fbpx

فلسطين واستحقاقات القادم.. صفقة القرن وموقعها

هل يمكن تجسيد صفقة القرن واقعياً؟ وهل القيادة الفلسطينية جاهزة لصياغة برنامج المرحلة القادمة بشكل مختلف عن السابق؟ وهل يمكن تطوير حركة الرفض العملية ومخاطبة الشعوب العربية والإسلامية، لإفشال هذه الصفقة الخطيرة؟

0
بقلم: عقاب يحيى

باستمرار كانت فلسطين مجسّ الوضع العربي بشقيه الرسمي والشعبي، وعلى امتداد عقود استلابها بقرار دولي لعبت فيه بريطانيا الدور الرئيس، ظلّت المحرّك، و”باروميتر” الحالة العربية ومستوى ما تمتلكه من قدرات تقارب بين الشعارات والتطبيق، والأمنيات والواقع.

سيرورة الواقع:

بظل القرارات الدولية، والمنعطفات التي عرفتها القضية الفلسطينية، أظهرت العرب وكأنهم لا يعرفون غير الرفض النظري، والشكلي ثم يندمون ويوافقون بعد فوات الأوان، وبعد أن تتموقع وقائع جديدة هي بالأساس نتاج عوامل ثلاث متراكبة:

1 ـ ميزان القوى على طرفي الصراع، وما يملكه كل طرف من قوى، وتحالفات دولية وحسن أداء واستخدام.

2 ـ طبيعة المشروع الصهيوني الاستيطاني، الاحتلالي، التوسعي، والعدواني أيضاً.

3 ـ الدور الخارجي الذي كان لصالح العدو بشكل ساحق.

ورغم ضخامة الشعارات التي رفعتها الأنظمة العربية “أيام زمان” خاصة حول العلاقة العضوية بين الصهيونية ومشروعها، وبين القوى الاستعمارية الكبرى، فقد أثبتت الوقائع أن المشروع الصهيوني مندمج، إلى حدّ كبير، مع المشاريع الدولية، وأن خصوصيته تمثل جزءاً من منظومة تلك المشاريع، وأن اللوبي الصهيوني متغلغل في معظم الدول العالمية، ومتمكن في بعض دوائر صنع القرار في عديدها، وأنه نجح، على مدار العقود، في انتزاع القرارات التي تخدمه، مقابل فشل الأنظمة العربية في ذلك، والأسباب كثيرة.

ـ إن قراءة، ولو سريعة، للوحة إعلان الرئيس الأمريكي عن صفقة القرن بحضور رئيس وزراء إسرائيل، وعدد من القادة اليهود والصهاينة، وذلك الترحيب الأقرب للمسرحي، وعمليات التصفيق المتكررة تُظهر عمق العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والقادة الإسرائيليين.. خاصة على صعيد الإدارة الحالية، بغض النظر عن جانب التوظيف الذاتي للرئيس الأمريكي (صرف الأنظار عن محاولة محاكمته، واستعداداً للانتخابات القادمة)، وكذا الأمر بالنسبة لنتنياهو المتهم بالفساد والمحتاج إلى حقنة كبيرة علّها تساعده في الانتخابات القادمة، ناهيكم عن مضمون وبنود الصفقة.

في واقع الأمر، وبعيداً عن بيانات الرفض الباهتة، وبعض التصريحات الشكلية فإن النظام العربي لن يستطيع تقديم شيء ملموس للفلسطينيين لدعم رفضهم لصفقة القرن، الأمر الذي يضعهم وحيدين في مواجهة قاسية، وطويلة.

بنود أساسية تتضمّنها الصفقة

ـ خمسة بنود أساسية تتضمّنها الصفقة، ومعظمها تطيح أرضاً بالقرارات الدولية، ناهيك عن حقوق الفلسطينيين الذين أجبروا على مزيد التنازلات بفعل انحدار الوضع العربي، وفشله في تقديم الممكن لتلك القضية خاصة بعد هزيمة عام 1967 وولوج ما يعرف بمرحلة الردة، والانحسار وما عرفته من صفقات ثنائية كانت الصفة القطرية فيها هي المحرّك والأساس، وبما ألزم منظمة التحرير الفلسطينية على ولوج اتفاقات أوسلو التي تمّ اغتيالها من قبل الإسرائيليين، بزعامة اليمين المتطرف، وعلى رأسه نتنياهو وحزبه.

أهم تلك البنود :

1 ـ نسف قرارات الشرعية الدولية حول القدس واعتبارها العاصمة الموحدة التاريخية لإسرائيل، وحرمان الفلسطينيين من أن يكون الجزء الشرقي منها عاصمة لدولتهم المفقودة.

2 ـ تكريس المستوطنات كجزء من دولة إسرائيل وهي التي تنخر الجغرافيا الفلسطينية.

3 ـ وضع اليد على منطقة الغور بما يمنع تواصل ما تبقى من فلسطين بالأردن.

4 ـ نسف حقوق اللاجئين بالعودة.

5 ـ تكريس يهودية الدولة الإسرائيلية.

