بثينة العيسى تكشف استباحة البشر وحياتهم في روايتها خرائط التيه

في الرواية نقرأ تكامل العمل الدولي الأعمى لاستباحة البشر وحياتهم، فها هو العالم يرعى أكبر مقتلة للشعوب العربيه في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرهم. إما لمصالح مادية أو هيمنة لأطراف دولية وإقليمية.

0

الكاتبة: بثينة العيسى.

قراءة: أحمد العربي.

إصدار: الدار العربية للعلوم ناشرون/ ط2. ورقيه. 2015م.

تبدأ الرواية من ذهاب سمية وزوجها وولدها إلى الحج، كانت تطوف حول الكعبة برفقة ولدها الصغير مشاري، تمسكه بيدها و تدعو رب العالمين لتحقيق جميع أمنياتها. زوجها فيصل يطوف بعيدا عنهم قليلا. هم عائلة كويتيه.

في لحظة ما، يأتي فوج حجاج أفريقي مسرعا بجلبة، يدفع سميه بعيدا ويفلت ولدها مشاري من يدها، وهنا تبدأ مأساتها، تتلفت يمينا وشمالا تبحث عن طفلها ابن السبع سنوات، وتصرخ به أن يخرج من الحلقه جانبا. تدفعها جموع الطائفين حول الكعبة، تصرخ لزوجها فيصل فيحضر إليها وتخبره عن ضياع ابنهم، يبدؤون بالبحث بين الطائفين حول الكعبة، استمر بحثهم لساعات ولا أثر للطفل.

توجهوا إلى الأمن المسؤول عن الحجاج ليخبروهم. يهدئون من روعهم و يطمئنونهم بأنهم سيجدونه. وجّههوهم إلى أماكن يجمع فيها الأطفال الضائعين عن أهلهم، ولا أثر. يذهبون إلى المرافق الطبية ولا أثر.

تمر الساعات قاتله لهم. يخبرون الأهل والأصدقاء في الكويت. سيحضر سعود شقيق فيصل بعد وقت. ستمر الساعات، يستعينون بصديقهم السعودي مازن، الذي يستثمر علاقاته ليستطيعوا الوصول إلى طرف خيط. وفعلا يصلوا للمسؤولين الأمنيين عن كاميرات مراقبة المشاعر. يراجعوا ذلك التوقيت، ويكتشفوا أن الطفل يخرج من الحلقه وينتظر جانبا لتحضر أمه وتأخذه، ثم ستراه امرأة وتسأله عن حاله وكذلك أخرى، ثم ستقرر واحدة من أصول أفريقيه أن توصله لأهله. سيخرج ورقة من جيبه فيها رقم والده، لتتصل به ويحضر ويأخذه.

ستأخذ الورقه وتقول له سنذهب إلى الشرطه لا هاتف لدي، وبعد قليل تحمله وتضع على أنفه مخدرا، وتغطي رأسه وتخرج به من الحرم. لقد خطفت مشاري.

(لوينا) امرأة جزء من عصابة تخطف الاطفال ذوي الأصول الإفريقية. من الحرم، يأخذونهم ليعيدونهم إلى مكة بعد وقت للتسول وقد صنعوا بهم عاهة ما، كأن يقطعوا اليد أو يطفئوا العين، وقد يأخذونهم إلى خارج السعوديه حيث هناك احتياجات أخرى لهم.

ستصل الخاطفة إلى مركز تجمعهم حيث ينتظرها عثمان في سيارته ومعه اثنتان من النساء وكل منهما قد حصل على صيده من الأطفال عددهم خمسة ومشاري. لكنه أبيض البشره فهو كويتي وهذه سابقة، يؤنبوها ويتصلوا برئيسهم جرجس أخبروه. يطلب منهم إحضار الطفل والعودة. عادوا دون أن يكتمل العدد لعشره. لأن الأمن استنفر وبدأ يبحث عن المرأة الأفريقية التي خطفت مشاري. ثم يكتشفوا أن هناك طفلة هندية كانت تنام في الحرم قد خطفت أيضا. ومن امرأة أخرى بذات مواصفات من خطفت مشاري.

رواية تدمي القلب، توجع النفس وتؤلمها في كل مراحل متابعتها. البشر كلهم ضحايا ظروف قاهرة لا إنسانية، تأخذهم كريح تقتلعهم من جذورهم، إنها الكارثة الإنسانية التي تأكل كل شيء.

