رواية الطريق إلى الزعتري تكتب عن قرية في حوران لتوثق أحداث الثورة السورية

الرواية وغيرها مما كتب من أدب وتوثيق سياسي وفكري عن الثورة السورية، سيكون ـ يوما ـ الضوء الذي ينير هذه الحقبة السوداء من تاريخ سوريا الخاص، ويظهر العار الذي يجلل العالم المتفرج على هدر دماء السوريين.

0

الكاتب: محمد فتحي المقداد.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع. الاردن/ط١، نسخة ب د ف ، ٢٠١٨م.

تتحدث الرواية  عن واقع الثورة السوريا من منظور الروائي، تعتمد صيغة الكتابة الإخبارية، هناك راو متوار خلف الشخصيات، يكتب تارة عن الآخرين وما يعيشونه من المتغيرات، ويضع أحيانا بعض الشخصيات في حالة التكلم عن الذات، في خليط بأسلوب الكتابة.

الكاتب لا يلتزم بخط زمني صاعد متواتر في الحدث الروائي، إلا بمقدار محدود، ليخدم السياق الروائي كما يراه، والرواية مكتوبة بطريقة الخطف خلفا، يعني من لحظة ما قريبة من خاتمة الحدث الروائي، التي أصبحت حاضرة في كثير من الأعمال الروائية.

تبدأ الرواية من المحامي خالد ابن قرية من قرى درعا (حوران)، متواجد في إحدى الدول الأوربية، حيث وصل إليها في رحلة اللجوء السوريا، على أثر أحداث ثورتها. خالد المنتمي للثورة، الذي حمل على عاتقه مهمة توثيق أحداثها، منذ البدء في قريته (موج) وامتدادا إلى درعا مهد الثورة السوريا، يخوض في واقع الثورة من البداية حتى رحلة لجوئه.

يقلب خالد الدفتر الذي رصد به وقائع الثورة السوريا، يبدأ من أطفال درعا الذين تأثروا بما نقلته لهم الفضائيات عن حراك ثوري طال تونس ومصر وليبيا وأدت إلى إسقاط أنظمة قمعية استبدادية، كان من المستحيل أن تسقط قبل حراك الربيع العربي الذي بدأ في أوائل عام ٢٠١١.

مما شجع الناس في سوريا على رفع الصوت أمام النظام الاستبدادي السوري، متجاوزة حاجز الخوف نسبيا، كما حصل في سوق الحريقة حيث تحدى مواطن شرطي، وتلاسن آخر مع وزير الداخلية، وأخبره أنه مواطن وإنسان.

لم يسكت الأمن عن كتابة أطفال درعا على جدران مدارسهم، (جاك الدور يا دكتور، أو الشعب يريد إسقاط النظام)، فتم اعتقال الأطفال والتنكيل بهم، ولم يستجب لأهلهم والوجهاء في درعا حول التجاوز عن فعل الأطفال، بل قُتل الاطفال وطرد الأهل بشكل مهين.

أراد النظام أن يوصل رسالة تحذير وتخويف للشباب السوري وللشعب من ورائهم، أنه لن يسمح لأي طرف أن يتحرك في سوريا، مطالبا بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، مذكرا الناس بتاريخ قمع واستبداد وظلم وفساد استمر لعقود منذ عصر الأب حافظ الأسد وابنه بشار بعده.

لكن الشباب الدرعاوي والسوري عموما لم يكن ليقبل بأن يستسلم للقمع وردة فعل النظام اتجاه بداية حراك التظاهر السلمي المطالب بالإصلاحات والديمقراطية، بدأت في درعا وامتدت إلى كل سوريا رويدا رويدا.

تركز الرواية على قرية موج وكيف كانت مشاركتها، بادئة بثلاثة أصدقاء أحمد ومحمد وخالد الذين ترعرعوا في القرية منذ مراحل الدراسة الأولى، أحمد انتهى من دراسته وغادر خارج القرية واستمر بالتواصل مع أصدقائه، محمد استقر في البلدة يعمل فيها، وخالد تابع دراسته الجامعية وأصبح محاميا.

عندما بدأ حراك الشباب في التظاهر، كان الأصدقاء على تواصل، وكانوا منتمين نفسيا وواقعيا لهذا الحراك ولمطالبه الحقه، خالد أصبح جزءً من الحراك منذ اللحظة الأولى، بدأ يتواصل مع المتظاهرين، ويقدم لهم العون والإرشاد.

أما محمد فقد كان متابعا للثورة بترقب وحذر، يعرف أن النظام لا يرحم. كان ابنه يدرس في العاصمة دمشق، ويسكن المدينة الجامعية، كان قلقا عليه، تتوغل الرواية في حياة محمد حيث تعيش أمه المعمرة في كنفه، تتذكر أن أبيها كان من الثوار في مواجهة الفرنسيين وأنه استشهد في الحرب ضدهم، وكذلك زوجها والد محمد الذي استشهد بمواجهة الصهاينة في حرب ١٩٧٣م، وهي دائمة التذكر لهم والرحمة عليهم.

