fbpx

أسباب تعثر عقد مؤتمر وطني

ما الهدف من الدعوة لعقد “المؤتمر الوطني”؟ وهل المقصود هو ما نصّ عليه بيان جنيف 1 كجزء من العملية السياسية؟ أم هو من المشاريع التي يطرحها سوريون من مواقع مختلفة مقتصرة على قوى المعارضة؟ أم هل هدفها إيجاد بدائل للهيئات المعارضة القائمة؟

0
بقلم: عقاب يحيى

من سنوات عديدة تقارب عمر الثورة السورية والحديث عن مؤتمر وطني لم ينقطع، ومحاولات، ومشاريع عديدة تلاحقت دون أن تجد تجسيداً لها حتى بدا الأمر وكأنه مجرد فشّ خلق من قبل السوريين الباحثين عن مخارج للأزمة السورية، مع ما تحمله بعض المشاريع و”المبادرات” من “كيدية” ضد الهيئات القائمة، خاصة الائتلاف، أو من خلال اختصار الأزمة السورية (الفشل، مثلاً) بإشكالية تلك الهيئات و”عجزها” عن القيام بدورها المأمول، أو الذي يتناسب وعمق، وتعقّد الوضع السوري.

بداية يجب التفريق بين فكرة “المؤتمر الوطني” الذي نصّ عليه بيان جنيف 1 كجزء من العملية السياسية، وبعد مرحلة من مجموعة إجراءات، وبين تلك المشاريع التي يطرحها سوريون من مواقع مختلفة ويقصدون أن تكون قصراً على قوى المعارضة، أو على المنتمين للثورة، وغالباً ما يكون الهدف منها إيجاد بدائل للهيئات المعارضة القائمة، وتحديداً الائتلاف بوجه الخصوص، عبر إطلاق أحكام قاسية عليه، وعلى دوره، واتهامه بالفشل الذريع، وربما تحميله مسؤولية كبيرة في مآل الوضع السوري، وبأمل أن يصل هؤلاء إلى جسم سياسي يعتقد أغلبهم أنه سيكون الأقدر على تمثيل الثورة والنهوض بالأعباء الثقيلة التي تلقيها الأزمة السورية، وضمن ذلك ترد أفكار متنوعة عن استعادة القرار الوطني الذي سحب، تقريباً، من السوريين بكل توزعاتهم من خلال ” تدويل” المسألة السورية.

قبل الحديث عن أسباب فشل مبادرات عقد مؤتمر وطني، وقد تعددت المشاريع، يجدر التنويه إلى أن المصطلح يحمل مدلولات مختلفة تبدو متناقضة مع الشائع عن فكرة ومضمون المؤتمرات الوطنية التي غالباً ما تكون عامة لمختلف الأطياف حتى تلك التي تقف على النقيض. أي المحسوبة على المعارضة و”الموالاة” وهو ما ورد في بيان جنيف 1 كنقلة في مسار العملية السياسية تشارك فيها مختلف الفعاليات السورية المعارضة وتلك التي تُحسب على النظام، أو تلك التي تقف على “الحياد”، أو في المنطقة الرمادية لإنتاج ما يمكن اعتباره مصالحة عامة يمكن أن تُنتج هيئات محددة، كهيئة تشريعية، أو لجنة صياغة الدستور أو مثيل ذلك، وهو الأمر الذي لا تتضمنه المبادرات المتلاحقة التي يطرخها بين الحين والآخر بعض المعارضين والتي تقتصر على أطراف معارضة.

من المعروف في علم السياسة والتطورات أن مراحل الانحسار والفشل غالباً ما تقود إلى نوع من التكوّر على الذات، وإلى انتشار السوداوية، واليأس، وأفكار الهروب إلى الأمام ، وعدم الاعتراف بالتقصير الذاتي على مستوى الفرد، أو المجموعة.

في أسباب إخفاق مبادرات عقد مؤتمر وطني

تتعدد الأسباب المانعة لعقد، ونجاح تلك المبادرات، ويمكن تلخيصها بعوامل ثلاث متراكبة:

1 ـ أوضاع المعارضة، أو الجهات المحسوبة على الثورة.

