كيف تستثمر السلطة تطور التقانة لمراقبة الشعب في الصين؟

كيف استثمرت الحكومات الصينية المتعاقبة التقانة شديدة التطور في تحقيق مستويات أعلى من مراقبة المواطنين؟

0
الأيام السورية؛ قسم الأخبار

يحكم الحزب الحاكم في الصين قبضته على مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية، في بلد يُصنّفُ كثاني عملاق اقتصاديّ عالمي بعد الولايات المتحدة، وفي المرتبة 19 للأنظمة الأكثر ديكتاتورية عالميا أيضا.

تطور طرق المراقبة:

عمل قادة الحزب المتعاقبون على غرس الولاء المطلق لمبادئ الشيوعية في صفوف الشعب، ولاء استلزمَ بلوغُه عدة إجراءات أمنية واسعة النطاق، بينها توظيف أعداد كبيرة من الشرطة السرية لمراقبة الأفكار واستجابة الأفراد لخطط الدولة، إلى جوار ضخ إعلامي حاشد لتكريس أدبيات الماركسية الاشتراكية، وانتهاء بمعاقبة “الخونة” بحسب تعريف الحزب لمخالفيه، وهي إجراءات كانت حاضرة بمجموعها في النظام الجديد اليوم، ولكن مع استثمار للتقانة شديدة التطور في مستويات أعلى.

رصيد الفرد من الأفعال “الصالحة” و”السيئة”:

1/ اعتمدت الحكومةُ احتساب رصيد الفرد من الأفعال “الصالحة” و”السيئة” بحسب معايير الحزب، معتمدا على قاعدة ضخمة من البيانات تغذيها التقارير اليومية للمُخبرين، وفيديوهات تتدفقُ من شبكة مراقبة على مستوى الدولة كاملة، لتضع النتيجةُ المتدنيةُ صاحبها أمام عقوبة الحرمان من بعض الامتيازات الوطنية أو بعض حقوقه بحد أدنى، ومانحة إياه في الآن نفسه فرصة لتصحيح سلوكه مقابل استعادة حقوقه بمرور الوقت.

نظام مراقبة شعبي:

2/ تبنّت السلطات نظام مراقبة شعبي، يقوم على تنظيم الأسر في وحدات “لجان” تتولى تطبيق القانون في مقاطعاتها، وقام مواطنون مشاركون بدوريات بالإبلاغ عن الاضطرابات، بما يمكنُ اعتباره تكليفا للشعب بجزء من السلطة، وهو نظام مراقبة متعدد المستويات يعتمد على تقارير سكان محليين تثقُ الحكومة في ولائهم المُطلق للشيوعية، واستمرّت الأمور على ذلك حتى انفتاح الصين على السوق الرأسمالية في الثمانينيات.

قاعدة بيانات ضخمة:

3/ أوائل الألفية الثالثة، بدأ أعضاء الحزب الخطط الاستطلاعية بالتناوب، وقد تمت الاستفادة من حسابات المواطنين البنكية، وفواتير الشراء والرقابة الجزئية على وسائل التواصل الاجتماعي والويب، وتم جمعها مع البيانات المتدفقة من عشرات آلاف كاميرات الفيديو المنتشرة، في قاعدة بيانات ضخمة واحدة على مستوى البلاد.

النظام الشبكي:

4/ خلال الفترة بين عامي 2004 و2007 أجرت الصين ثلاث موجات من النظام الشبكي من الاختبارات غطت 51 منطقة تجريبية فقط، لم تلبث أن قررت تطويرها مع المخاوف المتزايدة من حدوث اضطرابات مرافقة للآثار السلبية للأزمة الاقتصادية العالمية على الصين، وما استتبعته من آثار مستمرة حتى وقتنا الحالي.

العيون الثاقبة:

5/ عام 2010 أُعلن عن تفوق المدن على الأرياف في التعداد السكاني، في الصين، وأُعلن في الوقت نفسه عن استجابة طارئة للحزب، بإعلان الدخول في طور جديد من الاستطلاع حمل اسم “العيون الثاقبة”.

اقتصرت إجراءات “العيون الثاقبة” على المدن الحضرية، وبدءا من ناطحات السحاب وحتى مقاعد الحدائق بدأت الفرق الرقمية بترميز البنى التحتية، وربطها بكتل إدارية ذات مُعرِّفات خاصة، متصلة مع قاعدة بيانات ضخمة تُدار بنظام واحد تغذيه الصور والفيديوهات القادمة من عشرات ملايين الكاميرات المثبتة في المرافق العامة والخاصة وصولا إلى الكاميرات المسيرة.

ففي مدينة “قوانغتشو” الجنوبية على سبيل المثال، وبأي ساعة خلال اليوم، يمكن تمييز 12 ألف كاميرا لنشاطات كل مئتي أسرة، وهو أمر وُصِفَ بالبدائي ونقله تنافس شركات وادي السيليكون الصيني التقنية في بيع خدماتها لمستويات أكثر فاعلية.

الجماهير لها عينان حادتان:

6/ بعد ذلك، كان بإمكان أي مراقب للحزب وعبر شاشة هاتفه المحمول متابعةُ ما تبثه كاميرات الأمن، وبالتالي الإبلاغ عن أي نشاط غير مألوف أو مخالف للائحة، وهو مشروع بدا في شقه العمليّ اقتباسا من المبدأ الشيوعي الشهير “الجماهير لها عينان حادتان” وجعلَ كل مواطن يتجسس على الآخر، ولكن مع استخدام لتكنولوجيا أكثر تطورا من زمنه بكثير.

