عمر حمدي.. ثمرة اللون الكردي

شُبهت أعمال مالفا/ عمر حمدي بأعمال رامبرانت، لذلك الضوء الذي يسكبه من روحه على بياض اللوحة، لذلك شكل حالةً فنيةً متميزةً خلاقة، انطفأت في لحظةٍ خاطفة.

0
الأيام السورية؛حنان معمو

ولِدَ الفنان التشكيلي عمر حمدي (مالفا) عام 1951، في قرية تل نايف بريف الحسكة في الشمال الشرقي من سورية. بدأت موهبته بالرسم في سنٍّ مبكرة.

في حواره مع الصحفي مارتن شغاب يتحدث (مالفا) عن ولادته في بيت طينيّ، سقفه من الخشب، مؤلفٌ من غرفةٍ واحدةٍ مقسّمةٍ إلى قسمين، واحدةٌ للغنم، والأخرى ينامون فيها.

الولادة والنشأة بين تل نايف وعامودا

ولد عمر في ليلةٍ شتائيةٍ باردةٍ، وفي غياب والده في الجيش، ووجود جده وجدته وعمته التي كانت تنتظر عودة الأب للتخلّص من عائلته، في قريةٍ كانت مؤلفةً من عدة بيوتٍ متباعدةٍ يعمل معظمهم في زراعة القمح أو الغنم أو التهريب. وقد توفي العديد من سكان القرية أثناء التهريب على الحدود، إضافةً إلى شحِّ المياه، ما دفع معظم سكانها إلى هجرة القرية إلى (عامودا)، أو (تل حجر) حيث ذابت تلك البيوت بما فيهم منزل الفنان ولم يعد له وجود.

قضى الفنان طفولته حافياً يرتدي ما تخيطه له أمه من ملابس، يلعبُ مع العقارب والأغنام، ولم يرَ والده إلا بعد سنوات، فكان يقول لجده (بابا)، إلى أن عاد والده من الجيش، وانتقلوا إلى قرية (أم حجر). فراشٌ ولحافٌ وأغنام، هذا كل ما كان يملكه والده، فكان يعمل صيفاً في الحصاد، وباع الأغنام وبنى بثمنها بيتاً من الإسمنت وبقي يعمل برعي الغنم، وقد كانت أمه حزينةً دائماً هناك، ولم يكن والده يتحدث إليها، إلى أن جاء الشتاء فتزوج من بنت الجيران، وكان عمر يبكي دائماً كلما ضرب والده والدته بسبب زوجته الجديدة.

أحضر والده لوحاً أسود وطباشير بيضاء، وبدأ بتعليم عمر وإخوته الكتابة والقراءة، وقد كان هذا سبباً جديداً لمعاقبة عمر، لأنه كان يرسم على اللوح، وما إن يراه أبوه حتى يبدأ بمعاقبته بضربه من جديد، فقد كان قاسياً عليه.

إلى أن بنوا لهم غرفةً طينيةً كانت هي مدرستهم، ومقاعدها من علب الحلاوة الكبيرة، أو التمر، ولوح وطباشير، وكان الأطفال يخرجون للّعب بكرةٍ قماشيةٍ، أما عمر فكان يرسم على اللوح، أو يكتب بخطٍ جميل، وقد تعلم الخط من خوفه الشديد من معاقبة والده له إذا لم يكن خطه جميلاً.

رفضوا إعطائي لوحةً رسمتها لأمي وهي تعجن

إلى أن أصبح في الإعدادية، وانتقل إلى مدرسة المدينة، يذهب اليها سيراً على الأقدام كل يوم، ويعمل بعد الدوام ببيع الكعك أو البوظة، ولم يكن يهتم لدروسه، بل كان يحب الرسم فقط، فيقول له والده: “لن تكون إلّا حمالاً”. ويقول عمر حمدي: “أعتقد أن والدي كان على حق، فقد كنت أحمل لوحاتي وأدواتي من مكانٍ إلى آخر، وبعد أن أنهيت دراستي الإعدادية لم يكن لدي خيارٌ إلا أن أدرس (تأهيل التعليم)، لأنها تقدم راتباً صغيراً يساعد راتب والدي الصغير، وكانت المدرسة تحتفظ باللوحات، وقد طلبت منهم إعطائي لوحةً رسمتها لأمي وهي تعجن ويدها مكسورةٌ من ضرب والدي، ولكنهم رفضوا.