2 ـ مدى الشرعية والمشروعية في تلك المبادرات.

3 ـ المؤثرات الإقليمية والخارجية.

أطلقت الثورة السورية خزين السوري عبر العقود فيما يشبه الانفجار ردّاً على عقود القمع، والتصحّر، والإخضاع فتعددت أشكال، وأنماط، ومضامين القوى المحسوبة على الثورة، من المعارضة ” التقليدية” القديمة إلى مئات التشكيلات التي ولدت، وما عرفه أغلبها من نزيف، أو انشطارات، وعديدها يتشابه بالأسماء، والمحتوى، وحتى البرامج العامة لدرجة يصعب التمييز بين كثيرها، ويطرح أسئلة عن هذا التعدد الأقرب للتذرية، وبين كثيرها خلافات وصراعات، وأكوام من الاتهامات.

1 ـ ورغم مرور سنوات المحنة القاسية، وتعدد المخاطر الحقيقية المحيقة بالوطن، ومستقبل البلاد المهدد بالانشطار والكانتونات متعددة المرجعيات الخارجية، إلا أن كل ذلك لم يدفع إلى أشكال من التوحيد، أو التوافقات المشتركة، على الأقل بين التيارات المحسوبة على أنها متقاربة في المرجعية والأفكار والبرامج.

على العكس، فسنوات الانحسار، والتراجع، والهزائم المتتالية قادت إلى مزيد التشظي والفرقة، ومحاولات الهروب من المسؤولية الذاتية والعامة وإلقاء المسؤولية على الآخر، وبما منع، ويمنع من وجود توافقات واضحة، وثابتة لمجماميع مهمة من أصحاب المبادرات ويؤدي ذلك إلى تلاشي معظم تلك المشاريع وهي ما تزال فكرة لدى البعض، أو بعد الإعلان عن تشكيل لجان تحضيرية غالباً ما تتلاشى بعد زمن ليس بالطويل.

ومن المعروف في علم السياسة والتطورات أن مراحل الانحسار والفشل غالباً ما تقود إلى نوع من التكوّر على الذات، وإلى انتشار السوداوية، واليأس، وأفكار الهروب إلى الأمام، وعدم الاعتراف بالتقصير الذاتي على مستوى الفرد، أو المجموعة، أو التشكيل الذي ينتمي إليه، وهو حال السوريين على العموم، منذ سنوات .

2 ـ إن من أبرز الاتهامات التي توجّه للائتلاف، ولبقية الهيئات السياسية القائمة افتقارها إلى الشرعية الشعبية، أي أن تكون مختارة، ومنتخبة من قبل الشعب، وهذا أمر مهم، لكن بالمقابل، ومهما تعددت، واتسعت قوائم الداعين لمؤتمر وطني، ومهما كبرت، أو تنوّعت أعداد ما يعرف باللجان التحضيرية فإنها تعاني الإشكالية ذاتها، أي الإرادة الشعبية، واختيارها من قبل الشعب، ويعود ذلك، بالأساس، لعاملين متداخلين أسهما في طبيعة مسار الثورة السورية منذ بداياتها وحتى الآن:

آ ـ أولها يرتبط بعدو وجود قيادة مركزية للثورة، والعجز عن توليد قيادة من صلبها، والأسباب المانعة كثيرة .

ب ـ طبيعة الأوضاع السورية التي لا تسمح بإجراء انتخابات فعلية.

رغم هذا الواقع والوقائع فإن مبادرة السوريين لتعزيز العامل الذاتي، واستعادة قرارهم الوطني سيبقى محرّكاً لكثير من المؤمنين بالوطنية السورية، وستظل الجهود مستمرة لإنهاض توافقات واسعة بين عديد المكوّنات والأطياف.

