السرديات الشفهية في الثورة السورية.. مظلوميّات متعارضة وحكايا للبطولة والبكاء

هذه السردية تكوّن القالب الذي يُصَبُّ فيه معظم ما يُكتَب في الإعلام الثوري، فحين تكتب عما حدث في الثورة السورية، يُطْلَب منك أن تتمسّك بالسرديّة التبسيطيّة ذاتها، وألا تشير إلى المعلومات التي تعرفها ويعرفها أصحاب هذه السرديّات.

0
الأيام السورية؛ عمار عكاش

منذ عام ٢٠١١ والجماعة السورية المتخيّلة التي تكوّنت من جمهور الثورة المتنوّع ومعارضي النظام تبني سرديّتها عن الثورة، أو عن الحدث الذي قَلب حياة السوريين معارضين ومؤيدين ومحايدين رأساً على عقب.

إنها عملية السرد الحكائي أو القصصي للجماعة السورية؛ هذه العملية القديمة قدم التاريخ، والتي عرفتها كل الحضارات البشرية، والتي تمكّن البشر من تشارك وتناقل التجربة، وبناءِ تفسير جَمْعيٍّ لتجارب الماضي، بما يمهّد لإعادة بناء تجربة الحاضر والانطلاق نحو المستقبل.

حين نذكر كلمة الحكواتيّ في مجتمعات الشرق الأوسط، سيكون أول ما يتداعى إلى ذهن المستمع صورة الحكواتي؛ سارد البطولات ذي الملابس التقليديّة أمام مجموعة من الرجال الجالسين في مقهىً قديم يتفاعلون بتعليقاتهم وبلغة الجسد مع الحكواتيّ، تمثل هذه الصورة الجانب الطقوسيّ الموجود في كل تجربة سردٍ حكائي؛ غير أنّ حكواتيّ الحاضر ليس فرداً بعينه يرتدي زيّاً ما أو يجلس في مكانٍ بعينه، إنهم بشرٌ مختلفون في تكوينهم ودوافعهم، يتكوّنون في الحالة السورية من مجموعات المثقفين والإعلاميّين وأفرادٍ أتيحت لهم فرص الوصول الإعلامي، وبعضاً من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى من اصطلح على تسميتهم بالناشطين (بكل ما تحمله العبارة من عموميّة تقتل المعنى).

أهم ما يميّز هذا السرد الشفاهيّ أنه يحمل إمكانيّاتٍ مفتوحة للخيال للانطلاق وبناء ما يشاء وانتقاء ما يشاء، ويبدو أيضاً محاولةً طفوليّة للعقل والروح لبناء تفسير مُرْضٍ مسكّن لتغييراتٍ عصفت بنا.

بدأ بناء حكاية الثورة السورية أو المأساة السوريّة بعمليات السرد الشفاهي لهؤلاء الحكواتيّين، في جلساتٍ مختلفة في المقاهي وفي الجلسات الخاصة في البيوت. لعلّ أهم ما يميّز هذا السرد الشفاهيّ أنه يحمل إمكانيّاتٍ مفتوحة للخيال للانطلاق وبناء ما يشاء وانتقاء ما يشاء، ويبدو أيضاً محاولةً طفوليّة للعقل والروح لبناء تفسير مُرْضٍ مسكّن لتغييراتٍ عصفت بنا من خلال سبع سنواتٍ من عمر المأساة السورية، وكانت أقوى من قدرة العقل على الاستيعاب واللحاق برتم الأحداث وتنضيدها ضمن رفوف الذاكرة ومعالجتها، بما يتيح إمكانية استحضار هذه الملفّات بهدوء بطريقة تعين على بناء الحاضر والذهاب نحو المستقبل. لو نظرنا من هذه الزاوية إلى حكواتي الثورة السورية لوجدنا دوره يقارب دور حكواتي الحضارات القديمة، إنه يلعب دوراً استشفائيّاً علاجيّاً للروح، لكن علاجه غير ناجعٍ فسرعان ما ستنتكس الذات المكسورة، ويعيد الحكواتي صياغته السرديّة.

لا يتطلب الأمر منّا أكثر من أن ننظر إلى أشخاصٍ من محيطنا وأصدقائنا ومعارفنا، لنرى كم تغيّرت السرديّة من حيث تفاصيلها منذ آذار ٢٠١١، ولكن بكل تأكيد ليس من حيث جوهرها، وهي تحمل دوماً لمسةً شخصية لساردها الحكواتي فهو مساهم في الأحداث وشاهد، فالسرديّة تقوم بتنقيح نفسها، وتنهل من مخزون جمعيٍّ شفاهيّ تكوّن خلال السنوات الماضية، ووُثِّق بعضه في تدوينات وسائل الاتصال الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية الثورية.

