التابو الفكري… صراع القارئ مع الكتاب العربي

ما الأسباب الحقيقية الكامنة وراء رغبة القارئ العربي بقراءة الكتاب الأجنبي أكثر من قراءة الكتاب العربي؟

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

هناك حقيقة يتفق فيها الجميع، بأنّ الحضارات تُبنى على أساس التواصل المعرفي، فمثلاً عندما نتحدث عن نهضة روسيا الفكرية والأدبية في زمن بوشكين، فنحن نعلم جيداً القراءة النقدية والروحية المتمعنة التي قام بها أعلام الفكر الروسي للنص العربي الإسلامي، والأمر ذاته يمكن قياسه على الحضارة العربية، فعندما بدأت النهضة الفكرية في الدولة العباسية والأموية الإسبانية، كان النص اليوناني حاضراً لإعادة فهم كينونة الوجود البشري، الأمر نفسه جرى في نهضة أوروبا حول هضم كلي لفلسفات الشرق القديم. بمعنى عملية الأخذ عن الآخر تُنتج نمطاً فكرياً يتجاوز الآخر ويبدأ في بناء الحضارة.

لكن ضمن هذه البديهية إذا ما نظرنا لواقع اليوم فإننا نرى انزياح ثقافي، يشعر بالراحة مع الآخر ويُدين بطريقة ما الانجاز الذاتي. في الواقع الثقافي العربي المعاصر، هناك حقيقة لا يمكن نكرانها، أن الكتاب الأجنبي هو أكثر قراءة لدى القارئ العربي من الكتاب العربي؛ وهذا الأمر يطرح سؤالاً مشروعاً: ما هي الأسباب الحقيقية لهذا الاتجاه الثقافي؟ ما الذي يجعل القارئ العربي ينفر حرفياً من الكتاب العربي مقابل الأجنبي؟، بغض النظر عن موجة الصعود الأدبي الشبابي الحديث المُتبنى من البوكر العربية.

لا يمكن حصر الأمر في جواب قصير وواضح، لكن في استعراض تاريخي نوعاً ما، يمكن أن نستشف بأن هناك بعض الأسباب.

عندما كتب بلزاك ملهاته الإنسانية، كانت فرنسا تخوض أعمق أزمة ديمقراطية وسياسية في أوروبا. وعندما اختلق تشيزاري بافيزي عوالمه النقدية كانت إيطاليا في أوج نضالاتها ضد سلطتها الفاشية. وعندما ابتدع ماركيز سحريته الخاصة كانت كولومبيا وكل أمريكا اللاتينية تعيش فعلاً ديكتاتورياً كاسحاً من أجل الحياة، ومع ذلك ما زال الفرنسيون يقرأون بلزاك والإيطاليون يحتفون ببافيزي والأمريكيون يستمتعون بماركيز. وبالطبع هناك مئات من الأمثلة الأخرى، مقارنة بالأدب العربي الذي أيضاً يكتب معضلاته الحياتية، لكنه قلما يُقرأ.

المسألة في النهاية بتصوري هي في يد لعبة النشر التجارية المتبجحة بالحرية والثقافة وهي ليست سوى إعادة تدوير التخلف والخوف من السلطات دون مجابهة حقيقية ورفض لكل التابوهات التي يثور عليها جيل أدبي كامل كاتباً وقارئاً.

إن طرحنا سؤالاً بسيطاً أيهما كبنية سردية متقنة أفضل، الحرب والسلم لتولستوي أم أرض السواد لمنيف؟. طبعاً لا نقول إن أحدهما سيء، لكن نحاول فهم ما الذي يجعل الحرب والسلم، كمثال، أكثر قراءة من أرض السواد، بغض النظر عن بنية كل عمل وتاريخيته، لماذا الاحتفاء بعمل من قرن ونصف ولا يعني القارئ العربي بشيء مقارنة بأرض السواد الذي يعالج تاريخ وتراث منطقة وبأسلوب أدبي وشخوصي تحليلي متفوق جداً عن الحرب والسلم. هناك الكثير من القراء العرب الذين قرأوا عمل تولستوي، لكنهم لم يقرأوا عمل منيف.

يحلل البعض هذا التوجه لميول القارئ العربي نحو الكتاب الأجنبي، ومنهم الروائي السوري ممدوح عزام، بأن السبب الحقيقي هو حالة هروب من واقع تكراري نقدي سياسي لواقع لا يتحسن أبداً رغم كل نضالاته، والفكر بشكل عام هو وليد التجربة الواقعية بما فيه الأدب، لذا فإن شعور القارئ بعوالم أخرى مختلفة هي السبب في هذا التوجه.

ما يعيب هذا الطرح بأن الأمثلة المذكورة أعلاه، لا تخلو أبداً من نقدية سياسية لتلك المجتمعات، ومع ذلك ما زال بلزاك وماركيز ودوستوفسكي وكونديرا وغيرهم من كتاب النقد السياسي والاجتماعي حاضرين كأعلى قراءات عالمية.