وهناك ظاهرة تكاد تكون صناعة سورية خالصة، وهي على كل نتاج عقود القمع، والأحادية، والاستبداد المكين، تلك المتعلقة بطبيعة السوري الرافض، على العموم، للآخر حتى لو كان الآخر من نفس الاتجاه، ناهيك عن التعددية المبعثرة التي ولدتها سنوات الثورة والتي تصعّب إمكانية اتفاق عدد هام من السوريين على شكل جمعي، منتج.

3 ـ بغض النظر عن الموقف الذاتي من الإيمان بالوطنية السورية العريقة، وبأهمية استعادة القرار الوطني وتحصينه ليكون معبّراً عن مصالح البلاد وأهداف الثورة، فإن التطورات المتلاحقة للثورة، وعدم تمكين الثوار من حسم الصراع عسكرياً (حين كان احتمالاً قوياً)، وغياب الحل السياسي الشامل أدّى إلى تدويل القضية السورية، وباتت بأيدي مجموعة الدول الكبرى والإقليمية، وبما أفقد المعارضة، والنظام القرار المستقل، ودفع إلى تدخّل مجموع الدول الخارجية لتكون صاحبة النفوذ والقرار في المسألة السورية، وانعكس ذلك إلى حدّ الفجاجة على جبهة النظام والمعارضة.

لقد جرى ” شطب المجلس الوطني” نتيجة موقفه الرافض لبيان جنيف 1، وامتناعه عن القبول بتشكيل لجنة متابعة لمؤتمر المعارضة في القاهرة(تموز 2012) واستبدل بالائتلاف، والذي بدوره، ونتيجة مواقفه، وعدم التنازل عن ثوابت الثورة كان بيان فيننا 1 و2، ثم القرار 2054 الذي نصّ على إدخال منصتي القاهرة وموسكو، وخوّل السعودية بالتحضير لمؤتمر رياض 1، ثم رياض 2 بعد أن رفضت هيئة المفاوضات الاستجابة للضغوط، كما هو حال هيئة المفاوضات السورية بوضعها الراهن . إلى جانب مسلسل أستانة، ومؤتمر سوتشي، واللجنة الدستوري وفقاً للطبعة الروسية التي رُفضت من قبل هيئة المفاوضات.

هذا الواقع المفروض عامل مهم في فشل عقد أي مؤتمر وطني حقيقي، حيث وما لم تتوفر إرادة إقليمية ودولية لن تتمكن جميع المبادرات، وحتى في حالة انعقاد بعض المؤتمرات، من تشكيل البديل المنشود، ناهيكم على أن الائتلاف، ورغم التراجعات الذي يشهدها من قبل ما يعرف ب” أصدقاء الشعب السوري” ما يزال الهيئة المعترف بها على الصعيد الدولي ، وما يزال بتركيبته يمثل أوسع تحالف لقوى المعارضة.

لكن، ورغم هذا الواقع والوقائع فإن مبادرة السوريين لتعزيز العامل الذاتي، واستعادة قرارهم الوطني سيبقى محرّكاً لكثير من المؤمنين بالوطنية السورية، وستظل الجهود مستمرة لإنهاض توافقات واسعة بين عديد المكوّنات والأطياف.

إن عقد لقاءات تشاورية متعددة تمثل فعاليات شعبية وسياسية، والتواصل المنظّم مع الشعب السوري يمكن أن تكون خطوات ضرورية على طريق إيجاد قاعدة واسعة للتمثيل الأفضل، تمهد الطريق لدخول قوى الثورة والمعارضة طرفاً مهماً في المعادلة.

كما يمكن أن تختار عدد من تلك المؤتمرات ممثلين لها لعقد مؤتمر تشاوري موسّع يضع برنامجاً واقعياً للمخرجات والعمل، ويكون نقلة مهمة في مسار توحيد أدوات العمل، وهيئات الثورة المعبّرة عن أهدافها، والقادرة على النهوض بالمهام لانتزاع حقوق الشعب السوري، وتحقيق أهدافه التي ثار، وضحّى بالكثير في سبيلها، وفي إقامة النظام المدني، التعددي، الديمقراطي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!