انقلب حج فيصل وسميه إلى فاجعة، وأدركوا أن ابنهم قد اختطف وفُقد. وجاء سعود شقيق فيصل وقرروا أن يبدؤوا رحلة البحث عن الطفل. وكان أول أعمالهم أن قرروا جمع فدية بمليون دولار. ليستردوا الطفل وكتبوا مناشير لذلك ووزعوها. استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي للإعلان، ولا خبر.

أما مشاري وخاطفيه فقد عادوا أدراجهم إلى عسير في جنوب السعودية حيث ينتظرهم جرجس رئيس العصابه. نتعرف على جرجس الأفريقي الذي لا يتذكر من تاريخه إلا كونه كان في معسكر للّجوء في أفريقيا، وأن أباه وأمه توفيا بالمرض في المخيم وهو صغير. وأن (روينا) تتبناه كأخوها، وعندما كبر أصبح ضمن شبكة كبيرة تعمل بخطف الأفريقيين الصغار، ليعاد تحويلهم إلى متسولين أو من أجل بيعهم لمن يشتريهم، ومن ثم يأخذون أعضاءهم، و ليعاد بيعها في سوق تصريف عالمي.

الأفارقة بعضهم يختطف والبعض يأتي من بلاده هاربا من الفقر والصراعات الأهلية، باحثا عن نهر العسل في (إسرائيل). لكنهم سيكونون كلهم بضاعة بشريه يعاد استثمارها، إما عبر بيع الأعضاء أو عبر دفع الفديات. إنها مافيا عالمية، تنتشر في أفريقيا ولها امتدادها في (إسرائيل) ومصر ومركز نشاطها سيناء.

ذلك المكان الخارج عن السيطرة، لقد مُنع من أن يكون تحت سيطرة الدولة المصرية، حسب اتفاقيات كامب ديفيد بعد الصلح مع (إسرائيل) من أيام السادات.

يصل الأطفال إلى جرجس الذي سيعلم أن أهل مشاري سيدفعون مليون دولار فدية له. سيفكر السائق عثمان، وكذلك روينا بأن يأخذوا الطفل ليحصلوا على الفدية كل على حدى. يخططون لذلك، ستتصل روينا بالأب وتطلب الفدية، تستجلبه إلى عسير، لكنها ستفشل حيث تكتشف عندما حاولت الهروب بالطفل ويطعنها جرجس بالسكين. وتصاب هي ويهرب الطفل.

أما عثمان فسيقتله جرجس رميا بالرصاص عندما حاول خطف الطفل الذي سيهرب.

وسيغادر جرجس إلى اليمن ومن هناك إلى سيناء إلى البحر الأحمر ليسلم الأطفال الذين خطفهم مع فتاة أخرى. ستموت الطفلة الهندية مريم بعد أن نزفت جراء اعتداء جرجس جنسيا عليها. ترمى إلى البحر حيث تأكلها أسماك القرش.

سيذهب فيصل وسعود ومعهم مازن إلى عسير لموعدهم مع روينا التي لم تستطع أن تخطف الطفل وإحضاره لهم ومن ثم تأخذ الفدية. ينتظروا ولا تأتي. يخبروا الشرطة هناك. ويعرفوا أن مشكلة الخطف والعبور بين اليمن والسعودية. ظاهرة كبيرة جدا. فهناك الآلاف الذين يأتون ليجدوا لهم فرصة عمل دون أوراق وبشكل غير قانوني. إنهم عمالة رخيصة هاربة من بلاد الجوع والفقر والصراعات الأهليه إريتريا والصومال وإثيوبيا والسودان…الخ.

وليبدؤوا في بحث مضني، ويعثروا أخيرا على المرأتين اللتين كانتا تعملان مع جرجس وتعترفان على خطف الأطفال ومنهم مشاري. ويخبروهم أنهم غادروا إلى سيناء. وهنا قرر الأخوين فيصل وسعود الذهاب إلى سيناء بحثا عن الطفل..

أما الطفل فكان قد هرب من جرجس وروينا وضاع في البراري إلى أن عثر عليه نظام الدين الهندي العامل في احدى المزارع في عسير، لا لغة مشتركة بين مشاري ونظام الدين الذي يعيش لوحده بعد أن مات سيده صاحب المزرعة، يعمل بها لوحده، ويأخذ أجره من أولاد صاحبها. يزرع ويجني ويعيش حياته، سيفرح بوجود الطفل، ويعتبره غنيمة بعثها الله له. يفكر أن يعتدي عليه جنسيا ويعتدي عليه، يقاومه الطفل لكن لا فائدة. وسيعيش حياة ملؤها الألم والمعاناة، سيحلم بأمه وأبيه ولا مخرج له. يمرض الطفل ويخاف الهندي منه وعليه، فتارة يفكر أن يقتله وتارة يفكر ان يضعه في مغارة ليتخلص منه. لكنه أخيرا سيضعه في جوار أحد المزارع ويهرب مبتعدا.