وتفاصيل كثيرة تشملها الصفقة التي قيل أنها تشمل أكثر من ثمانين صفحة صيغت من أكثر من عامين على يد صهاينة ومتصهينين بالأساس.

ـ أما الجولان السوري المحتل فيعلن الرئيس ترمب تأكيده لقراره السابق باعتباره جزءاً من الدولة الإسرائيلية، مؤيداً قرار الحكومة الإسرائيلية بالضمّ.

المبادرات العربية للسلام

ـ لن نتحدث هنا عن “المبادرات العربية للسلام” التي قدّمت من قبل الأمير فهد بن عبد العزيز(قبل توليه قيادة المملكة العربية السعودية)، ثم مبادرة الأمير عبد الله وقد وافقت القمة العربية على تلك “المبادرات” واعتبرتها المشروع العربي للتسوية.. لأن الوضع العربي تراجع كثيراً في قدرته على التمسك بالحد الأدنى من بنود تلك المبادرات.

على العكس من ذلك، ونتيجة الانهيارات المتتالية، والتغيّرات الدرامية التي شهدتها البلدان العربية، خاصة بعد “ثورات الربيع العربي” والعمل على نحرها وتجويفها، فإن مشاركة، وموافقة عدد من الدول العربية على جوهر مشروع ترمب كان واضحاً، ومريباً، وليس حضور سفراء ثلاثة دول عربية مسرحية إشهار الصفقة سوى إثبات قاطع على تواطؤ ومشاركة وموافقة وصمت عدد من الدول العربية نتيجة جملة من المتغيرات، وبالأخصّ منها تغوّل المشروع الإيراني في المنطقة وتهديده للأمن القومي العربي.

رغم ضخامة الشعارات التي رفعتها الأنظمة العربية أيام زمان خاصة حول العلاقة العضوية بين الصهيونية ومشروعها، وبين القوى الاستعمارية الكبرى، فقد أثبتت الوقائع أن المشروع الصهيوني مندمج، إلى حدّ كبير، مع المشاريع الدولية.

المشروع الإيراني

منذ عدة أعوام، وبفعل اختراق المشروع الإيراني لعدد من المجتمعات والدول العربية، وتهديده دول الخليج جرت تغييرات كبيرة في النهج السياسي، وفي ترتيب الأعداء والخصوم ، واعتبر الكثير من قادة الدول العربية أن مواجهة الخطر الإيراني يحتلّ المرتبة الأولى، وأن إيران هي العدو الأول، والأساس، وذهب بعض قادة الدول العربية إلى عقد صفقات مع الحكومة الإسرائيلية واعتبارها حليفاً، أو عوناً لهم في مواجهة إيران، يعزز ذلك ابتزاز الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب لدول الخليج العربي، والعمل على “حلبها” مالياً، وإرعابها سياسياً من الخطر الإيراني المتواجد بقوة في اليمن، وفي عدد من العواصم العربية، بما دفعها إلى التخلي عن مواقفها المعروفة إزاء القضية الفلسطينية وثوابت التسوية مع إسرائيل، تاركة الفلسطينيين وحيدين في مواجهة ثقل أعباء إضافية تطيح بكامل حقوقهم، وتنسف جوهر قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، ولو بالحدود الدنيا من أسس الدول المستقلة.

الفلسطينيون وحيدون في مواجهة الصفقة

في واقع الأمر، وبعيداً عن بيانات الرفض الباهتة، وبعض التصريحات الشكلية فإن “النظام العربي” بثقله الرئيس، خاصة على صعيد “بلدان الطوق” والخليج العربي لن يستطيع تقديم شيء ملموس للفلسطينيين لدعم رفضهم لصفقة القرن، الأمر الذي يضعهم وحيدين في مواجهة قاسية، وطويلة.

بالمقابل فإن طبيعة بنود الصفقة المخلّة بجميع حقوق الشعب الفلسطيني، والناسفة لقرارات الشرعية الدولية ستدفع الفلسطينيين المتمرسين بالنضال إلى مزيد من الاعتماد على أنفسهم، وتوحيد صفوفهم، والعمل على إعادة النظر بمسائل كثيرة، وفي مقدمها طبيعة ودور السلطة الفلسطينية، ووسائل المقاومة متعددة الأشكال، وإعداد النفس لمرحلة جديدة من المواجهة التي يكون الشعب أساسها.

على صعيد آخر فمما لا شكّ فيه أن صفقة القرن أقرب للخيال يصعب أن تجد تجسيدها واقعياً، وهناك دول وجهات وشعوب أوربية وعالمية ترفضها بأشكال مختلفة، وبما يستدعي من القيادة الفلسطينية صياغة برنامج المرحلة القادمة بشكل مختلف عن السابق، وبما يتواءم مع القدرات المتوفرة، وإمكانية تطوير حركة الرفض العملية ومخاطبة الشعوب العربية والإسلامية، وأحرار العالم واستنهاضها للاصطفاف في خندق العمل لإفشال هذه الصفقة الخطيرة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!