محمد شيخو مدرسة غنائية أثرت في تشكيل اللوحة الموسيقية الكُردية في سورية

أسّس محمد شيخو بأسلوبه مدرسة غنائية أثرت بشكل كبير على تشكيل اللوحة الموسيقية الكُردية في سورية. نقل من خلالها اللحن الكُردي في سوريّة من الزاوية الفلكلورية إلى آفاق فنية أوسع، وهذا ما حمّله عبء الاعتقال والنفي الذي طاوله من سلطة البعث.

0
الأيام السورية؛ حنان معمو

محمد صالح شيخموس أحمد، المعروف باسم محمد شيخو، وكان معروفاً أيضاً بكنيته (بافي فلك)، من الفنانين الكُرد الكبار، ظهر في سبعينيات القرن الماضي، اشتهر بحبه للموسيقا، وقدم الكثير من الأغاني التي تعبر عن علو إحساسه القومي والوطني.

خدم محمد شيخو الأغنية الكُردية بكل تفان واخلاص، وله إسهامات واضحة في الأغنية القومية ستذكرها الأجيال الكُردية طويلا.

ذاق هذا الفنان شظف العيش ومرارة الحياة، وكلها من أجل الارتقاء بالموسيقى والأغنية الكُردية إلى مصاف الموسيقى العالمية، وظل على هذا النهج الذي سلكه حتى آخر أيام حياته.

الولادة والنشأة

وُلد محمد شيخو Muhemed şêxo في العام 1948، في قرية (گرباوي) إحدى قرى ريف القامشلي، من أبوين فلاحين.

درس المرحلة الابتدائية في قرية خجوكي، والإعدادية في مدينة القامشلي، بالإضافة إلى تلقيه العلوم الدينية في القرية، كذلك درس آداب اللغة الكُردية خلال الدورات التعليمية السرية التي كانت تقيمها الأحزاب الكُردية آنذاك.

عانى من شدة الفقر، وضيق ذات الحال، حتى أنَّ المدرسة التي درس بها كانت تقدم له بعض مستلزماته مجاناً، كما أنَّ أصدقاءه تبرعوا لشراء نظارة طبية له 1968، هذه الحال منعته من إتمام دراسته وعاد إلى القرية للعمل بالفلاحة مع أهله.

بداية تعلمه الموسيقى

كان منذ طفولته محباً للغناء والموسيقا، ورغم تحفظ المجتمع والنظر إلى الغناء والطرب على أنه من المحرمات إلا أن محمد شيخو لاقى التشجيع والدعم من أهله، وخاصة والده الذي كان يغني معه في ليالي الشتاء الطويلة ويطرب من حوله وهو مازال يانعاً وصغيرا، كما كان عمه نجاراً ومحباً للموسيقى والأغاني الكُردية.

محمد شيخو في شبابه(يوتيوب)

كان محمد شيخو يصنع آلات العزف التي يعزف عليها من التنك و”كالونات” البلاستيكي، إلى أن صنّع له عمه طنبورا حقيقياً، ساهم هذا الطنبور بنقله من مرحلة اللعب مع الموسيقا، إلى حالة التعلق والشغف، وشكّل إنعطافة كبرى في حياته.

ولطبيعة عمله مع أهله في الزراعة وفلاحة الأراضي، تجول في قرى عديدة بمحيط مدينة القامشلي، وتعرف في قرية “خربي كرما” على الفنانين خليل يزيدي وحسين طوفي وحليم حسو حيث رافقهم في العديد من الحفلات والأمسيات آن ذاك وتتلمذ على أيديهم.

وفي عام 1968، وهو في العشرين من عمره، قصد (حسن توفو وخليل إيزيدي) ليتعلم العزف على آلة الطنبور، وكانت أولى تجاربه الغنائية في الأعراس والمناسبات التي تقام في المدن الكُردية، وبدأ بالأغاني الفلكلورية الكُردية الرائعة. تلك المرحلة صقلت تجربته الغنائية، وحولته من هاوٍ للغناء إلى مغنٍ رصين.

مرحلة بيروت

في عام 1970 قصد بيروت لدراسة الموسيقى، وعمل هناك في صناعة الحقائب الجلدية، لتأمين مصاريف الحياة، وبدأ دروسه في تعلم النوطة الموسيقية في المعهد الموسيقي في بيروت.

