fbpx

ثقافة الحروب… اللامبالاة وتبلّد المشاعر

إلى أي مدى يمكن أن تقوم الحرب بقتل الخوف الطبيعي في الكائن؟ بل الأكثر من ذلك، كيف لها أن تجعل المعلومة الثقافية حول خطورة الزلازل أن تتلاشى أمام حدث جلل مثل ذاك؟!.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

الخوف، الفزع، والقلق، حالات طبيعية تصيب الكائن الحي نتيجة الأخطار المحتملة اتجاه حياته، لكن مع الكائن الإنساني، بوعيه الأكبر من الكائنات الأخرى، فإن التدابير اتجاه هذه الأخطار تأخذ منحنٍ مختلف كلياً؛ فالرد الدفاعي اتجاه تلك الأخطار لا تبقى ضمن آلية فطرية، كالهرب، كما لدى الحيوان، بل تتطور بتداخلها مع التجربة، فكلما كانت تجربة الحياة أقسى وأصعب على الإنسان، يصبح تعاطيه مع الأخطار أقل حدة، وأحياناً لا مبالاة.

في الزلزال الذي ضرب تركيا مؤخراً، ونتج عنه وضع مؤسف من ضحايا وتهديم، وكان الحدث صاعقة على الشعب التركي، كان بالمقابل، بالنسبة للشعب السوري الذي يعيش في تركيا، أن مرّ على تجربة الزلزال مرور الكرام، وكأن شيئاً لم يكن.

الموضوع ليس كما أعاده البعض من أن السوريين لم يهتموا بما جرى، بل ببساطة لأن عشر سنوات من الحياة والتسكع والنوم تحت الصواريخ والقذائف لن يثير في داخلهم رعب لثواني من زلزال عابر؛ من شَهِدَ الأشلاء والدم والتفسخ، فلن يتأثر كثيراً بتحرك الأرض يميناً ويساراً.

رغم أنه بالمنطق الطبيعي، الزلازل يمكن أن تُهدّم الأرض كلياً ومن عليها دون تفريق، شعوباً وسلطات، فقراء وأغنياء، وروؤساء وأديان ومؤسسات، كما يُقال (قشة لفة)، وهذا هو الجميل في غضب الطبيعة، ليس لديها احترام لأي سلطة اجتماعية تافهة، فالرئيس والمجرم كلاهما أموات أثناء غضب الطبيعة، مع أنه لا فرق بينهما بتاتاً في السياق الأخلاقي العام.

بالعودة إلى ردّ الفعل الشعبي أثناء الزلزال بين نموذجين، شعب لم يختبر الحرب، وآخر عايش الحرب، يظهر فرق ضخم جداً في المشاعر المعبّرة وتعاطي الوعي مع الحدث.

السوريون بشكل عام لم يكترثوا كثيراً بما سينتج عن الزلزال، حتى أن أحدهم قال: “في سوريا، سقط سقف المنزل ثلاث مرات لثلاث بيوت انتقلت إليها، ولم نَمُتْ، فهل ثواني لزلزال سيقتلنا!، وإن فعل فليس بالأمر المهم”.

للحرب ثقافة خاصة لن يفهمها أحد سوى من عاشها، معيارها اللاواعي من لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد وفي رواية أخرى والداء واحد. ثقافة تطورت إلى حيز هائل من اللامعنى لفكرة وجود البشر وإدراك ما يحيط بهم.

هذه الحصانة النفسية، القدرية، تحدد وعي جديد من طريقة النظر للحياة. الشجاعة المتولدة عن تفاهة الزلزال مقارنة بالخراب الأسطوري الذي عايشه هذا الشعب. حالة من الرعب الأقل إذا ما قورِنت بآخرين لم يعايشوا الحرب، كالمواطنين الأتراك، الذين خرجوا من منازلهم نحو الشوارع وظلوا جالسين في الأماكن الفسيحة العامة حتى الصباح خشية الارتدادات الناتجة عن الزلزال، بينما السوريين بجزء ضخم لم يغادروا المنازل أصلاً.

إلى أي مدى يمكن أن تقوم الحرب بقتل الخوف الطبيعي في الكائن؟ بل الأكثر من ذلك، كيف لها أن تجعل المعلومة الثقافية حول خطورة الزلازل أن تتلاشى أمام حدث جلل مثل ذاك؟!.

