fbpx

فشل العلاقات المشتركة.. الصداقة انقطاع متواصل ونجاح أبدي

هل أعطى مفهوم الصداقة المؤسساتية، طابعاً تعريفياً لتلك النماذج من العلاقات القائمة على الاشتراك في الهمّ الواحد؟ ولماذا يجب تعريف هذا النوع من العلاقات بالهمّ المشترك؟ أليس هذا التعريف هو حصر مفهوم هذه العلاقة بحيز ضيق؟ لماذا لا يجب أن تقوم الصداقة على المنفعة الإيجابية في المرح فقط؟!.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في مجمل الثقافات الشعبية هناك بعض النماذج اللغوية التي توضح آلية الفهم الاجتماعي للعلاقات، كالقول “بعيد عن العين، بعيد عن القلب”، كدلالة للترابط المشترك بين الأفراد، لكن بالوقوف قليلاً على طبيعة العلاقات الاجتماعية، والصداقات نموذجاً، نلاحظ أمراً غريباً، أن العلاقات المستمرة وشبه الأبدية والأكثر عاطفية وخير بين الناس، تقوم على اللا يومي، بمعنى، أن واحدة من استمرار العلاقات بين البشر تقوم على اللا جتماع الدائم، والعيش بمرحلة البُعد والاختفاء.

إنّ مفهوم الصداقة المؤسساتية، أعطى طابعاً تعريفياً لتلك النماذج من العلاقات القائمة على الاشتراك في الهمّ الواحد، لكن لماذا يجب تعريف هذا النوع من العلاقات بالهمّ المشترك، أو إيجاد حلول للمشاكل الذاتية لنا وللآخرين!، أليس هذا التعريف هو حصر مفهوم هذه العلاقة بحيز ضيق؟، لماذا لا يجب أن تقوم الصداقة على المنفعة الإيجابية في المرح فقط؟!.

إن إضفاء هذا الطابع الثقافي التراجيدي على العلاقات، يجعلها شكل من هدم البنية الذاتية للإنجاز، والمرحة واللا مسؤولة اتجاه الحياة، وكأنّ هناك من يريد للناس أن تحيا ضمن هذا الخط الثابت والباحث عن الحل لمشاكل الحياة، وبالتالي إسقاط كل شخص وتعريف يخرج من حيز أنّ الصداقة هي علاقة مرحة بين الناس، لوصفها بالمنفعة الأنانية، وكأن المرح الشخصي هو شكل أكثر سفالة من البحث عن العيش بكدر لإيجاد الحل اتجاه المشاكل التي تخلقه أصلاً تلك المؤسسات لإبقاء الأفراد في حيز من الإحباط الشخصي. هي ليست سوى لعبة مفهوماتية من قبل السلطات الاجتماعية اتجاه الناس لإبقائهم في داخل دوامة المساعدة وحل المشاكل المحيطة بهم.

لكن نلاحظ من خلال العلاقات الأكثر بعداً بين الأصدقاء، أن تلك العلاقات هي أشد متانة وخلود إذا ما قارناها في الصداقات الحياتية اليومية، التي تأخذ طابع في العيش المشترك والدوران في حلقة إيجاد تفاصيل لحلول اتجاه أزماتنا الشخصية.

يمكن لكل قارئ أن يستعرض كل أنواع علاقاته الاجتماعية، وسيلاحظ بأن الأكثر راحة وقوة ومرح، هي في علاقاته مع الأشخاص الأكثر بعداً وانقطاعاً وليس العكس، المتمثل في اليومي الروتيني.

