الصورة النمطية للمرأة في مجتمعنا.. حالة مقدسة وجمالية مركونة كبعد تزييني

لماذا تنتشر الصورة النمطية للمرأة في مجتمعاتنا؟ وهل صفة القداسة لها تكرس حالة النمطية هذه؟ ولماذا نراها رغم التطور المجتمعي ما زالت محكومة بالوصي؟ ولماذا كثيراً ما نرى أن المرأة تكون ضد المرأة؟

0
الأيام السورية؛ فاديا الحاج فاضل

كانت ولا زالت المرأة في مجتمعنا محكومة بصورة نمطية، سواء من حيث التوصيف، أو من حيث الدور الوظيفي في المجتمع. ما زال الكثير يعتبرها ـ ومن باب التكريم ـ أنها أيقونة، ولكنه دون أن يدري يكون قد أطّر صورتها، أو دورها، ضمن هذا التوصيف.

حالة مقدسة وجمالية مركونة كبعد تزييني

الأيقونة شكل جمالي مقدس، لكنه عادة ما يتخذ شكلاً وبعداً محددين، وغالباً ما يكون اللجوء إليه في حالات الحاجة والألم، بينما يُنسى مركوناً على حيطان وزوايا دور العبادة والمنازل. وكأننا بذلك نقول إن المرأة حالة مقدسة وجمالية، ولكنها مركونة كبعد تزييني، ومحكومة بتقديرها حين الحاجة إليها.

غير مسموح لها بالمجمل الخروج عن حدود هذه الأيقونة، يمكنها أحياناً أن تمتلك حرية التنقل داخل حدود هذه الأيقونة، ولكنها غالباً ما تمنع من مغادرة الصورة المرسومة لها.

قد يقول قائل أنَّ هذا الكلام سفسطائي، وصار من الماضي، وأنّ المرأة اليوم لها ما للرجل، وعليها ما عليه.. قد يكون هذا الرأي صحيحاً إلى حدٍ ما، لو تم التعامل مع الأمور بشكل سطحي، أو شعاراتي، ولكن لو تعمقنا قليلاً في قراءة الواقع الحقيقي للمرأة لرأينا غير ذلك.

رغم التطور ما زالت محكومة بالوصي

فعلى الرغم من التطور الملحوظ بلا شك في مجالات مشاركة المرأة وانخراطها في أشكال الحياة المختلفة، ولا نستطيع إنكار أنّها اليوم باتت قادرة على التعلم والعمل بسهولة أكبر، دون خوض الحروب مع الأسرة والمجتمع المحيط لتقبل الأمر، مقارنة بما كان عليه وضعها منذ عدّة عقود.

المرأة لا زالت غير قادرة على امتلاك زمام أمرها، وما زال الذكر أب أو أخ أو زوج وصيٌّ عليها، وما تأخذه من حقوق يدخل تحت باب الهبة والمكرمة منه، وبقرار منه يكون قادرا أن يلغيها إن ارتكبت أيّ خطأ، أو للضغط عليها لتمرير قرار ما.

فالمرأة وعلى الرغم من ذلك، لا زالت غير قادرة على امتلاك زمام أمرها، وما زال الذكر (أب أو أخ أو زوج) وصيٌّ عليها، وما تأخذه من حقوق يدخل تحت باب الهبة والمكرمة من هذا الوصي، وتبقى هذه حقوق تحت خطر التهديد دائماً، فالوصي قادر بقرار منه أن يلغيها إن ارتكبت أيّ خطأ، أو إن قرر هو تغيير معاملته واستبدل رأيه لسبب ما، أو للضغط عليها لتمرير قرار ما.

بالتأكيد لا يصح تعميم الكلام والأحكام، فالمجتمع يحتوي على نماذج كثيرة، ومتعددة، ولا بد أنّ هنالك أشخاص قد خرجوا من تأثير بوتقة صورة المجتمع النمطية للمرأة. ولكنّ لنكن صريحين نحن عشنا ونعيش في مجتمعات محافظة، ومن أراد أن يحيّا داخل هذه المجتمعات، عليه أن يسايرها إلى حدٍ ما، وهذا التعايش سيخلق بلا شك روح تتماشى معه.

الأنثى رمز الشرف

في المجتمعات المتخلفة والتي يغلب عليها الجهل، تبقى الأنثى رمز الشرف، ومكب انفعالات المجتمع، فعليها تنصبّ أخطاء المجتمع بكامله، فإذا شبَّ الأولاد وفي أخلاقهم اعوجاج فإنَّ اللوم يقع على عاتقها فهي المسؤولة الوحيدة عن تربيتهم وكأنَّهم أولادها فقط! وبهكذا ممارسات وعلى مرّ العقود أصبحت الأنثى بحدّ ذاتها معجونة بهذه الأفكار، مهما قاست وعانت من صعوبات في الحياة، ابتداءاً من نظرات الناس المستنكرة لأدنى حرية من الممكن أن تمتلكها، وصولاً لضرورة انصياعها للرأي العام مهما كلفها هذا من فقدان لشخصيتها ووجودها، وكأنّها لا تتعدّى كونها شيئاً يملكه المجتمع وليست فرداً فيه.

المرأة ضد المرأة

بالطبع عندما أقول المجتمع فأنا لا أقصده بذكوره فقط، لا بل بإناثه أيضاً، وللأسف فالأنثى في مجتمعنا غالباً ما تكون السيف ذو النصل الأكثر حدّة على عُنُقِ شقيقاتها!