في بيروت التقى بالفنانين محمود عزيز، ورمضان نجم أمري، وسعيد يوسف، وانتسب إلى فرقتهم، ثمّ أسّس مع الفنان الكبير محمود عزيز فرقة (سركوتن serkewtin) للفلكلور الكُردي.

وفي ذلك العام كانت كُردستان العراق تعيش مرحلة جديدة، حيث كانت الثورة الكُردية على أشدها، ورغبة بدعم ثورة كُرد العراق قامت لجنة الفن الكُردي في لبنان بالتعاون مع الفرقة وفنانين آخرين كالفنان الكبير سعيد يوسف ورمضان نجم أومري والمغنية بروين. بإحياء العديد من الحفلات والأمسيات، وأقيمت أولى هذه حفلاته بتاريخ 24 أذار/ مارس 1971.

وصادف في إحدى الحفلات التي أقيمت بسينما (ريفولي وبيبلوس) في بيروت، أن حضرها رئيس الوزراء اللبناني صائب سلام وأعجب كثيرا بصوته.

لاقت حفلات محمد شيخو في بيروت صدى طيباً في الأوساط الفنية اللبنانية، مما أهله ليكون عضواً في اتحاد فنانين لبنان، وللتعرف على العديد من الفنانين اللبنانيين الكبار أمثال نصري شمس الدين، فيروز ، وديع الصافي ، عاصي الرحباني، وسميرة توفيق التي طلبت منه العمل في فرقتها الفنية لكنه اعتذر.

الفنان محمد شيخو رسم تخبييلي (العربي)

مرحلة كُردستان

في عام1973 ترك لبنان وتوجه باتجاه كُردستان العراق، واستقر في مدينة كركوك وعمل في إذاعة وقناة التلفزيون الكورديتين فيها.

كما سافر إلى بغداد لإحياء حفلة فنية، وقام بتسجيل بعض أغانيه في القسم الكُردي في إذاعة بغداد، والتي كانت مع تلفزيون وإذاعة كركوك تبثان أغانيه على الدوام، مما ساهم في نيله شهرة واسعة بين الكُرد في كُردستان العراق.

وفي العراق تعرف على نخبة من المطربين المشهورين أمثال محمد عارف الجزراوي، شمال صائب، تحسين طه، كلبهار، وبشار زاخولي، عيسى برواري، وكذلك العديد من الشعراء والشخصيات المثقفة، وغنى من قصائد الشاعر بدرخان سندي، وسكفان عبد الحكيم، وخلف زيباري، ومصطفى الأتروشي .

وفي فترة مكوثه بالعراق زار الفنان محمد شيخو القائد مصطفى البارزاني، وغنى له الأغنية المشهورة (كي دنيا هجان hejand kê dinya )، ومعناها بالعربي (من الذي هز العالم) والتي تناول فيها البارزاني ونضاله وتفانيه من أجل القضية الكُردية.

محمد شيخو يغني للبارزاني:

العودة إلى سوريا

دفعه حبه لمدينة القامشلي للعودة إلى سوريا، لكنه عانى الأمرّين بسبب الاعتقالات، والتهديد الأمني، والضرب الذي كان يطرحه لأيامٍ في الفراش.

في عام 1974 وسجل أول ألبوماته في دمشق باسم (گەوريGewrê ) وتضمن ثمان أغاني قومية وعاطفية، وبسبب مضمون أغانيه القومية تعرض للملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية السورية.

كما أسس فرقة فنية في مدينة الرميلان، إلا الأجهزة الأمنية تدخلت ومنعت نشاطاتها، وصار بعدها مطلوباً أمنياً لدرجة أنه لم يعد من الممكن أن يمارس نشاطه الفني، فاضطر إلى الهرب ومغادرة سوريا إلى كُردستان العراق.

الرحلة إلى إيران

بعد الضغوطات التي تعرض إليها في سوريا، عاد مرة أخرى على كردستان العراق، وانضم إلى صفوف البيشمركة في الجبال، حتى توقيع اتفاقية الجزائر في عام 1975، هاجر مع غيره من كُرد العراق إلى إيران.