سيكتشف الأب وأخوه أن في سيناء مركزا دوليا لتهريب البشر وبيع أعضائهم. وأن (لإسرائيل) وغيرها دور ما. وأن أعضاء أجساد الأفريقيين تشكل سلعة رائجة. وأن لا أحد يسأل عنهم، وهم في مصيرهم المأساوي منسيين.

ذلك المكان الخارج عن السيطرة، لقد مُنع من أن يكون تحت سيطرة الدولة المصرية، حسب اتفاقيات كامب ديفيد بعد الصلح مع إسرائيل من أيام السادات.

سيعيش الأخوين أياما قاسية قبل العودة إلى السعودية. أما الأم سميه فقد أيقنت أن ما حصل معها عقاب من الله على تقصيرها. أما الأب فيصل فقد تساءل أين الله الذي لم يحم ابنه حيث كان يحج إليه. وتتباعد بينهم المواقف كل يحمّل الآخر سبب ضياع ابنهما. حتى انكسر بينهما الحب والثقة.

ستتابع الأم قلبها وتكمل حجها عبر الصعود لعرفه وتعثر على طفل ضائع وتساعده للوصول إلى أهله. وستعلم أن المرأة التي خطفت ابنها مصابة وهي في المشفى، وأنها في غيبوبة. فتلازمها قارئة القرآن منتظرة صحوها لتعرف مصير ابنها. وعندما تصحوا تخبرها أنه لم يذهب إلى سيناء وبقي في عسير. وتخبر زوجها وأخوه اللذان شاهدا أهوال ما يحصل في سيناء. من قتل وبتر أعضاء ووجود جثث مرمية في العراء، وعصابات مافيا تسرح وتمرح. وبشر يباعون قطعا في سوق الأعضاء العالمي. سيعودان للبحث في عسير ومن ثم ليخبر رجل عن طفل وجده أمام بيته بين الحياة والموت. وليحضر الأمن والأهل ويكتشفوا ابنهم مشاري الذاهل، يأخذوا الطفل ويعاد تأهيله إنسانيا، إن كان ذلك ممكنا. الأب والأم ينفصلان، الأم تتحول إلى درويشة، والأب يضيع في الدنيا، والعم يحتضن الطفل . وبعد سنة يبدأ الطفل في الخروج من متاهته لعله يعود إنسانا سويا.

هنا تنتهي الرواية:

في قراءتها نقول: رواية تدمي القلب، توجع النفس وتؤلمها في كل مراحل متابعتها. البشر كلهم ضحايا ظروف قاهرة لا إنسانية، تأخذهم كريح تقتلعهم من جذورهم، إنها الكارثة الإنسانية التي تأكل كل شيء: الوجدان والروح والعقل والبشر المتحولين لضحايا في سوق عبيد لأعضاء للبيع، تحولهم إلى ضحايا اعتداءات جنسيه، لتقطع أوصالهم، ولتثمل عيونهم، ليكونوا أدوات اكتساب واستثمار، تحولهم إلى بشر فقدوا إنسانيتهم.

هناك شبكات دوليه ترعى ذلك وتتكسب من ورائه. وزير مصري ومسؤول من الكيان الصهيوني ومئات من المرتزقة المستفيدين من هذا العار المعاش في عالم اليوم.

إنه تكامل العمل الدولي الأعمى لاستباحة البشر وحياتهم، فها هو العالم يرعى أكبر مقتلة للشعوب العربيه في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرهم وغيرهم. وكله لمصالح مادية أو هيمنة لأطراف دولية وإقليمية. وأهم نتائج أعمالها استباحة إنسانية الإنسان وتدميرها.

لنفكر بالكارثه وكيف نواجهها. قبل أن تلتهمنا كلنا. نحن البشر.


بثينة العيسى، روائية كويتية متميزة، قرأنا أغلب رواياتها، كاتبة لها فرادتها، تغوص عميقا في الواقع الكويتي والعربي، وفي الذات الإنسانية لأبطالها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!