها من اللغات الشرقية العربية والفارسية والتركية بالإضافة إلى لغته التي تبقى مدينة له وهو يبقى رمز قوة لها.

ذاعت شهرة أحمدى خاني نتيجة لثقافته الواسعة ومعرفته المتعمقة بالأدب والفلسفة والدين.

خاني وبدايات الفكر القومي الكردي

يُعتبر أحمدى خاني من الأوائل الذين ساهموا في تعزيز القضية القومية الكردية والدفاع عنها، داعيًا للوحدة بين كل الكُرد ونبذ الخلافات والخونة من الصف الكردي. يقول بعض النقاد أن رائعته (مم وزين) مثلت بدايات الفكر القومي الكردي وبداية الرغبة في تأسيس دولة قومية كردية.

كانت الفترة التي عاش فيها أحمدى خاني حافلة بالصراع بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية العثمانية للسيطرة على ثروات كردستان، كما شهدت تلك الفترة صراعات داخلية بين الأمراء والحكام واقتتال داخلي. أثرت تلك الأحداث على أحمدى خاني ودفعته إلى الدعوة لتوحيد الصف الكردي والوحدة واليقظة لما يُحاك لهم من الخارج، فلم يترك فرصة إلا وكان يدعو فيها الكُرد إلى القوة والعمل.

لوحة متخيلة من ملحمة مم وزين(جريدة قاسيون)

خاني وملحمته “مم وزين”

غلاف ملحمة مم وزين مترجمة إلى العربية (الكتاب الذهبي)

وصل الى قمة مجده في ملحمته “مم وزين” التي يختلف الباحثون في تحديد تاريخ تدوينها، ويرجح أنه انتهى منها في الرابعة والأربعين من عمره، وربما باشر بها عام 1665م وقد أخذت منه ثلاثين عاما من عمره.

الملحمة، قصة فولكلورية غرامية شائعة في أوساط الشعب الكردي وكانت تروى في ليال الشتاء الطويلة في كُردستان، وهي بالأساس قصة فولكلورية كُردية قديمة، كانت معروفة باسم “مه م ئالان”، وقام خاني بدراسة تلك القصة الفولكلورية دراسة وافية بكل جوانبها الظاهرة والجوهرية وقام بتهذيبها وتركيزها ووضع فيها خلاصة رؤاه الفكرية والجمالية والفلسفية والتصوفية، وصبها في قالب جديد يتوافق مع روحية عصره وواقع مجتمعه.

تُعد مم وزين من أهم الآثار الشعرية لأحمدى خاني، تدور أحداث تلك الملحمة في جزيرة بوطان على شاطئ نهر دجلة، وتُعتبر إحدى أعظم المآسي العاطفية في تاريخ الأدب الكردي.

وفي نص يوضح القوة الأدبية للشاعر أحمدى خاني يقول متحدثًا عن العشق: “سأزيح للناس الحجاب عن قلب ذلك المسكين الذي كواه الحب المستعر وسحقه الكيد والحقد، وعن قلب تلك البريئة الطاهرة طهارة المزن بين السحب. تلك التي أذابها الشقاء واعتصرتها يد الظلم كما تعتصر الوردة الناعمة في كف غليظة قاسية وعسى أن يتلطف الناقدون لسفري هذا في نقدهم، فهو وإن لم يبلغ درجة الكمال ولكنه طفلي الغالي… عزيز إلى نفسي، مدلل عند قلبي، جميل في عيني. وهو بستان وإن كان قد يرى بين ثماره ما هو فج غير يانع، غير أنها حديقة فؤادي وأزهار فكري ولبي. وحسبهما من جهدي ما قدمت، وحسبي منها ما أثمرت”.

وفاته

ويُذكر إن خاني مضى حياته في العلم والتعلم ولم يتزوج ولم يكن له أبناء.

يبدو أن المدينة التي أنجبت أحمدى خاني، استأثرت به طيلة حياته، ولم تستغن عنه إلا لبعض الوقت وآثرت أن يوارى في ثراها، إذ مات ودُفن في مدينة بيازيد مسقط رأسه سنة 1708 م.

مصدر مصطفى عز الدين رسول، أحمدى خاني شاعراً وفيلسوفاً ومتصوفاً حيدر عمر، دراسة نقدية في ملحمة مم وزين لأحمدى خاني
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!