الموسيقى الكُردية.. وجدان شعب ومعاناة إنسان

الموسيقى لم تنفصل أبداً عند الكُردي، في رحلته بحثاً عن الحقيقة، وإثبات الذات، وكان صوت الكُرد يُسمع جلياً عبر موسيقى تحمل معاناة إنسان وشعب.

0
الأيام السورية؛ حنان معمو

تبدو الشعوب التي تتعرض للاضطهاد ومحاولة طمس تاريخها ووجودها، من أكثر الشعوب المتمسكة بتراثها وثقافتها الإنسانية والفنية، خاصة في موضوع الموسيقى والغناء، وربما هي بذلك تحاول أن تقاوم الموت بأن تمنح المدى لموسيقاها كي تصدح عالياً وتساعدها على الصمود والاستمرار.

الموسيقا كاشف حقيقي لشخصيات الشعوب:

وكون الموسيقى، كما يقول الباحث الدكتور أحمد خليل، “تعتبر كاشف حقيقي لشخصيات الشعوب، من خلالها نستطيع معرفة خصائص جغرافيا الشعوب، ومدى سعادتها وشقائها، ويمكن أيضاً معرفة رؤيتها الوجودية، ومعظم ما يتعلق بتلك الرؤية من ميثولوجيا، وفلسفة حياة، وقيم وسلوكيات”. لذا فهي لم تنفصل أبداً عند الكُردي، في رحلته بحثاً الحقيقة، وإثبات الذات، وكان صوت الكُرد يُسمع جلياً عبر موسيقى تحمل معاناة إنسان وشعب.

والكُرد قوم محبّون للموسيقى، يظهر ذلك في كثير من المناسبات، وخاصة في الأعراس وعيد نوروز.

خصوصية الموسيقا الكُردية:

وقد تأثرت الموسيقا الكُردية كغيرها بطبيعة المكان، وتميزت أصوات الفنانين الكُرد بالقوة في المناطق الجبلية من كُردستان، وبالرقة في مناطق السهول، وبفضل الطبيعة الجغرافية المتنوعة في كُردستان.

تنوعت الموسيقا والألحان والأصوات الغنائية، وعرف الكُرد آلاتٍ موسيقية كثيرة، كالطمبور والبزق والناي والطبل والعود والكمنجة وغيرها.

العلاقة بين الموسيقى الكُردية وموسيقى الجيران:

الكُرد قوم محبّون للموسيقى، يظهر ذلك في كثير من المناسبات، وخاصة في الأعراس وعيد نوروز.

للموسيقى الكُردية الشعبية طابعها الخاص، شأنها في ذلك شأن موسيقى بقية الشعوب، وكل من له خبرة بموسيقى شعوب المنطقة، يمكنه تمييز الموسيقى الكُردية عن الموسيقى الفارسية والأرمنية والتركية والعربية.

على أن ذلك لا يعني أن ثمة قطيعة بين الموسيقى الكُردية وموسيقى الجيران، ففي المناطق التي يتجاور فيها الكُرد مع جيرانهم، نجد تمازجاً بين موسيقى أولئك وهؤلاء، وثمة ألحان كُردية دخلت موسيقى الشعوب المجاورة للكُرد، على أيدي الملحّنين الكُرد الذي عاشوا بين تلك الشعوب، ولا سيّما في تركيا وبلاد الشام.

والشعب الكُردي في حقيقته شعب محب للموسيقى وخالق لها، لأن الموسيقى بالنسبة إليه أداة للتعبير عما يحتويه وجدانهم وعن فيض شعورهم، ونستطيع أن نلحظ تفاعل موسيقاهم وتداخلها مع موسيقى من حولهم من الشعوب حين احتوت المقامات الموسيقية الشرقية على مقامين كرديين هما “مقام كرد، ومقام نهاوند“

أغنية تراثية كردية للفنان محمد شيخو:

الموسيقى الكردية:

الموسيقا الكُردية، من أكثر الموسيقات تميزاً بسبب تنوعها بين الملحمة الشعبية، والأغنية الفولكلورية، والأغنية المؤداة مع الرقص الشعبي، والموسيقا الدينية، بالإضافة إلى الأغنية العاطفية والقومية والثورية.

