المُنجز التناسلي والأخلاق.. الأسرة كمفهوم فاشي

أليست الفاشية هي النظر إلى الأمور من مبدأ الانتقاء الخاص والفريد لبنية معينة قائمة بحد ذاتها!. أليس الحب هو الجزء الجوهري في تكوين الأسرة التي تنظر إلى المنجز الفردي التشاركي من مبدأ الأفضل والأكثر تكاملاً؟. أليست الأسرة هي التفضيل الخاص والانتقائية الفريدة لشيء معين دون سواها؟.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

أيحق لنا أن نناقش طرحاً مبالغاً به قليلاً لنصل إلى تفكير مغاير عن السائد!. قد يحمل الطرح بحد ذاته دلالات تهكمية وممتلئة بالإحباط الاجتماعي، لكن من باب المناقشة أليس قول المغاير هو أولوية حتى لو تعارض مع إيماننا بالأشياء، وخاصة أن المجتمعات الحديثة بأسرها تتفوه بالذكاء والمنطقية والتواصل الإنساني والحضاري وضرورة الرأي والرأي الآخر، ومن هذه الأحقية ننطلق لنسأل: أليست الأسرة مفهوم فاشي، بغض النظر عما تبدو عليه أنها النموذج الأكثر استقراراً وحباً؟!.

بداية دعونا نستقدم الأمر من المنحى الذي لا يختلف عليه أحد، بعيداً عن التعريفات الاجتماعية الجاهزة، ونسأل:

– أليست الفاشية هي النظر إلى الأمور من مبدأ الانتقاء الخاص والفريد لبنية معينة قائمة بحد ذاتها!.

– أليس الحب هو الجزء الجوهري في تكوين الأسرة التي تنظر إلى المنجز الفردي التشاركي من مبدأ الأفضل والأكثر تكاملاً؟.

– أليست الأسرة هي التفضيل الخاص والانتقائية الفريدة لشيء معين دون سواها؟.

على هذا تكون الأسرة المُكوّنة على جوهر الحب، والحب في جوهره قائم على الانتقاء الفريد والمميز والخاص لشيء ما، فعليه تكون الأسرة قائمة على منحى الانتقاء الخاص وبالتالي النظر إلى البنية الفردية في داخلها من منطق الأفضل دون سواه. هكذا تكون الأسرة قائمة في تكوينها على مفهوم فاشي ينطلق من مبدأ الانتقاء الفريد.

لا نتّهم أحداً بالفاشية أو إسقاط الرؤية الإنسانية، لكن نقول بأن تناقض السلوك مع المفاهيم التي يتفوه فيها الفرد هي من توضح عمقه الفاشي الناشئ والمستديم عن رؤى ثابتة اعتادها دون أن يفكر فيها، رؤيا جاهزة يتلقاها ويستمر فيها كقطيع يعيد تكرارها ببغائياً.

الآن من ليس لديه مشكلة مع الفاشية فلا شأن لنا به، لكن مع اعتبار أن المجتمعات الحضارية والإنسانية تنظر إلى الفاشية بعين الترفّع، وتتعامل مع ذاتها والآخرين بعين المساواة والإنسانية، يصبح إلغاء الأسرة كمفهوم تفضيلي وانتقائي مسألة جوهرية في الوجود الإنساني، وعليه إسقاط كل مفهوم لدى أي شخص ضمن الأسرة يعتبر أن منجزه الفردي من تنشئة وإنجاب أطفاله واعتبارهم الأكثر ذكاءً وعبقرية وجمالاً وعفوية، هو إحساس فاشي محض، ويجب إسقاطه ليكون ذلك الشخص متآلف مع فكرة إنسانيته التي يلوكها ليلاً ونهاراً.

بالطبع نحن لا نتّهم أحداً بالفاشية أو إسقاط الرؤية الإنسانية، لكن نقول بأن تناقض السلوك مع المفاهيم التي يتفوه فيها الفرد هي من توضح عمقه الفاشي الناشئ والمستديم عن رؤى ثابتة اعتادها دون أن يفكر فيها، رؤيا جاهزة يتلقاها ويستمر فيها كقطيع يعيد تكرارها ببغائياً.

من الطبيعي أن يحب أي شخص منجزه الفردي من إنجاب طفله، ويعتبره الأكثر عبقرية وذكاء وجمال وإحساس ومهارة، لكن هذا لا يلغي أبداً أن ذلك الإحساس الفردي هو في جوهره نظرية فاشية؛ قد لا تتوفر في ذلك الطفل كل ما سبق من صفات يراها الأهل في أبنائهم، ببساطة يمكن أن يكون الابن غبي وقبيح وبليد ولا يتقن أي شيء، لكن مع ذلك يستمر الأهل في النظر لمنجزهم بأنه فرادة مطلقة، واعتبار رؤيتهم صادقة حتى لو كانت انتقاءً زائفاً.

إن المجتمعات بسلوكها التقليدي التناسلي تنظر دائماً من مفاهيم راسخة لمنجزاتها التناسلية من هذا المنحى الانتقائي والمميز، إنها دفقة شعورية ثابتة في الوعي، ولا أحد يجرؤ على مناقشتها علناً، بل ما يتم فعله هو ممارستها فقط، لأسباب فكرية دينية وأخلاقية واجتماعية موحدة، إنها عملية استمرار ترسيخ وعي تاريخي ثابت دون تشريحها والبحث في هيكليتها، ويُطلق عليها لفظ طبيعة إنسانية.

إن المجتمعات بسلوكها التقليدي التناسلي تنظر دائماً من مفاهيم راسخة لمنجزاتها التناسلية من هذا المنحى الانتقائي والمميز، إنها دفقة شعورية ثابتة في الوعي، ولا أحد يجرؤ على مناقشتها علناً، بل ما يتم فعله هو ممارستها فقط

بطبيعة الحال ما يهم هنا، هو فهم ذلك الإحساس بترابطه مع السلوك؛ إن عملية الحب اتجاه المنجز هو أمر ضروري، لكن لا يجب اعتباره إنسانياً بالمعنى العام، بل يجب فهم أن النظر اتجاه ذلك الحب المتفرد والمميز واعتباره أفضل من منجز الآخرين ليس سوى نوع من الفاشية المضمنة.

ببساطة منجزاتنا التناسلية يمكن أن تكون عادية جداً، لكن رؤيتها على أنها متفوقة هو ضرب من البلاهة الفكرية والأخلاقية. من حق أي شخص أن يعشق منجزه التناسلي لكن ليس من حقه أبداً أن يقول أن تفكيره إنساني إزاء رؤيته لذلك التميّز التناسلي.

بإمكان البشر الاعتراف بأنهم فاشيون في مفاهيمهم الاجتماعية ويستمرون ضمن ذلك الشكل، وعليه يجب أن يغيّروا منطق إدراكهم من جديد ويبنوا عوالماً مختلفة للمستقبل، لكن التبجح بالإنسانية وهي في ضمنها رؤى فاشية، فهذا أمر غير أخلاقي أبداً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!