الانفعال الجماهيري.. لماذا مؤيدو الأنظمة أكثر انحطاطاً من الأنظمة؟

ما دام هناك سلطة تعمل على مبدأ استغلال الوعي الجمعي العاطفي وإحساسهم التاريخي بالمسؤولية للحفاظ على بنية وهيكلية التاريخ واستمراره، ستبقى معضلة القمع وإنشاء مجموعات القطيع وسيادة الأفراد على حساب الملايين.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في أحد الأيام قابلت شخصاً مؤيداً للنظام السوري، وفي النقاش قلت له، إن مؤيدي السلطات هم أكثر سفالة من الأنظمة. حينها احتد وبدأ بالصراخ كعادة جميع المؤيدين، لكن لإيصال فكرتي اضطررت لتهدئته ومواصلة حديثي وشرح فكرة لماذا هو أكثر سفالة من النظام، قلت له حينها:

“أنت مؤيد للنظام، وتمارس العنف دفاعاً عن النظام، على أفراد مثلك. سأقول إنك تشكّل الطبقة الثانية تحت السلطة، ونحن الشعوب نشكّل الطبقة الثالثة تحتكما. الآن سأفترض تجاوزاً، أننا كشعب (طبقة ثالثة) لم نعد موجودين، اختفينا فجأة من هذه الحياة، ولم يبق سوى السلطة كطبقة أولى، والمؤيدون كطبقة ثانية. في ذلك الوقت ستعمل السلطة ومن يمثلونها جاهدة، على جعلكم كطبقة ثانية، عبيداً لديها، كما كنا نحن كطبقة ثالثة. حينها ألن تخرجوا أنتم كطبقة ثانية وتثورون على السلطة، وتسحلون من تدافعون عنهم الآن، في الشوارع؟!. ألن تشعروا بضرورة الحياة الجيدة ضد من يحاولون استعبادكم!. إنكم تدركون أن الأنظمة وضيعة لكنكم اخترتم أن تكونوا أذلاء لديهم من أجل بعض الفتات. ولو كنتم تقفون في صف الشعب البائس لكنا جميعاً قادرين على الحياة بمساواة وبشكل جيد. كن على ثقة أن الأنظمة تنظر لكم كجرذان، يمكن أن تقضي عليكم عندما تنتهي مهمتكم. إن اندثرنا نحن كشعب في ليلة واحدة، فلا تتخيل أبداً أن من يمثّل السلطة يمكن أن يعاملك باحترام أو يتقاسم ثروته معك، أنت بالنسبة إليه عبارة عن شيء مؤقت ولا قيمة له، قد يبقيك على قيد الحياة إن بقيت أجيراً لديه ورضيت بالفتات لبقية حياتك. ونحن هنا لا نتحدث عن الحُكم والسُلطة، بل عن العدالة الاجتماعية. كم وضيع أن تكون كلباً ينبح على أناس يحاولون الحياة ضد من يستعبدكم، وأنتم راضون بمستوى الذل ذاك”.

انتهى الحديث عن ذلك الحد، وبالطبع خرج المؤيد دون أن يقتنع؛ حتى أنه نسي أصلاً ما قيل، لأن جشعه بالأمان الزائف والفتات هو أكبر طموحاته.

في كتابه سيكولوجية الجماهير، يلخص غوستاف لوبون، الآليات الانفعالية للجماهير وجمود رؤيتها إزاء الأحداث الجارية والأفكار المسبقة المقتنعة بها نتيجة هذه العاطفية الجمعيّة. ورغم أن لوبون في الكتاب يركّز على الفعل الجماهيري الثوري، إلا أننا نستطيع تطبيق تلك الرؤية على المجمل الجماهيري باختلاف الأيديولوجيا المتحكمة به.

نموذج الشريحة المؤيدة تتشابه مع نموذج الشريحة الثورية من حيث تلك الانفعالية في النظر للحدث ككتلة واحدة وليس كتفصيل للأشياء، وهذه هي واحدة من الأمور الجوهرية التي تستفيد منها الأنظمة لتسيير تلك العقليات الجماهيرية، تماماً مثلما تسيّر الطبائع القيادية الثورية الشرائح الشعبية الانفعالية التابعة لها.