رواية تتحدث عن واقع الثورة السوريا من منظور الروائي، تعتمد صيغة الكتابة الإخبارية، هناك راو متوار خلف الشخصيات، يكتب تارة عن الآخرين وما يعيشونه من المتغيرات، ويضع أحيانا بعض الشخصيات في حالة التكلم عن الذات، في خليط بأسلوب الكتابة.

أما محمد الابن فهو في القرية رجل له حضوره الاجتماعي ويلتقي بشكل دائم بصديقه المحامي خالد ويتبادلان الزيارات والتواصل، وعندما بدأ حراك الثورة أصبح تواصلهما مستمرا، وكانا يبحثان كل مستجد، خالد من موقعه كقائد معنوي للشباب المتظاهر في البلدة ومحمد من خلال حضوره الاجتماعي.

بدأت القرية بالتفاعل مع الثورة التي توسعت على رقعة سوريا كلها، وبدأ الشباب بالتجمع في المسجد الكبير في القرية والخروج بالتظاهر، خاصة أيام الجمة، وكان الأمن يجمع قواته ويواجههم، وسرعان ما استعمل النظام السلاح، وأدى لسقوط الشهداء من الشباب، مما زاد جذوة الثورة واندفاع الشباب.

وعندما منع النظام أي حراك في الجامع الكبير انتقل الشباب إلى جوامع أخرى وبدؤوا ينطلقون منها، لكن النظام لم يستسلم فقد صعد في استعمال السلاح بمواجهة المتظاهرين، وزادت أعداد الشهداء، وبدأ الشباب بالتفكير بحماية التظاهرات، لقد كان للنظام الكثير من المخبرين الذين يقدمون للأمن معلومات كاملة عن التحرك، وبعضها موثق بالفيديوهات والصور، وهذا سيفيد النظام بتحديد قوائم المطلوبين لها من الثوار وقادتهم.

عند اشتداد عنف النظام وقتله للمتظاهرين، بدأت حالات تسلح فردي، سرعان ما توسعت، وكان تشييع الشهداء مبررا لمزيد من تأجيج مشاعر المواجهة مع النظام.

لقد منع محمد وخالد الشباب من مهاجمة المخفر أو مركز السلطة في القرية، خوفا من انتقام النظام من الناس، كان ذلك في البداية، لكن الشباب سرعان ما سيطروا على مرافق الدولة كاملة، بعد أن أصبح عنف النظام فوق قدرة أي أحد عن ردع الثوار المندفعين، وأصبحت القرية محررة من النظام لوقت قليل، حتى استقدم النظام قوات الجيش وحرسه الجمهوري، المنتمي للنظام، وهاجم القرية بقوة نارية عالية، مما دفع أهلها للاستفادة من بعض أزلام النظام لإعادة القرية إلى سلطته، وبالفعل حصل ذلك، وكان لذلك أثر بالغ على الثوار، حيث بدأت حملة اعتقالات واسعة، وبدأ الشباب بالتواري والهرب، وبعضهم بدأ بتشكيل مجموعات مسلّحة من الجيش الحر.

بدأ النظام بتقطيع أطراف البلدة عبر الحواجز، التي تمركزت بأغلب مناطق البلدة الهامة، وصنعت متاريس وبدأت بالتضيق على الناس، توقفهم على الحواجز وتطالبهم بالوثائق الشخصية، اعتقل الكثير وقتل بعض الشباب ميدانيا، كذلك الحال حيث نُصبت حواجز على مداخل البلدة وأصبحت الحياة فيها أقرب للجحيم، فهناك إطلاق نار دائم، وصدامات بين مجموعات الثوار والنظام، وقصف عشوائي مستمر على البيوت مما يجعل الإصابات العشوائية كثيرة.

ما عاد الأطفال يتحملون ما حصل من عنف وأصوات قذائف، الخوف سيطر عليهم وظهرت بوادر منعكسات نفسية تؤرقهم وتصبهم بالمرض.

غادر أخ محمد حيّه إلى بيت محمد حيث القصف والضرب أقل، ثم لم يستطع أن يتحمل أكثر، غادر إلى مخيم الزعتري، التي بنته الأردن داخل أراضيها على الحدود الأردنية السوريا في الصحراء، ليأوي إليه الهاربين من الموت المشرع عليهم من النظام السوري في بلداتهم.

أصبحت القرية شبه خاوية، محمد تحمل العيش في البلدة خاصة أن والدته مريضة ولا تحب مغادرة بلدتها بعد هذا العمر، هذه الأم التي تفتخر بوالدها وزوجها الشهداء، سيوافيها أجلها وهي ترى بلدتها تحت نيران نظام مستبد قاتل.