العمل في السينما كخطاطٍ ورسام

بدأت بالعمل في السينما كخطاطٍ ورسامٍ وبائع تذاكر. استطعت تعلّم الرسم على المساحات الكبيرة من عملي كرسام في السينما، وكنت أرسم بأي شيءٍ يقع تحت يدي، من خيشٍ وشفراتٍ يحضرها لي أخي، وأشتري بكل ما أملك ألواناً. أرسم الفلّاحات بثيابهن الملونة، ورسمت مجموعة (مالفا) من رواية (أرض الأم) لتشيخوف، ورميتها في البئر خوفاً من والدي.

معرض دمشق وحرق اللوحات

لقد كان حلمه دائماً أن يقيم معرضاً في دمشق، وبدأ بالتحضير له بكل ما يملك من مالٍ وطاقة، رسم مجموعة الحصاد المؤلّفة من 35 لوحةً، وباع دراجته الهوائية، وبدأ رحلته إلى دمشق حيث حلمه، وقابل مدير المركز المركز الثقافي بأبي رمانة، وطلب منه أن يقيم معرضه هناك بدون حجزٍ مسبق، فطلب منه مدير المركز أن ينتظر حتى تجتمع اللجنة وتقيّم الأعمال، وتَقرَّرت إقامة المعرض في فترةٍ شاغرةٍ بين معرضين، وأقيم المعرض بحضور عددٍ من الفنانين (غازي الخالدي) و(ممدوح قشلان) و(يوسف عبدلكي) ووزير الثقافة آنذاك، ولم يستطع بيع أية لوحةٍ، وبدأ التفكير بأمه وأبيه، وقرر حرق لوحاته، فأخذها إلى مكانٍ خالٍ وبدأ بحرقها، ورأى كيف تحترق الوجوه التي رسمها، ولم يستطع الرسم إلّا بعد مرور وقتٍ طويل.

معرض حلب والتعرف على زوجته

أقام معرضاً في متحف حلب، حيث تعرّف على زوجته جانيت كوركيس، التي سافرت إلى بيروت، وبدأت الحرب الأهلية في بيروت، وبقيت عالقةً هناك، إلى أن سافر مالفا إلى بيروت تحت الحصار، وغادر بيروت مع زوجته بجواز سفرٍ مزوّرٍ إلى النمسا، حيث استقر إلى أن توفي هناك.

يقول عمر حمدي: “أنا الكل والكل أنا”، كما يقول: “خمسون عاماً من التفرّغ وأنا أحمل في داخلي قصة شغب، قصة بحثٍ عن سرّ اللون، وقدسية التفاصيل، في زمنٍ يحكمه النفاق بدلاً من العدالة، أحمل ملامح أطفالي، وذاكرة جسدي في جوازٍ مزوّرٍ من مكانٍ لآخر. في هذا العالم لم أملك سوى المنفى في لوحتي، أو وطناً يرسم مكان موتي، خمسون سنةً وأنا ما زلت هذا المتأمّل الفاحش بصمت، لجنس الانسان والشجر والصخر. أكتب رسائلي إلى ساحات القتل وأقبية الاستبداد، أجلس بجانب امرأةٍ تشبه الشمس وأنتظر”، فيينا 2011.

علاقته مع اللون

وعن علاقته الحميمة مع اللون، يقول: “اللون …اللون… كلّ شيء هو لون … يولد مع فتحة العين وينتهي في المكان الذي ولدت فيه، كانت الفراغات اللونية كبيرة، تتحرك مع غبارها رقع لون صغيرة من ثياب وسجاد ولحف، وكأنها إيحاءات لصدى قديم، نخشى على غيابها..‏ إلا أنّ اللون يبقى حتى اليوم كلما بدأت أواجه المساحة البيضاء، متاهة كبيرة، متاهة الخبرة والإضافات الجديدة، شيء غير قابل للانتهاء، لا شيء ينتهي، كذلك اللون، هذا السر الأبدي للحياة، سرّ لا يمكن الوصول إليه بدون أن تمنحه كل ما عندك.. وابعد من ذلك أمام هذا الضياع الكبير وتلك المرحلة المعقدة في حياتي، كنت وحيداً مثل اليوم.. اعشق الطبيعة لأنها الحياة، والتفاصيل واللون والمعجزة والأساس لكل التطورات التي حصلت في تاريخ الفنون الإنسانية.‏

أما عن التحولات من اتجاه إلى آخر، فأنا أتحول في كل لحظة.. للضرورات التي ذكرتها، ولا أعمل كتجريدي أو خليط تجارب فنية، وإنما اكتشف هذا السر في الفنان عبر تجربة حياتية طويلة وشاقة عبر كل الولادات القسرية مع اللوحة الجديدة، أن تكون في النهاية بلا هوية، أفضل بكثير من هوية غير قابلة للاستمرار أو للحياة، لأن الفن هو ذلك البحر الكبير وأنا المغامر بالدخول، لأتعلم السباحة”..