إذاً هل الأمر أن الكاتب الأجنبي يمتلك في عمق نصه فلسفات وطروحات لا يستطيع الأديب العربي طرحها! وإن كان هذا الأمر صحيحاً بالنسبة لبعض الكتاب التاريخين من أمثال كافكا ودوستوفسكي وكونديرا، فكيف يمكن أن نفهم الأمر لبعض الكتّاب من أمثال غيوم ميسو، ذو الطروحات والأسلوب العادي جداً؟.

برأيي الشخصي (وهو بكل تأكيد ليس حقيقة مطلقة) المسألة ترتبط كلياً بموروث ثقافي نوستالجي تاريخي للشرق والعرب على نحو خاص، شيء مرتبط بتراجيديا البؤس والملل المقيت لطبيعة مجتمعاتنا الرثائية التي هي عمق الأدب والفكر العربي. فعندما نكتب رواية عن أزمة سياسية فلا بد من نوستالجيا سخيفة وتشبيهات تقليدية ومشاعر مهترئة ومقيتة عن الوطن، أو أدب السجون المذل وتشريح لغوي لطبيعة اليأس دون خلق شخصية يمكن أن تكون أكثر رفضاً من البكاء، وعندما يتم الكتابة عن الحب فيجب أن يكون سطحي ومبتذل وحتى عندما يتم الكتابة عن الجنس فلا يخضع لآلية السرد أو البنية التي تفرض نوعها الجنسي بل عملية إقحام.

المشكلة هي ضيق الخيال، ومحاولة كتابة عن تابوهات مرفوضة اجتماعياً فيتم الالتفاف عليها بطريقة لكسر صنمية التعاطي معها بأسلوب خجول، والانغماس في واقعية نقدية ترهق القارئ يوماً بعد يوم، دون ابتكار سرديات جديدة، أو جموح راديكالي لتحطيم الصنم الأدبي. وعندما تظهر أعمال حقيقية تحمل مقومات الرفض الكلي للنسخ الاجتماعية والفكرية المهترئة بأساليب غير تقليدية وجديدة كلياً ورافضة لكل الحدود التي تتجاوز المسوح به لتطوير النظرة النقدية والارتقاء بالمجتمعات (حتى وإن كانت من وجهة نظر خاصة بالكاتب) يتم التعامل معها بصيغة الإقصاء المباشر من أجل كفاء الذات من الصِدام، ويظهر هنا العامل الثاني.

برأيي الشخصي، المسألة ترتبط كلياً بموروث ثقافي نوستالجي تاريخي للشرق والعرب على نحو خاص، شيء مرتبط بتراجيديا البؤس والملل المقيت لطبيعة مجتمعاتنا الرثائية التي هي عمق الأدب والفكر العربي.

النقطة الثانية التي تجعل القارئ العربي ينحو للكتاب الأجنبي أكثر من الكتاب العربي، هي القوة التي تلعب دور مصيري في تحديد طبيعة الأدب المنشور ضمن منطق السوق التجاري، فعندما تجد دار نشر لا تقبل لكاتب عربي أن يتجاوز خطوط محرّمة إن كانت جنسية أم دينية أم سياسية (تهكمية وليست نقدية)، لعدم رغبة الصِدام مع السلطات القائمة باعتبار تلك المؤلفات أكثر تحرراً من قيود جاهزة لآلية التفكير البشري، وبالمقابل تلك الدور والقائمين عليها يحتفلون بنصوص غربية تتجاوز كل محرمات الرفض العربي، كـ (قصة او) لبولين رياج (على سبيل المثال لا الحصر)، ويعملون جاهدين لترويجها، عندئذ نفهم لماذا القارئ العربي هو أكثر توجهاً للكتاب الأجنبي.

إن عملية حصر الأدب العربي في حالة نقد اجتماعي خجول وعابر في النصوص الأدبية الحديثة والالتزام بالمنطق الأخلاقي للغة بليغة لا يجب تجاوزها، وتقديم الرواية السياسية النوستالجية على النصوص الأكثر رفضاً للوقائع بكافة أشكالها، إذا سيتسمر الكاتب العربي في تكرار نفسه ضمن هذه الآلية وسيبقى القارئ العربي يبحث عن المحرّم (ليس لأنه محرماً، بل لشعوره بأن هذا النمط يحتوي قدرة هائلة على الحرية الطبيعية للتفكير البشري والحق الإنساني).

المسألة في النهاية بتصوري هي في يد لعبة النشر التجارية المتبجحة بالحرية والثقافة وهي ليست سوى إعادة تدوير التخلف والخوف من السلطات دون مجابهة حقيقية ورفض لكل التابوهات التي يثور عليها جيل أدبي كامل (كاتباً وقارئاً)، والضحية هو القارئ الذي يستوعب الحرية في النصوص الغربية بشكل أكثر تجريداً من أن يستوعبها في نص عربي متمرد بشكل حقيقي وتطبيقه سلوكياً على حياته.

آلية تُبقي المجتمعات متحررة بشكل خجول في الذات دون سعي واقعي للتنفيذ والتغيير.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!