كما أن مصيبة اخرى أصابت محمد، فقد اعتقل ابنه من المدينة الجامعية في دمشق، فقد توسعت هجمة النظام على كل ناشطي الثورة، اعتقل الشاب واستمر في المعتقل والسجن لأشهر ومن ثم أفرج عنه وعاد إلى القرية.

تحاول الرواية أن تكون سجلّا عن واقع الثورة السوريا وما حصل مع الشعب وما فعله النظام المجرم. صحيح أنها أخذت نموذجا لبلدة في درعا، لكنها تعني كل سوريا وما حصل فيها.

الأب محمد أحس أن الحياة في القرية أصبحت مستحيلة، فهي منطقة حرب ولا يستطيع أن يؤمن أي من أسباب الحياة، أصبحت كل السلع نادرة وغالية، إضافة لوجود احتمال أن يعتقل هو أو ابنه، صحيح أنه استطاع أن يخلق علاقة مع المسؤول الأمني في البلدة، عبر الأعطيات والرشاوى من زيت وغيره، لكن لا يعرف متى يقبض عليه أو على ابنه، أو يقع ضحية استهداف بقذيفة ما أو من خلال إطلاق نار أصبح كثير الحضور وعشوائي.

خاصة وأن النظام قد أبدع صيغة جديدة للسيطرة على أغلب البلدات من خلال تجنيد أغلب المخبرين وأصحاب السوابق الإجرامية وتحويلهم إلى شبيحة يؤذون الناس وينهبون كل ما يصلون إليه، ويثبتون السلطة للنظام، وهؤلاء الشبيحة لم يتركوا وسيلة من الإجرام بحق الشعب دون أن يقوم بها.

لقد دُمرت بلدات مثل دوما وداريا وحوصرت درعا واستبيحت الكثير من البلدات والمحافظات، مئات الآلاف أصبحوا شهداء ومثلهم مصابين ومعاقين، الملايين مشردين.

محمد قرر أن يهرب بعائلته إلى مخيم الزعتري في الأردن، وهكذا كان. أما خالد المحامي فقد أصبح وجها من وجوه الثورة، ويظهر على الفضائيات متحدثا عن واقعها وأفعال النظام، أصبح مستهدفا من قبله، نجا من محاولات اغتيال عدة، توارى وخرج من البلدة إلى الأردن أخيرا، ومنها إلى مصر ونشط هناك متحدثا ومدافعا عن الثورة وشرعيتها، وعن ظلم النظام وحقوق الشعب السوري، ومن ثم غادر إلى إحدى الدول الأوربية، لاجئا ينتظر هو وملايين السوريين أن يعود إلى سوريا بعد سقوط نظام الاستبداد ومحاسبته على إجرامه، مطالبا ببناء سوريا الحرة العادلة الديمقراطية.

هنا تنتهي الرواية.

في تحليلها نقول:

تحاول الرواية أن تكون سجلّا عن واقع الثورة السوريا وما حصل مع الشعب وما فعله النظام المجرم. صحيح أنها أخذت نموذجا لبلدة في درعا، لكنها تعني كل سوريا وما حصل فيها، حاولت أن تمر على أغلب ما حصل في الثورة، لذلك لم تُشبع الموضوع من جانبه المعرفي، وهذه ليست نقطة ضعف، لكن يفضل لو أنها أخبرتنا عن جواب أسئلة مركزية ولو بتكثيف وتركيز واختصار. لماذا قامت الثورة السوريا.؟.

وكذلك كان يجب أن تتعمق قليلا في واقع الثورة السوريا، لا يكفي إدانة العمل المسلح للثوار، يجب تنوير أسباب العمل المسلح، وأين أخطأوا؟، ومن استثمر واقعهم؟، ومن هم الأعداء الذين دعموا النظام؟ من المستفيد مما حصل في سوريا؟. ثم لماذا الصمت عن البنية العسكرية والأمنية والطائفية للنظام؟. وكيف تحولت سوريا كلها إلى مزرعة للنظام؟، وماذا عن عصبة الرئيس وعائلته المقربين؟…. الخ.

أخيرا كل ذلك لا يبخس حق الرواية وأنها أطلّت على واقع الثورة ووثقتها، من زاوية ما.

الرواية وغيرها مما كتب من أدب وتوثيق سياسي وفكري عن الثورة السوريا، سيكون ـ يوما ـ الضوء الذي ينير هذه الحقبة السوداء من تاريخ سوريا الخاص، ويظهر العار الذي يجلل العالم المتفرج على هدر دماء السوريين. وتدمير بلادهم، واستباحة حياتهم، وتشريدهم في كل أركان الدنيا.


محمد فتحي المقداد، روائي سوري، له العديد من الأعمال الأدبية، هذا أول عمل نقرؤه له.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!