وهناك شكل فرقة فنية من جرحى المعسكر، كما زار مدينة مهاباد وسجل فيها ألبومه الثاني وكان فيه واحدة من أهم أغانيه (أي فلك (Ey Felek ، وفيها أيضاً سجل ألبومه الثالث، وأسماه (من مهاباد منبع دماء الشهداء).

محمد شيخو وأغنية (اَي فلك):

 

لكنه من جديد أصيب باليأس والإحباط، حيث بدأت قوات السافاك الايراني بمضايقته نتيجة مواقفه من القضية الكُردية، وبسبب مضمون أغانيه السياسية والقومية، وطالبه بالكف عن الغناء، وتم نفيه إلى مدينة كردية بالقرب من بحر قزيون على حدود أذربيجان، وهناك تعلم اللغة الفارسية، وقام بتدريس اللغة العربية في احدى المدارس الثانوية هناك.

زواجه

أثناء تدريسه في المدرسة أغرم محمد شيخو بطالبته نسرين حسين ملك إلى حد العشق وغنى لها أغنيته المشهورة (نسرين (Nisrîn وهي ابنة أحد زعماء بيشمركة جمهورية مهاباد، وتزوجها رغم المعوقات القانونية ومضايقات الأمن الإيراني لهما، وأنجبا أربعة أولاد، فلك، إبراهيم، بروسك، وآخر توفى وهو صغير كان اسمه بيكس.

أغنية نسرين محمد شيخو:

بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، وبتهمة الشيوعية أحيل محمد شيخو إلى محاكم الحرس الثوري، وتمة تبرئته لاحقاً، وبعد صدور عفوٍ عنه رتب أموره وعاد برفقة عائلته إلى مدينته القامشلي.

العودة إلى سوريا

في عام (1981) استقر تماما في مدينة القامشلي واستمر في مسيرته الفنية، واستطاع تشكيل فرقة فنية للأطفال ليعلمهم الأناشيد الوطنية والأهازيج الفلكلورية.

كما قام بتدريس الموسيقا عبر دورات موسيقية في منزله، واستطاع تسجيل آخر أعماله عام 1986، وفي عام 1987 افتتح إستديو تسجيلات بإسم “فلك” لبيع أشرطة الكاسيت، لكن أجهزة الأمن السوري من جديد تدخلت وأغلقت محله بالشمع الأحمر، عقاباً له على مضامين أغانيه، إضافة للطابع القومي لمحتويات محله.

محمد شيخو وزوجته(راديو ولات)

مرضه ووفاته

أصيب محمد شيخو بمرض مفاجئ أدخل على أثره المستشفى الوطني بالقامشلي، لكنه لم يصمد طويلاً، وتوفي في التاسع من آذار عام 1989.

أقيمت للفنان الراحل جنازة شعبية واسعة، شارك فيها أهالي مدينة القامشلي، ودفن في مقبرة الهلالية بمراسم مهيبة تليق بمكانته كفنان وإنسان جعل صوته في خدمة شعبه.

تقول وصيته: “إذا ما متُّ أيها الأحياء يوماً، لا تدفنوني كما موتاكم، احفروا قبري في ظلال الجبال، ولتكن شاهدتا قبري جديلتان، كلّما يحين آذار فلتوقظوني، لأعتصر لكم الألم بصوتي”.

يُعدُّ الفنان الكُردي محمد شيخو، أحد أبرز سفراء الأغنية الكُردية السورية، رسم صورة الأغنية الكُردية في زمنٍ كان النغم الكُردي يتراقص على أوتار الكبت والحظر والحرمان.

شيخو، الذي كانت أغنيته الكُردية سبباً لحمل عبء الاعتقال والنفي الذي طاوله من سلطة البعث، نقل اللحن الكُردي في سوريّة من الزاوية الفلكلورية إلى آفاق فنية أوسع، وأسّس بأسلوبه مدرسة غنائية أثرت بشكل كبير على تشكيل اللوحة الموسيقية الكُردية في سورية.


للمزيد اقرأ:

الموسيقى الكُردية.. وجدان شعب ومعاناة إنسان

مصدر الموسوعة الكُردية الحرة خبر24 يكيتي ميديا
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!