قالوا عن شاعر اللون الكردي

يقول طلال معلّا في صحيفة العربي الجديد: “حاول مالفا على مدى تجربته، وطوال رحلته بين الأبيض والأسود كموقعين مفهومين للنور والعتمة؛ أن يؤكد أن أسلافه في الفن حققوا فعلاً الوجود الذي أوصل إليه، وأن الانقلاب على المعهود في فهم اللون واستخدامه من أساسيات التجربة الإبداعية في أي مكان وأي زمان، وأن الملموس الذي نراه في اللوحة لا ينطلق من أي أمر أكثر من انطلاقه من وعي الفنان بالعالم”.

أما الفنان خليل عبد القادر وفي حوار مع جريدة القدس العربي، قال: “فرش عمـــر حمدي من ضوء الشرق عالمه الفنّي بطابع سحري وبأنامل مترفة بأوراق النعناع، ذرف من الدمــــع على سطوح لوحاته التي أضافـــت دماءً جديدة على الانطباعية، وبقدرة هائلة على التعبير. يتسرب الضوء إلى أجزاء لوحته كاشفاً بذلك عن عري أحزانه في ضباب أوروبا”.

والروائي خليل صويلح كتب في صحيفة الأخبار اللبنانية: “لعلّ مغامرة «مالفا» الأساسية، تتجلّى في البساطة الخادعة، وهو يُنشئ منجمه اللوني بضربات ريشة نزقة، تُطيح الطبقة الأولى للوحة، بعد تأسيسها واقعياً. يضفي ذلك على اللوحة أسلوبية مختلفة، تضع المتلقي في حيرة، وتشتته أمام هذه الكتل المتراصة التي تشبه لقطات سينمائية مختزنة في ذاكرة الفنان… وعلى المتلقي تفكيك هذه التكوينات وإعادتها إلى جذورها الأولى، انطلاقاً من ذاكرة موازية. غاب شاعر اللون الكردي، وبقيت أعماله موزّعة على جدران معظم متاحف العالم”.

ورأى الفنان التشكيلي أنور رحبي أن عمر حمدي يعتبر أحد المصورين الواقعيين التعبيريين الذين شكلوا مساحة في التشكيل السوري لأهمية الرسم عنده وبالتالي الموضوع حاملا الكثير من عادات مدينته الحسكة وتقاليدها وشمسها إلى المدن الأوروبية.

مؤلفات ومعلومات

شُبهت أعمال عمر حمدي بأعمال رامبرانت، لذلك الضوء الذي يسكبه من روحه على بياض اللوحة، لذلك شكل حالةً فنيةً متميزةً خلاقة، انطفأت في لحظةٍ خاطفة.

حياته مكرسة للعمل الفني بشكل كامل.

كتب في النقد الفني وله محاولات شعرية. من مؤلفاته: الحياة واللون 1976، الفن العالمي 1994، قاموس عالم النقد الفني 1999.

صدرت العديد من المطبوعات والكتب المصورة عن أعماله.

تم طباعة العديد من اعماله في بطاقات بريدية وملصقات من قبل عدة دور النشر ويجري توزيعها في العديد من البلدان حول العالم.

وهو عضو في الاتحاد العام للفنانين النمساويين واليونسكو. وكذلك عضو في الكونستيلر هاوس في فيينا. ويترأس لجنة التحكيم في غاليري آرت فوروم للفن الدولي المعاصر بفيينا، النمسا.
أعماله مقتناة من قبل تجار الفن في العالم، وصالات العرض، ومتاحف وبنوك ووزارات ثقافة كما يوجد هناك عدد كبير من المقتنيات الخاصة في سورية، أمريكا، كندا، النمسا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، هولندا، اليابان، سيريلانكا، وروسيا.

مصدر حوار بين (مالفا) وبين مارتين شغاب في مجلة فن التصوير
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!