غسان الجباعي في رواية المطخ.. طالما هناك استبداد سيكون هناك ظلم وقمع

الرواية صرخة في مواجهة الظالم، وتأكيد على مشروعية واستمرارية بحث الناس ونضالهم من أجل الكرامة والحرية والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل.
الآن وفي كل زمان ومكان.

0

الكاتب: غسان الجباعي.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع/ط١، ٢٠١٨م، ورقية.

رواية المطخ هي العمل الأول الذي نقرأه له، والمطخ يعني أرض منخفضة محفورة في الصخور تكوّن مجمعا للماء منذ أيام الرومان في منطقة حوران السورية، يستفيد منه الناس بالسقاية والشرب ويعتبر خزان مياه لهم، لتلبية كل حاجاتهم على طول العام.

الرواية مكتوبة بطريقة أقرب للخواطر المتتابعة للشخصية الأساسية فيها أكرم أو يحيى، وهي أقرب إلى لقطات سينمائية منها لتكون تتابع أحداث، تقفز في الزمان، تتابع حياة الأجداد في بلدة محددة في حوران، في ذات الوقت الذي تتحدث به عن المعاش المباشر والواقعي.

حيث بطل الرواية وصديقه يعيشان في دمشق الأول مخرج سينمائي وتلفزيوني شهير، والثاني فنان تشكيلي كتب رواية المطخ والآخر حولها إلى عمل تلفزيوني درامي، الاثنان يتابعان تفاعلهم من خلال تقصي الحدث الروائي والدرامي واختلاف النصين وتناقضهما أغلب الأحيان، كما يتابعان كونهما جزء من الحدث السوري الأبرز في هذه السنوات، إنه الثورة السورية، الشعب الذي خرج يطالب بالكرامة والحرية والعدالة والديمقراطية والحياة الافضل، والنظام الذي واجه الشعب ومطالبه بالقوة العمياء، إن خلفية الحدث الروائي هو قتل المتظاهرين، تدمير مدن وبلدات وتهجير أهلها، يصل إلى دمشق بعض القذائف وتسمع بأركانها أصوات القصف على البلدات المجاورة، المعضمية وداريا ودوما.. وهكذا كل سورية.

تتحدث الرواية بصيغة المتكلم، هي بوح دائم من بطلها عما عاش وما يعيش، البداية من مقارنة بطلها أكرم لنفسه مع صديقه منذ الطفولة، فهما من حوران، من ذات البلدة، عاشا طفولتهما مع بعض ودرسا حتى المرحلة الثانوية سويا، أكرم سليل عائلة فلاحية كانت تعمل في أرض الإقطاعي منذ سنين بعيدة، أما صديقه الذي لقبه (أ/ش) أو أمير الشامخ، فهو سليل العائلة الإقطاعي.

في الرواية خلط مدروس يجعل القارئ يتابع بشغف مستويات الحدث بتاريخيته، وتتابعه ومآلاته.

أمير درس في الاتحاد السوفييتي وعاد يحمل شهادة الدكتوراه في الإخراج السينمائي، أما أكرم فقد درس الفن التشكيلي أيضا في الاتحاد السوفييتي. عاد الصديقان إلى سورية، أمير أصبح مخرجا سينمائيا وتلفزيونيا مشهورا وناجحا، أما أكرم فلم ينجح في أعماله التشكيلية، بادر بكتابة رواية المطخ تأريخا لحياة بلدتهما المشتركة، أعطاها لصديقه أمير لعله يحولها لعمل تلفزيوني درامي، تلقف أمير الرواية وقرر أن يحولها إلى مسلسل درامي، أراد ان يستثمرها كمسلسل بدوي في زمن أصبحت المسلسلات البدوية المفرغة من المضمون هي السائدة.

اجتمع الصديقان في قبو تحت سينما في دمشق يتابعان تحويل الرواية إلى مسلسل، وهكذا نعود إلى طفولة أمير وأكرم ونغوص عميقا في أصول القرية التي ينتميان لها، وعمق الظلم الاجتماعي الذي كان يعيشه الفلاحين تحت سلطة الإقطاعيين وأعوانهم، كانوا اسوأ من عبيد، محكومون بالعمل بأرضه، وبقبول تسلطه وتجبّره عليهم، كانت النساء مستباحات للإقطاعي كيفما شاء ومتى شاء، ومن يتمرد على سلطة الاقطاعي كان يعاقب ويتحول لعبرة تجعل الفلاحين لا يغامرون بالتمرد.