فعلى سبيل المثال في آب ٢٠١٢ كان من غير الوارد أبداً أن تذكر مجزرة ما أو حالات تعذيب منهجيّة أو سرقات ارتكبتها فصائل المعارضة المسلحة، لقد كان الحكواتي يحذفها من سرديّته ويشير إليها كحدث فردي في أحسن الأحوال. وفي اللحظة الراهنة بعد تنقيح السرديّة تُستحضَر هذه الحوادث بطريقة لا تثير مشاعر وأحاسيس المستمع، وفي أحسن الحالات يُمهّد للحدث الدموي بسلسة تفسيرات: “إن المتطرّفين عملاء النظام هم المذنبون، إن اللصوص الشبّيحة الذين تقنّعوا بقناع الثوار هم من ارتكبوا الجريمة، إنّ الأسير الذي عُذِّب وقتل كانت قد ارتكب جرائم عديدة”، يشبه هذا السرد الحكايا القديمة حين يقتل البطل غولاً عملاقاً، فلا نجد وصفاً دموياً يضفي على الغول أي مشاعر أو أحاسيس أو يسمح بالتعاطف معه، فهو غول؛ مخلوق خيالي ولا يمكن التعاطف مع مخلوق غير موجود أصلاً أو يمثل شراً مطلقاً.

الحديث عن الثورة؛ حديث حكواتيّ يعيد ويعيد سرد الأمجاد الغابرة، وفي كل مرة يعيد الحكاية ثمّة إضافة وحذف حسب ضرورات تسلية المستمع والسارِد وإرضائهما، إنها حلقة مفرغة تسمح بالبكاء والكراهيّة فقط وتعلّق احتمالات المستقبل.

الجانب الغريب من الموضوع أنه ثمة أحداث كثيرة حضرها الحكواتي كشاهد عيان لكنه ينكرها، وكأنّ الوعي يدفعه إلى حافة النسيان الكامل، وكأنّنا أمام حالة من حالات فقدان الذاكرة؛ التي تعين من تعرضوا لحوادث قاسية على التأقلم في عملية عقليّة، ونفسيّة، تعفي الذات الناقلة للحدث من أيّة مسؤوليّة، ولكنها لا تمثل حلاً صحياً فسرعان ما سيطلّ الماضي برأسه عاجلاً أم آجلاً.

وبما أنّ لكل سردٍ طقوسه، فعادة ما يبدأ الحكواتي بعبارات: “مثل بتتذكر، هديك الأيام” أو “الله يرحم هديك الأيام” ويترافق مع تعابير للحسرة: “إيه إيه”. كأن ذلك الماضي كان صافياً ولم يحمل أياً من بذور الحاضر، إنه طقس يبني ذاتاً بكّاءة، ويضفي خصائص البطل التراجيدي الأسطوري البرومثيوسي على الحكواتي ذاته قبل المستمع!.

هذه السردية تكوّن القالب الذي يُصَبُّ فيه معظم ما يُكتَب في الإعلام الثوري، فحين تكتب عما حدث في الثورة السورية، يُطْلَب منك أن تتمسّك بالسرديّة التبسيطيّة ذاتها، وألا تشير إلى المعلومات التي تعرفها ويعرفها أصحاب هذه السرديّات، والأسباب متنوعة: الانتهازيّة، والمصلحة الماديّة، إرضاء الذات، العماء المعرفي، الأسباب العاطفية وسواها؛ الحصيلة واحدة سرديّة تبسيطيّة ترضي الذات المهزومة؛ الذات الجريحة؛ الذات الهاربة؛ وإن اختلفت بشأنها مع أحد سيكون ذلك كافياً بجلب الحقد عليك، وفيما الكثير من حكواتيّي الثورة محمّلون بأمراض مناطقية، وطائفية، وبمظلوميّات، سيكون أول ما يتبادر إلى ذهنهم اتهامك بحمل أحد هذه الأمراض، والحديث عن وطنية سوريّة معلّقة في السماء.

الحديث عن الثورة؛ حديث حكواتيّ يعيد ويعيد سرد الأمجاد الغابرة، وفي كل مرة يعيد الحكاية ثمّة إضافة وحذف حسب ضرورات تسلية المستمع والسارِد وإرضائهما، إنها حلقة مفرغة تسمح بالبكاء والكراهيّة فقط وتعلّق احتمالات المستقبل.


عمار عكاش: كاتب ومترجم سوري.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!