إن موقف السوريين من زلزال تركيا، يحدد بشكل كبير آلية الفهم الجديد إزاء الحياة، حالة وعي متضخم أصبحت مدركة بعمق لتفاهة العالم الخارجي الذي يعمل ما استطاع لتحقيق مصالحه على حساب أي شيء حتى على حساب خطاباته الإنسانية الواهية. هذا الوعي قد يصنفه البعض من دعاة الباحثين النفسيين على أنه شعور بالعجز والاكتئاب؛ لكن هل فعلياً عدم الاكتراث هو اكتئاب أم إدراك لحقيقة العالم؟.

الحروب فعلياً تقدّم رؤية واضحة لطبيعة العالم، ولطبيعة التكالب السياسي على الشعوب، هذا التكالب ببساطة لن يدركه من لم يعش حرباً، وهنا نتحدث عن الناس الطبيعيين، الذين لا يهتمون بشيء، لكن شعوب الحروب، بكل فئاتهم، يدركون عميقاً ما يجري حولهم، وبالتالي نستطيع أن نفهم بأن الشعوب التي لا تعيش حرباً، هي الأكثر قدرة على عدم إدراك المجال الخارجي عن ذواتها، ما يهمهم، حياتهم الشخصية ومصالحهم المتضررة، وبالتالي أي تجربة تزلزل حالة الهدوء هي كارثية بالنسبة لهم، لأن إدراكهم منحصر في آلية الحياة الثمينة واليومية والاكتسابية، والتي تفرز عواطف كالخوف والقلق والفزع من الخسارة، أما شعوب الحروب فهي لا تملك لتخسر وبالتالي فهي أكثر بلادة من حيث عواطفها وأكثر ديناميكية في التعامل مع الواقع من حيث وعيها، وإن تجسّد هذا الوعي باللاكتراث إزاء كثير من المواضيع.

بالنسبة لشعب الحرب، سقطت لديهم مفاهيم الوطن والقومية والعلمانية وحتى الدين. استمرار الحرب يعني سقوط الخطابات ومن يمثلونها بكل مؤسساتهم وأحزابهم وعوالمهم. إنهم فعلياً لا يكترثون وإن كان هناك من يحاول الاستمرار بترويضهم.

للحرب ثقافة خاصة لن يفهمها أحد سوى من عاشها، معيارها اللاواعي “من لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد” وفي رواية أخرى “والداء واحد”. ثقافة تطورت إلى حيز هائل من اللامعنى لفكرة وجود البشر وإدراك ما يحيط بهم.

قد يبدو الأمر بالنسبة للعالم الخارجي، حول شعب لا مبالي بنسبة كبيرة، هو تشوّه في البنية الذاتية والثقافية والوعي والعواطف، وهو أمر سيء، لكنه بطريقة ما أيضاً يحمل بُعداً إيجابياً، يحمل ديناميكية الابتكار والتأقلم والتطور الأسرع من أي شعب يعمل في عالمه الخاص ذو المنفعة المنغلقة. شعوب الحروب بشكل عام، تخلق بُعدها الفرداني في التطور والتخلي عن مفهوم التكتل المؤسساتي ذو الهرمية الاستعبادية. فعلياً كلما طالت الحرب، غرّد البشر أكثر خارج السرب، وبالتالي كلما طالت الحرب أصبح ترويض هؤلاء المغردين في كل اتجاه أصعب ومستحيل.

بالنسبة لشعب الحرب، سقطت لديهم مفاهيم الوطن والقومية والعلمانية وحتى الدين. استمرار الحرب يعني سقوط الخطابات ومن يمثلونها بكل مؤسساتهم وأحزابهم وعوالمهم. إنهم فعلياً لا يكترثون وإن كان هناك من يحاول الاستمرار بترويضهم.

الحرب تعني إدراك أكبر وعواطف أقل، ولا أعتقد أن هناك سلطة في العالم تريد لشعب إدراكاً أوسع وعواطفاً أقل، السلطات ما زالت مستمرة في طغيانها لأنّ شعوبها تمتلك عواطفاً أكبر وإدراكاً أقل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!