كانت حياتهم مربوطة بالعمل عنده وبالرضى عنهم، كانت المياه تحت سلطته وملكيته، خاصة بعدما حولها عبر أنابيب قام الفلاحون بتمديدها لتكون له، ويعطيهم منها حسب مزاجه ومصلحته.

الرواية ممتلئة بحكايا الظلم المحيق بالناس، الفتاة غزالة التي اغتصبها ابن الإقطاعي ثم جعلها في حالة حمل، وهرب إلى المدينة، ليعود بعد سنوات الاستقلال ضابطا بعربته العسكرية وبصحبة دبابة كواحد من ضباط انقلاب آذار ١٩٦٣م الذي سيحوّل هو ورفاقه سورية كلها لمزرعة خاصة لهم يعيدون سيرة اهله واجداده الاقطاعيين على الشعب السوري كله.

أما غزالة فيذبحها أخوها بأمر من الإقطاعي، على أنها فرطت بشرفها مع أحدهم، للتخلص منها ومن حملها من زناها مع ابن الإقطاعي… وغيرها كثير.

الرواية تعطي الانطباع بمهنية كاتبها وتمكنه منها، وبالتالي تصلنا، وهي مكتملة الصنعة وطازجة ومحبوبة.

الفلاح فضل الله الثور جد أكرم الذي يكون اسمه بالرواية يحيى على اسم جده الاخر، سيكون قويا إلى درجة يصرع فيها الثور، وقد كان اختصاصه مواجهة الثيران الثائرة. لم تسلم نساء الفلاحين من الابتزاز الجنسي وخدمة الاقطاعي، الذي يسمي نفسه الأمير بما فيهم زوجة يحيى الثور.

الإقطاعي يتماهى ومنذ مئات السنين مع السلطة التي تحكم المنطقة منذ ما قبل المماليك للآن، فهم زلم السلطة وسوطها على الفلاحين.

أمير انتهازي بالوراثة حمل أفكار البعث وأصبح واحدا من أنصار النظام السوري ابتعث إلى الاتحاد السوفييتي لكونه بعثيا، أما أكرم أو يحيى فقد تأثر بالأفكار اليسارية وأصبح معارضا للنظام. وعندما أصبحا في الاتحاد السوفييتي استمر أمير في انتهازيته، تحول إلى زير نساء وعمل هناك مرجعا للسوريين ومرشدا لهم، عاد دكتورا كبيرا.

بينما عاش يحيى حياة عادية وأحب ناديا الفتاة الروسية التي حاول أمير اغتصابها وتزوجها بعد ذلك، وعاد معها إلى سورية، لكنهم لم يستمرا بالعيش سوية لأن يحيى اعتقل لفترة طويلة وهي غادرت إلى بلادها.

عاد الصديقان إلى سورية، الأول دكتور واستفاد من كونه بعثيا ومع السلطة وأصبح مشهورا وناجحا، أما يحيى فقد اعتقلته السلطة وقلبت حياته رأسا على عقب.

تابع أمير ويحيى المقارنة بين نص الرواية التي كتبها يحيى والمسلسل الذي استخرجه منه أمير، وكيف أعاد أمير رسم الحياة بمسلسله، مغيرا كل حقائق الحياة، حيث حاولت الرواية أن تتحدث عن قريتهما المشتركة وحياة أهلها في عقود سابقة، الإقطاعي من آل الشامخ الظالم وسلالته وعائلته، تحول ليكون بعد وفاته إلى قائد وطني تحضر السلطة في جنازته، رغم كونه كان من أعوان المستعمرين الفرنسيين، ثم من أعوان النظام ثم خُلّد بطلا، أما المجاهدين الحقيقيين ضد المستعمر الفرنسي فقد تم تجاهلهم والتعمية عليهم، إلا ما ندر.