نموذج الشريحة المؤيدة تتشابه مع نموذج الشريحة الثورية من حيث تلك الانفعالية في النظر للحدث ككتلة واحدة وليس كتفصيل للأشياء، وهذه هي واحدة من الأمور الجوهرية التي تستفيد منها الأنظمة لتسيير تلك العقليات الجماهيرية.

يقول لوبون في ص 75 “حس المبالغة والتضخيم لدى الجماهير يتركز غالباً على العواطف الشريرة التي تمثل بقايا وراثية عن الإنسان البدائي. ومن المعروف أنّ الخوف من العقوبة يجبر الإنسان الفرد والمسؤول على قمع هذه العواطف. وهكذا يمكننا تفسير السبب في استلام الجماهير لأبشع أنواع الممارسات وأكثرها تطرفاً”.

لكلام لوبون هنا شقين يمثلان حالة المؤيد، الأولى هي النظر إلى الفعل التمردي كبقايا بدائية عن اللا خضوع، وهو بالنسبة له شكل من اللاعقلانية في تنظيم الحياة، لأنه لا يخضع لمستوى من التحكّم بالانفعالات المجتمعية إزاء قضايا التمرّد والحرية، وعليه تنضوي مهمة المؤيد في قمع هذه الحركة من خلال منظور يحاول تطوير الحياة ضمن أنساق موحدة، والثاني هو إحساسه المكبوت وقناعاته الراسخة إزاء فكرة التنظيم والمسؤولية التي تقع على عاتق الإنسان في استمراره الموكل إليه كمهمة (طبيعية أو إلهية) بحسب رؤيته الموروثة. بمعنى المسألة بالنسبة لذلك المؤيد هي إدراك لا واعي بفهم طبيعة حركة التاريخ والشعور العميق بالاضطهاد إلا عندما يقع الأمر بشكل مباشر على كاهله؛ حينها تصبح معضلة الحياة هي أكبر من مفهوم الراحة التي كانت الشعوب تعيشها. تماماً مثلما يجري اليوم.

بعد أن أيّد جزء كبير من السوريين السلطة، ويعيشون اليوم في داخل سوريا داخل مناطق النظام، بدأوا يفهمون المسألة التي خرج هذا الشعب من أجلها سابقاً، فالعنصر الثالث المتمثل بالشعب المضطهد لم يعد موجود، فيجب بالنسبة للنظام تحويل المدافعين عنه سابقاً إلى عمال لديه من أجل استمرار سيطرته ومكاسبه. حتى فكرة المسؤولية التي هي الأساس في تأييد الناس للنظام لم تعد تحقق لهم أي نوع من أهمية، لأن الفئة التي تُضطّهد بدأت تأخذ شكل منحسر، بمعنى، عندما كان النظام يضطهد 20 مليون، كان الأمر أخف وطأة مقارنة باضطهاد 10 مليون داخل مناطق النظام اليوم. كلما صغر العدد زادت حدة الإحساس بالخطأ والموقف الذي مارسه المؤيد سابقاً. بالتأكيد ذات الأمر ينطبق على الحركة الجماهيرية الثورية.

نستطيع القول إن واحدة من مشكلات الفهم لتسيير هذا الحراك بشقيه (مؤيد أو معارض) تنطلق أساساً من فكرة الخضوع لمعيار المسؤولية الاجتماعية؛ حالة تغيير المجتمع دون تغيير جوهر الفهم الاجتماعي المتمثل بالمسؤولية اتجاه الهيكلية الهرمية التي هي السبب الرئيسي لكل البؤس اتجاه الناس.

ما دام هناك سلطة تعمل على مبدأ استغلال الوعي الجمعي العاطفي وإحساسهم التاريخي بالمسؤولية للحفاظ على بنية وهيكلية التاريخ واستمراره، ستبقى معضلة القمع وإنشاء مجموعات القطيع وسيادة الأفراد على حساب الملايين. الثورة وتغيير سلطاتها لا يغير أبداً من حقيقة جهل الناس بتلك العاطفية الجمعيّة التي تستمر في إدراج الناس داخل دوامة صراع لا ينتهي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!