ولعلّ مردُّ هذا عائد لأمورٍ كثيرة، منها بدايةً إلى التربية والأحكام المُطلقة التي نشأت عليها، فأصبحت الواحدة تقف في الصفّ المقابل للأنثى في مشكلة ما، لتضمن لنفسها السيرة الحسنة والمكانة داخل المجتمع وعلى أنّها الأكثر مثاليّة في رأيّه، فعلى سبيل المثال إذا تعرضت فتاة لتحرشٍ جنسي تجد المجتمع ـ بفتياته على وجه الخصوص ـ يصب الخطأ الأكبر على تلك الفتاة التي تجرأت على الخروج بلباس معين! وكأنّ هكذا فعل يبيح أقبح جريمة من الممكن أن تحصل للإنسان في حياته!

إذا تعرضت فتاة لتحرشٍ جنسي تجد المجتمع ـ بفتياته على وجه الخصوص ـ يصب الخطأ الأكبر على تلك الفتاة التي تجرأت على الخروج بلباس معين! وكأنّ هكذا فعل يبيح أقبح جريمة من الممكن أن تحصل للإنسان في حياته!

نجد الفتيات كمن غُيِّبن تماماً عن التفكير باتخاذهن مواقف تدين الضحية وتبرئ الجاني فقط ليبدون مثاليات وليبعدنّ عن أنفسهنَّ شبحَ التهمة.

ويبدون بأفكارهن التي تفيد بإباحة كلّ شيء للذكر وتحرمه على الأنثى، هذا غير مشاعر الحسد التي قد تتملكهن وهنّ غير قادرات على الوصول لمكانة ما قد وصلت إليها إحداهنَّ، أو على حريّة حصلت عليها وهنَّ غير قادرات على الحصول عليها، فبدلاً من التصريح برغبتهنّ بالحياة والاعتراف بأمنياتهن تجدهن يخطئنها ويخرجنها عن دائرة المجتمع، قليلات اللواتي يبدين إعجابهنَّ بشيء تمتلكه فتاة هنّ غير قادرات على امتلاكه.

وفي حالات معينة إن استلمت الأنثى منصب ما، فإنها تسارع لاتخاذ القرارات القاسية باتجاه زميلاتها لتبعد عنها شبح التحيّز لهم، وقد تتفانى في عملها لدرجات كبيرة لتدفع الاتهامات التي لا بُدَّ أن تكون موجودة بأنها ليست بالكفاءة المطلوبة وأنّه هنالك العديد من الذكور من هم أحقّ منّها بالمنصب وأكثر قدرة على القيام به.

الخضوع المُستكين للزوج

نجد أن المرأة مهما بلغت من مكانة علمية أو اجتماعية في المجتمع، فإنها تبقى خاضعة ذلك الخضوع المُستكين لزوجها، فنرى تلك العبارات السائدة التي تؤكد أنَّ المرأة رهينة زوجها وأنَّ مهمتها في خدمته هي الأولى والأساسية ودونها ليس لها قيمة مهما بلغت من مكانة، وهذا ليسَ من باب الحب لزوجها ولا حتى من باب الواجب إن صحَّ التعبير، لا بل يأخذ شكلاً من أشكال التبعيّة المغلفة بالعبودية المُبطنة، فهو سندها وملاذها ووجوده رحمةً لها لأنّها من غيره ستعاني الأمريّن في مواجهة هذا العالم المتوحش! فنجد كثيرات يعانينَّ من حياةٍ قاسية، ولكنهنَّ قانعات خاضعات لما اختار لهنّ القدر فلا حياة للمرأة من بعد سندها وإن كان ظالماً متعدياً عليها وعلى كيانها.

الأنثى الضحيّة وحيدة مهما بلغ وضعها من مآسٍ، وتبقى دائماً متحفزة في حالة الدفاع عن النفس والمواقف، ويحيط بها جو من التوتر الدائم، لأنها موضع اتهام دائم وقد تخسر ما تملكه

المرأة يجب أن تكون جميلة المظهر

نرى تلك الأعراف المنتشرة التي تخصّ أهمية الأنثى بشكلها وجمالها وجعل هذا الأمر أهم ما تملكه الفتاة، فيدفعنها لتولي مظهرها الاهتمام الأكبر ولتهمل ما في الحياة من حيواتٍ أخرى، مع التأكيد الدائم أن الأنثى المتعلمة والمثقفة تأخذ شكل يطلق عليه بالمرأة المسترجلة! وبنفس الوقت نرى شباب هذا العصر يدعون الفتيات بالسطحية والسذاجة وما هنالك من صفات مشابهة متناسين دعوتهم لهكذا أمور مسبقاً.!!

الأنثى/ الضحيّة وحيدة

غالباً ما نرى الأنثى الضحيّة وحيدة مهما بلغ وضعها من مآسٍ، وتبقى دائماً متحفزة في حالة الدفاع عن النفس والمواقف، ويحيط بها جو من التوتر الدائم، لأنها موضع اتهام دائم وقد تخسر ما تملكه!.

إن أردنا أن نتطور كمجتمع علينا إعطاء الأنثى حرية تقرير مصيرها دون تسلط أدوات المجتمع القادرة على سلبها ما تملك، فلتكن عندما تختار بيتها وزوجها متفانية لهما، وليست مجبرة على القيام بما تقوم به.

ليسَ كلامي هنا دعوة للأنثى كي تخرج عن بيتها وأسرتها، أو أن تتشبه بالذكور، هي فقط دعوة لتكون هي، كما تردي أن تكون هي.. دون تسلط من أحد، وألّا تكون كالكرة التي تتقاذفها الألسن والآراء المختلفة مبتعدةً كلَّ البعد عن ماهيّة وجودها الحقيقي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!