لا ينسى يحيى أن يذكرنا كل الوقت في روايته عن خلفية الحدث الروائي بأننا في سورية الآن وهنا، سورية التي تقوم فيها ثورة، ويواجهها النظام المستبد بشكل وحشي وفي كل بقاع الأرض، يحاول الكاتب أن يربط ماضي البلاد في المرحلة الإقطاعية بما بعدها عصر الانقلابات ومن ثم انقلاب حافظ الأسد وتحول سورية لجمهورية للرعب والانتهازية والفساد والاستغلال.

وكأن سورية تلك هي امتداد لسورية ما قبل الاستعمار وما بعده، ظلم مستمر ومستدام، مع تغير فقط بشكل حضور هذا الظلم، وتغير في حدته، فالنظام الان يقصف بالطائرات والبراميل المتفجرة، ويدمر مدنا ويقتل مئات الالاف ويهجر الملايين، والوضع على الأرض من سيء للأسوأ.

رواية تريد القول إن الظلم واحد في بلادنا وعريق وقديم، وأنه وحشي في سلوكه واعماله، وأن مواجهته قديما كانت حاضرة، وأن الظلم ما زال حاضرا بصيغته الاجتماعية والأهم ممثلا في السلطة الاستبدادية.

تنتهي الرواية عندما ينتهي عرض أمير لنماذج من حلقات مسلسله، وأن هناك تناقض جوهري بين الرواية والمسلسل، بل هناك خيانة للحقيقة والتاريخ، مع ذلك يقبل يحيى بالمسلسل لأنه بحاجة ماسة للمال الذي سيأخذه من حقوقه كمؤلف للنص، لكنه لن يسعد بذلك، لأنه سيذهب إلى بيته في دمشق بعد تعب، تجاوز الحواجز والحضور الامني الطاغي، ليصل إلى البيت، ويجد مجموعة مسلحة ملثمة تنتظره، تعتقله تغطي رأسه بكيس وتأخذه إلى مصير مجهول.

هنا تنتهي الرواية.
وفي تحليلها نقول:

أعترف ان الرواية ممتلئة بالأحداث وأن تتبعها كلها شبه مستحيل، وكلها مهمة، فالرواية مكتوبة على شكل طبقات من الأحداث في تاريخ مخلوط؛ الحدث السوري والرواية والمسلسل والقرية والناس والبعد الإنساني لكل شخص، لكل انسان حضور، من حب؟، ومن ظلم؟، ومن قتل؟، ومن اغتصب؟، ومن اغتصبت؟، ومن تجمع ليثور من أجل حقه بماء الشرب؟، ومن قُتل دون ذلك؟، من ثار على المستعمر ولم يعرف؟، من استفاد من ذلك وكان عونا للمستعمر؟، من الانتهازي وبائع الحقائق وخائنها لمصلحته الشخصية ؟، من يدمر سورية الآن؟،ومن يقتل شعبها؟. كل ذلك حاضر في الرواية.

في الرواية استفادة من تقنية السينما حيث اللقطة في مكان وزمان ثم الانتقال إلى مكان وزمان آخر.

في الرواية خلط مدروس يجعل القارئ يتابع بشغف مستويات الحدث بتاريخيته، وتتابعه ومآلاته.

الرواية تعطي الانطباع بمهنية كاتبها وتمكنه منها، وبالتالي تصلنا، وهي مكتملة الصنعة وطازجة ومحبوبة.

أخيرا: إننا أمام رواية تريد القول إن الظلم واحد في بلادنا وعريق وقديم، وأنه وحشي في سلوكه واعماله، وأن مواجهته قديما كانت حاضرة، وأن الظلم ما زال حاضرا بصيغته الاجتماعية والأهم ممثلا في السلطة الاستبدادية المجرمة، التي تجاوزت في إجرامها كل الحدود، الحياة مستباحة والبلاد مدمرة والبشر يهربون بالملايين ناجين بأرواحهم.

الرواية صرخة في مواجهة الظالم، وتأكيد على مشروعية واستمرارية بحث الناس ونضالهم من أجل الكرامة والحرية والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل.
الآن وفي كل زمان ومكان.


غسان الجباعي، روائي وكاتب درامي ومخرج مسرحي سوري، ينتمي للثورة السورية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!