الموتيف الثقافي.. التكرار السطحي للتجربة البشرية

هذا ما يمكن لنا إطلاق لفظ موتيف عليه، إنه الشكل السطحي للسرد الذي يخفي في طياته فلسفية روميو ونزعات جولييت الإنسانية وأقوال الشخوص ورؤاهم في الحياة الذي هو جوهر النص وإبداعيته.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في عام 1932 استخدم عالم الفولكلور الأمريكي ستيف طومسون مصطلح الموتيف Motif لأول مرة في محاولة لفهم السرد في الحكايات الشعبية وتصنيفها التقني، لكن هذا الاستخدام لم يبق أسير الدراسة النقدية للأدب الشعبي؛ فمنذ ظهوره بدأت موجة تحليلية جديدة للنص، وامتدت أبعد من ذلك لتشمل مسائل تتعاطى مع آليات التفكير الثقافي العام، ورؤية لفهم التجربة العقلية لدى الإنسان.

يمكننا تلخيص الموتيف، على أنه شكل من التكرار السردي لسطح الصورة الأدبية، دون المساس بالجوهر الفلسفي للنص المطروح، أو ما يمكن اشتقاقه من الحوادث التاريخية، والتنويع على صورتها بعدة أشكال.

فعندما نتحدث مثلاً عن النصوص الشكسبيرية، من أمثال روميو وجولييت، فنحن أمام تكرار سردي أدبي، يعتمد مبدأ الصراع العاطفي بين عائلتين متنافستين وينتهي الأمر بالرفض والموت. هذه الشكسبيرية ليست وليدة فكر خاص، بل هي مسألة ذات طبيعة تاريخية، نشاهدها في الكثير من النصوص القديمة والحديثة.

الحب الذي لا يؤدي إلى النتيجة الطبيعية من الارتباط بحسب المنهج الاجتماعي، وتصارعية العائلة الأيديولوجية، الطبقية والسياسية، وتأثير ذلك على السياق الفردي للشخوص. هذا ما يمكن لنا إطلاق لفظ موتيف عليه، إنه الشكل السطحي للسرد الذي يخفي في طياته فلسفية روميو ونزعات جولييت الإنسانية وأقوال الشخوص ورؤاهم في الحياة الذي هو جوهر النص وإبداعيته.

يمكننا تلخيص الموتيف، على أنه شكل من التكرار السردي لسطح الصورة الأدبية، دون المساس بالجوهر الفلسفي للنص المطروح، أو ما يمكن اشتقاقه من الحوادث التاريخية، والتنويع على صورتها بعدة أشكال.

ذات الأمر ينطبق مثلاً عندما يتم تكرار موحد في الكثير من النصوص التي تنوع على موضوع الإنقاذ والخلاص المقدس، كالسلة التي تجري في النهر وفيها طفل تم إنقاذه ليكون المخلص لشعبه، كما جرى في قصة النبي موسى، هذه الموتيفية أيضاً يتم تنويع سردي عليها بعدة أشكال، ليست بالضرورة سلة ونهر، لكنها تحمل جذوراً من آلية تهريب الطفل المقدس وعودته للإنقاذ، دون الدخول في تفاصيل الوصايا الأخلاقية للحدث.

أو موتيف عدم الثقة بالذات وبالآخرين الذي يولّد وحشية بشرية، والذي نراه مثلاً في العلاقات الاجتماعية داخل ألف ليلة وليلة (إن كان بالنسبة لشهريار أو حتى في القصص المتضمنة إياها) والوصول نهائياً لحلول ونهايات سعيدة تجعل الأمور على أفضل حال، بعيداً عن القيمة النصائحية المتضمنة في كل قصة.

هذه الأمثلة القليلة تجعلنا نفهم ضرورة الموتيف في الثقافة التي نمارسها، بل الأكثر من ذلك، تخلق لدينا أريحية قيمة وقياس على الرؤى الأخلاقية في عالمنا، وتجعلنا ندرك أن أحد أشكال الوعي البشري مرتبط كلياً بهذا التكرار، فالموتيف يحمل قيمة أخلاقية دائماً رغم ارتباطه بالسرد الشكلي؛ إن عدم الثقة، صراع الحب، الخيانة، الغيرة، الحسد، مغامرة البطولة، الإنقاذ، جميعها موتيفات رئيسية في الفنون وتحمل قيم أخلاقية منوعة، لكن بالتمعن في جوهرها نكتشف بأنها لا ترتبط مع النص فقط، بل هي جزء أساسي من السلوك البشري الحالم بمعايشتها.

الموتيف يحمل قيمة أخلاقية دائماً رغم ارتباطه بالسرد الشكلي؛ إن عدم الثقة، صراع الحب، الخيانة، الغيرة، الحسد، مغامرة البطولة، الإنقاذ، جميعها موتيفات رئيسية في الفنون وتحمل قيم أخلاقية منوعة

ربما من أشهر هذه الثيمات التكرارية، والتي ليست فقط نصيّة بل سلوكية حياتية، هي الحب. نلاحظ أمر مهم في جميع النصوص الشعرية والقصصية، بأنه دائماً هناك مستوى من العذاب والتضحية من أجل الحياة الهانئة في النهاية. البشر يرغبون ضمناً بمعايشة هذه التراجيديا لإيجاد قيمة تستمر فيما بعد بأنه قد حصل على الحب بعدما كافح من أجله.

في يوم ما عبّرت إحدى الفتيات بجملة: “إن الحصول على الحب بسهولة لا يحقق شرط الاستمرار”. رغم أن التعبير عام وشخصي، لكن يدلل على فهم الموتيف المكرر في الوعي، إن فكرة النضال من أجل الحصول على شيء ما، هو القيمة الجوهرية لوجود الإنسان (على الأقل هذا ما يراه البشر من خلال اعتيادهم أساليب حيواتهم الاجتماعية)، بمعنى ما أرادته الفتاة هو أن يكون هناك جزء من التراجيديا والألم المتمثلة بصورة صراع من أجل تحقيق الهدف.

ليس غريباً وجود ثيمات تكرارية رئيسية في الوعي وتمثيله سلوكاً، باعتبار الفن بما فيه النص هو جزء من وعي جمعي يحيط بالكائنات المفكرة. تلك الموتيفات تحكم وعينا شئنا أم أبيناً، تبحث عن سبل لخلق نفسها واستمراريتها، ونلاحظ ذلك بوضوح من خلال الميلان لمظاهر الانكسار، المظلومية، السعي لتحقيق العدل، الصراع، إنها عمليات من التراجيديا التي تنزع بالإنسان ناحية معالجة فكرة تحقيق الذات.

فالموتيف ليس وليد نص بل هو جزء لا يتجزأ من الحياة البشرية وآلية التجربة التي نحياها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!