والموسيقى الشعبية الكردية، قديمة قدم التاريخ، ولا تزال إلى اليوم موجودة بصيغها، ومقاماتها، وإيقاعاتها، بل وربما بمواضيعها. ما زالت المنهل الرئيس ومصدر الإلهام لغالبية الموسيقيين الكُرد، معنى ومبنى، بغضّ النظر عمّا إذا كانوا مبدعين حقيقيين للموسيقى أم مجرد ممتهنين لها.

الدبكة الكردية (يوتيوب)

والآباء الحقيقيون لهذا النوع من الموسيقا الكردية، هم المغنون الجوالون (Dengbêj، Tembûrvan، Stranbêj، Zirnevan) وهم مجموعة من المغنين والقوّالين والحكواتية وعازفي الآلات، كانوا يعيشون بين القرى والعشائر، ويترددون على وجهاء المناطق الريفية والمدنية، في مواسم معينة، ومناسبات اجتماعية مختلفة.

وبالتوازي مع هذا، توجد الموسيقى الشعبية (الفولكلورية) التي تخص الشعب بمجموعه: كالأغاني، والدبكات، وموسيقى الآلات، والفنون الشفاهية، التي تختصّ بها كل منطقة، وكل عشيرة، وتؤدّى أيضاً في المناسبات الاجتماعية المختلفة، كالأعراس وأيام الحصاد على سبيل المثال.

برع الكُرد عبر تاريخهم بتأليف الموسيقا الخالصة، المنفردة دون مصاحبة الغناء، مظهرين قدرا عاليا من رهافة الحس الجمالي الموسيقي، إضافة إلى قدرات تأملية عالية.

مقاطع موسيقا للفنان الكردي دلشاد:

أغانٍ وملاحم:

الموسيقا الكُردية، من أكثر الموسيقات تميزاً بسبب تنوعها بين الملحمة الشعبية، والأغنية الفولكلورية، والأغنية المؤداة مع الرقص الشعبي، والموسيقا الدينية، بالإضافة إلى الأغنية العاطفية والقومية والثورية.

هنالك ثلاثة أنواع من المؤدين في الموسيقى الكُردية: المنشدون، رواة القصة والشعراء.

وهناك الأغاني والملحميات التي تعكس الطبيعة الكُردية الجميل ك’اللاوكس’ الشعبي وهو عبارة عن أغنية أو ملحمة شعبية بطولية تعيد سرد حكايات الأبطال الكُرد، وال ‘هيرانس’ أو أغنية الحب الشهيرة التي تتحدث عن كآبة الفراق أو الحب المستحيل.

وأغاني الخريف (بايزوكس) والأغاني الإيروتيكية التي تتحدث عن الحب والجنس وتفاصيل حياة الإنسان الكُردي البسيط.

الموسيقا الكردية بشكل عام ثريّة بآلاتها، وإيقاعاتها ومقاماتها وصيغها، وأساليب أدائها، ومواضيعها التي تؤدّى معها.

الفنان جميل هورو والحكايا الشعبية:

الموسيقى الدينية لدى الكُرد:

نستطيع أن نضيف إلى الصنفين السابقين، صنف ثالث نما وترعرع في الزوايا الدينية، وتسمّى: أغاني الفقى (Bêlute , Stranên Feqqa ) وهي ذات مضامين دينية غالبا، ودنيوية أحيانا، تؤدى غناءً، أو غناءً وإيقاعا.

الموسيقى الكردية، سواء أكانت منفردة أم مصحوبة بالغناء، مرتبطة بشكل عميق الجذور مع الميثولوجيا الكُردية، وظهرت آثار ذلك في الزردشتية، فقد جاء في كتاب أڤستا: “نبجّل كل الأوزان (الألحان الشعرية) المقدسة في الياسنا”. وجاء فيها أيضا: “نقدس صلاة ستاوتاياسنا الخاصة، نقدس ستاوتاياسنا غناء ونطقاً وشدواً”.

وما زلنا نرى إلى اليوم حضور الموسيقى في المناسبات الدينية عند الكُرد الكاكَه ئي والكُرد الأيزدي، وما يثير الانتباه أن الطابع الغالب على الموسيقى في تلك المناسبات ليس كئيباً، وإنما هو طابع تغلب عليه الحيوية والإشراق.