شركات الذكاء البرمجي:

7/ مع دخول كبرى شركات الذكاء البرمجي سوق التنافس على تقديم خدمات تتبُّع ذلك الدفق الهائل من البيانات، أصبحت التقنيات الحكومية حساسة للّغة على نحو متزايد، وأكثر قدرة على تحديد مصدر تدفق نوع محدد من البيانات، ما عنى أن أي عملية بحث حول مواضيع محظورة ومثيرة للجدل، كـ “احتجاجات 1989” أو “مذبحة ميدان السلام السماوي” مثلا، ستضعُ موقع صاحبها تحت مجهر وكالات الأمن السيبرانية الصينية إضافة لحظر الصفحة، وسيكون وصول الشرطة السرية إليه مسألة وقت لا أكثر.

السلطوية الشبكية:

8/ مع عدد مستخدمين للإنترنت يتجاوزُ حاجز نصف مليار، وتزايد سريع بأعداد مستخدمي فيسبوك ليلامس سقف 800 مليون صيني، وصعوبةٍ كبرى في مراقبة النشاط الإلكتروني المتزايد للصينيين، انتقل خبراء الأمن إلى حظر فيسبوك كاملا عام 2009، ثم تبعه حظر لأباطرة العالم الرقمي الآخرين كـ “تويتر” و”يوتيوب” و”أمازون” و”إنستغرام” وآلاف المواقع الأخرى بمرور الوقت، لتكونَ الرقابة المحكمة والمستمرة على الويب، وصولا للسماح بالتطبيقات ضعيفة الخصوصية مثل “الويب شات” بمواصلة العمل، وإدخال تطبيقات صينية بديلة يمكن رقابتها وإحكام السيطرة عليها، وهي لمسات الحزب الأخيرة على ما يمكن تسميته بـ “السلطوية الشبكية”.

تطهير الفناء الخلفي للحزب:

9/ لدى تسلم “تشي جين بينغ” الرئاسة عام 2013، وتحت عنوان “مكافحة الفساد”، وجد مليون صيني أنفسهم في السجون في إطار حملة أمنية استهدفت التخفيف من الاحتقان الشعبي ضد العديد من الممارسات غير القانونية لشركات مملوكة للدولة، حملة احتفت بها قاعدة عريضة من الصينيين، ووُصفَت في الآن نفسه من قِبل مُنتقدين بتطهير لفناء الحزب الخلفي من المنافسين المحتملين، وللمجتمع من المثقفين المخالفين لرؤية الحزب، وهو أمر فُسِّرَ بأنه خطوة لجلب جيل أكثر ولاء للقيادة العليا.

نظام التصنيف الاجتماعي:

10/ انتقلت الحكومة لمستويات أكثر جرأة، فقد أعلن المجلس الصيني عن إطلاق “نظام التصنيف الاجتماعي” في يونيو/حزيران 2015، لتحديد المواطنين الذين يشكلون أثرا سلبيا على المجتمع ومعالجتهم، فيما كانت المباشرة الفعلية الأولية له منتصف العام التالي 2016.

حيث تم تعميم نظام مكافآت وعقوبات يعتمد على تتبع نشاط الأفراد في مُختلف الأماكن، وتقييمها داخل قاعدة مرجعية وفق معاييرَ محددة، وذلك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تمكّنت الكاميرات الجديدة من التعرف على الأفراد، بالمقارنة مع صورهم وخصائصهم الجسدية المُسجلة في قاعدة البيانات.

نصف مليار كاميرا مراقبة:

11/ مع نمو متزايد لأعداد الكاميرات يلامسُ سقفَ 200 مليون كاميرا، وسيتخطى حاجز نصف المليار كاميرا، وصل عدد الممنوعين من طلبات ركوب رحلات جوية لنحو 11 مليون صيني، وكذا لا يستطيع بضعة ملايين آخرون الحصول على قروض بنكية، ويوجد نحو 4 ملايين صيني لا يستطيعون شراء تذاكر قطارات، وملايين آخرون ممنوعون من استخدام شبكة الإنترنت الصينية، بسبب ما سمّته لهم وكالات الأمن بـ “عدم الجدارة بالثقة”.

ولدى تصفحهم قسائم الرفض، تبيّن أنهم حصلوا على تقييم متدنٍّ في سلوكهم كمواطنين صالحين، مانحة إياهم فرصة لاستعادة تلك الحقوق مقابل تصحيح سلوكهم بما يتفق مع لوائح الحزب.

تقنيات التعرف على الأفراد:

12/ نشرت تقارير صحفية تُفيد بأن شركة “واتريكس”، إحدى بائعي خدمات الذكاء الصناعي للصين، بصدد تحسين تقنيات التعرف على الأفراد، لتشمل تمييزهم من أسلوبهم في المشي، وهو ما سيُمكّنها من معرفتهم من مسافات بعيدة قد تصل لعشرات الأمتار، بالتزامن مع تجارب أخرى تجري في مقاطعة “آنهوي” لبناء قاعدة بيانات لأنماط الصوت، وبالجمع بين البيانات المسجلة في القاعدة المرجعية، وتقنيات التتبع عبر ملامح الوجه ثم طريقة المشي، ونمط الصوت، تكون الصين قد وضعت يدها على مفاصل الطبيعة البشرية الرئيسة بشكل شبه كامل، في أعلى مستوى للتأثير على الأفراد عرَفته البشرية تقريبا.

التعرف على الوجوه:

13/ نظام المراقبة الصيني المرتكز على تقنية التعرف على الوجوه، والذي دخل الخدمة في منتصف العام الحالي في 16 مقاطعة ومدينة، والمكون من ملايين الكاميرات وبلايين الأسطر من الأكواد، يستطيع نظريا إجراء مسح شامل لكل التعداد السكاني الصيني “1.38 مليار نسمة” في ثانية واحدة، وهو معدل مذهل بالمقاييس التكنولوجية الحالية.

مصدر الجزيرة نت
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!