قد يُسمّي بعض الأشخاص كل ما سبق، أنه نوع من فشل الصيغة الإنسانية، متناسين بأن إكمال دورة الحياة فيما يسمونه الصداقات الإنسانية ليس سوى دوران من الإكراه الذاتي في الاستمرار، من خلال نماذج يتم طرحها مثلاً في العلاقات المشتركة والأبدية، متغاضين عن فكرة إحساسهم التجريبي في تلك العلاقات بأن اختياراتهم للبقاء في علاقات مشتركة ليس سوى نوع من إجبار الذات على معاشرة اليومي، رغم أنه اختياري في بدايته، لكنه سيبدأ بالتلاشي والاعتياد، بمعنى آخر هو إحساس بالترويض والقبول الاجتماعي للمنظومة دون اختيار لاحق رغم أنه اختيار سابق؛ سيتم تحويل الأفراد لإكراه ذواتهم على العلاقات كي يستمروا، وكي لا يشعروا بالنقد المتوتر والجاهز لمفاهيمهم الراغبة بالأكثر تحرراً من كل قيد. لذا فالصداقات البعيدة المدى والمنقطعة هي الأكثر نجاحاً من كل أنواع العلاقات الأخرى.

يمكن لكل قارئ أن يستعرض كل أنواع علاقاته الاجتماعية، وسيلاحظ بأن الأكثر راحة وقوة ومرح، هي في علاقاته مع الأشخاص الأكثر بعداً وانقطاعاً وليس العكس، المتمثل في اليومي الروتيني.

إن اليومي يخلق حالة من الكره في كثير من الأحيان، يتحول إلى ما يُطلق عليه لفظ اعتياد، وهو ليس سوى تعبير واضح لتسمية أكثر عمقاً ومصداقية “ترويض”، وبالتالي إجبار الذات على الاستمرار في العلاقات دون رغبة حقيقية، تحاشياً للنفي والإسقاط المجتمعي.

إن الذات ذات، ولا شأن لها بالأخر الذي يعطيها وجودها وابتكارها واستمرارها بحسب ما فرضته السلطات الاجتماعية والمفهوماتية. وعملية قبول أي شخص لهذا الخضوع الترويضي ليس سوى نوع آخر من العبودية الطوعية المذلة لطبيعة الكائن الإنساني الحرة.

قد يبدو كل ما سبق حالة من الإنكار لطبائع المجتمعات التي اعتادت “تروّضت” على أنماط واضحة في المفاهيم والعلاقات، لكن يجب إعادة تدوير أي مفهوم مُعاش، لخلق حالة أكثر تحرراً مما فُرِض علينا كبشر. عملياً هي رفض حالة من التعريف المستقيم بحسب مفاهيم المؤسسة الاجتماعية.

يمكن أن نعيش علاقات مشتركة لكن ليست بالضرورة يومية، وليس في الصداقة فقط، بل حتى في أي صيغة اجتماعية أخرى. إن اليومي كريه جداً لدرجة أنه لا يسمح للفرد أن يخلق ذاته إلا من خلال الآخر.

إن الذات ذات، ولا شأن لها بالأخر الذي يعطيها وجودها وابتكارها واستمرارها بحسب ما فرضته السلطات الاجتماعية والمفهوماتية. وعملية قبول أي شخص لهذا الخضوع الترويضي ليس سوى نوع آخر من العبودية الطوعية المذلة لطبيعة الكائن الإنساني الحرة.

إننا فعلياً أكثر راحة وإنجاز وثبات واستمرار في العلاقات المنقطعة واللامستمرة واللايومية، رغم كل التعريفات الهائلة في حياتنا التي نسمعها عن الإبداع والابتكار المشترك، والتي تطلقها تلك السلطات الاجتماعية بجميع مؤسساتها، وبعض الأفراد التابعين لتلك المؤسسات بوعيها الضيق والمنحصر بحالة ذات بُعد واحد.

ببساطة إن علاقتك مع الآخر الذي تحادثه كل شهر مرة، هي أكثر خلوداً ومتعة من الآخر الذي تعاشره يومياً، حتى وإن رفض البشر هذه الصيغة، لأن إكراه الذات على الاستمرار، نابع أصلاً من تحاشي النقد الاجتماعي وليس القناعة الذاتية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!