مقطع إنشاد ديني بالكردي:

الآلات الموسيقية الكُردية:

الآلات الموسيقية الشائعة عند الكُرد هي:

1/ الطبل Dehol/ Dahol

كبير الحجم، مصنوع من جلد رقيق، مثبَّت على محيط دائرة خشبية من جهتيه، ويستخدم الطبّال نوعين من الأعواد؛ أحدهما رفيع والآخر غليظ ينتهي برأس متكوّر، وطول كل عود من 40 إلى 50 سم.

2/ الدّف Defik

أصغر من الطبل، يشبه الغربال، له وجه واحد مغطّى بجليد رقيق، وتُثبَّت في إطاره من الداخل حلقات معدنية، لإصدار خَشْخَشات رقيقة عند القرع على الدف بالكفين، ويستخدمه دراويش الصوفية في حلقات الذكر.

رجل يدق على الدف (عربي بوست)

3/ الطَّنبور Tenbûr

آلة وترية، أصغر من العود، تُصنع من الخشب، طول زندها حوالي متر، وتُثبّت على الزند أوتار من نوع خاص، ويُعزف عليها بالأصابع، أو بريشة، وأنغامها أرقّ من أنغام العود، ولها أنواع عديدة، ويستعمَلها الكُرد الكاكَه ئي في طقوسهم الدينية.

تنوعت الموسيقا والألحان والأصوات الغنائية، وعرف الكُرد آلاتٍ موسيقية كثيرة، كالطمبور والبزق والناي والطبل والعود والكمنجة وغيرها.

4/ الكَمَنْجَة kemançe

آلة وترية رشيقة الشكل، في الجهة السفلى صندوق دائري صغير، وأحياناً صندوقان؛ السفلي أكبر قليلاً من العلوي، ويُعزَف على الكمنجة بوتر مشدود إلى عصا نحيفة مقوَّسة، وأنغامها رقيقة عذبة، وهي مستعملة عند الكُرد اللور في الجنوب، ولم أجدها مستعملة عند الكُرد في الشمال والغرب.

5/ السَّنتورSentûr

آلة وترية شبيهة بالقانون، يُعزَف على أوتارها بمضربين خشبيين رفيعين، ويتم تبديل الأصوات بتحريك الحمّالات التي تسند الأوتار، وهي مصنوعة من الخشب، وتُستعمَل هذه الآلة في لورستان وفي جنوبي إقليم كردستان- العراق، ولا تُستعمل من قِبل الكُردمانج في الشمال.

6/ الزُّرْنا Zorne 

آلة نفخية، على شكل بوق، شكلها مخروطي دائري أجوف، في سطحها العلوي ثقوب مرتّبة، ونهايتها عريضة معقوفة إلى الوراء وهي بطول 30 سم تقريباً.

الطبل والزرنا(فيسبوك)

7/ النّاي Pîk

آلة نفخية، تُصنَع من الخشب، وطولها (40) سم تقريباً، وفي سطحها العلوي عدة ثقوب مرتَّبة.

8/ البُلُور r ûBol

آلة نفخية، تُصنَع من الخشب أو القصب أو الحديد، طولها (30) سم تقريباً، وفي سطحها العلوي عدة ثقوب مرتَّبة، وفي طرفها الثاني ثقب واحد.

9/ المزمار Cûzele/dûzele

آلة نفخية، تتكوّن من قصبتين مجوَّفتين، في سطحيهما العلويين ثقوب مرتبة مزدوَجة، ويتم لصق القصبتين معاً بالقار (الزِّفت).

ما يدعو للأسف هو قلة المصادر التاريخية التي أرّخت الموسيقا الكُردية من جهة؛ وعدم وجود مراكز أبحاث كوردية، قادرة على تصحيح الكثير من الزيف التاريخي، في نسب كل نتاج حضاري كوردي إما إلى العرب أو إلى الفرس وأحياناً إلى الترك، من جهةٍ أخرى، ويعود ذلك إلى وضع الشعب الكُردي السياسي، ومعاناته، وسياسات الأنظمة الحاكمة له، والتي تخطط من أجل طمس معالم حضارته، وتاريخه، وهويته القومية.


المراجع
1/ د. أحمد الخليل، دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية.
2/ د. خليل عبد الرحمن، أڤستا.
3/ باسيلي نيكيتين، الكُرد، ترجمة الدكتور نوري طالباني.
4/ دياكونوف، ميديا، ترجمة وهبيّة شوكت محمد.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!