“الوطن الأزرق” التي تريده تركيا.. هل هو فكرة أم تاريخ وجغرافيا؟

هل مصطلح “الوطن الأزرق” التي يتردد في تركيا مؤخراً، مجرد فكرة أم واقع يستند إلى التاريخ والجغرافيا؟

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

يرى مراقبون أن الاتفاق الليبي التركي، الذي وقعه الجانبان مؤخرا، حول السيادة البحرية خطوة هامة في استراتيجية “الوطن الأزرق” التي تسعى أنقرة لتحقيقها، كما ينظم موضوع البحث عن الموارد البحرية واستغلالها والمعروفة بـ”المنطقة الاقتصادية الخالصة”، التي لم تعلن عنها أنقرة بعد، والمذكرة بين البلدين تتيح لتركيا التحرك باتجاهها.

وهي اتفاقية زادت بموجبها أنقرة من مناطقها الاقتصادية الخاصة وسواحلها القارية في شرق المتوسط بنسبة 30%، قبل أن تقوم بإصدار خريطة جديدة غير رسمية تُظهِر المناطق الاقتصادية الجديدة لها والتي تم إقرارها بموجب الاتفاقية.

مصطلح “الوطن الأزرق”

إن مصطلح “الوطن الأزرق” تعبير يستند إلى العاطفة الوطنية، ولذلك نراه يحظى بإجماع كافة الأحزاب السياسية في تركيا، وغالبية الرأي العام التركي تنظر بافتخار إلى الوطن الأزرق وتدعم كل محاولات فرض السيادة والردع للقوات المسلحة التركية عليه.

وتركيا، بقدر ما تسعى للحفاظ على البر التركي (الوطن الأحمر)، تسعى لتأمين الوطن الأزرق (الذي يضم البحار الثلاثة المطلة على تركيا). وموقع تركيا البري والمائي يجعلها مرتبطة بكافة القضايا في الأقاليم المحيطة بها.

الوطن الأزرق تاريخ وجغرافيا

1/ يعود اهتمام تركيا بشرق المتوسط إلى ما قبل تأسيس الجمهورية الحديثة بقرون، وتحديدا إلى زمان الدولة العثمانية التي هيمنت على معظم شواطئ البحر كأراضٍ داخلية لها، وقد ورثت الجمهورية التركية الحديثة هذا الاهتمام بالتبعية رغم أنها فقدت الكثير من سواحلها على البحر بعد انهيار الدولة العثمانية وحصول العديد من الولايات العثمانية السابقة على استقلالها.

صاحب فكرة المصطلح

2/ فكرة “الوطن الأزرق” بشكلها الحالي غالبا ما تُنسب إلى الأدميرال “رمضان جيم غوردينيز” الذي طرح الفكرة لأول مرة خلال ندوة في مركز قيادة القوات البحرية التركية في يونيو/حزيران عام 2006، وتضمّنت رؤية لفرض سيادة تركيا على مساحات كبيرة من البحر المتوسط وبحر إيجة والبحر الأسود.

3/ من وجهة نظر “غوردينيز”، فإن تركيا تعرّضت لظلم كبير في تقسيم حدودها البرية أعقاب معاهدة “سيفر” عام 1920 التي قسّمت إرث الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وهي تتعرّض في الوقت الراهن لمعاهدة “سيفر” ثانية في البحر، حيث يسعى خصوم أنقرة في اليونان وقبرص ومؤخرا إسرائيل ومصر لتقليص نفوذ أنقرة البحري وحصره في شريط مائي ضيق حول سواحلها.

4/ تسبّب الصراع القبرصي طويل الأمد في تعزيز اهتمام تركيا بالمتوسط، خاصة أن له أهمية متزايدة بسبب دوره في عمليات نقل النفط وكونه جزءا من صراع النفوذ الأوسع في الشرق الأوسط. وكان هذا الاهتمام بالمتوسط أحد الأسباب التي دفعت تركيا لتقوية علاقاتها مع إسرائيل خلال حقبتَيْ الثمانينيات والتسعينيات.

أردوغان والسراج -مصدر الصورة: الأناضول

تبني أردوغان المفهوم

5/ في 2 (سبتمبر/أيلول) للعام 2019، ظهر الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” ، في احتفال رسمي نظّمته جامعة الدفاع الوطني في إسطنبول وخلفه خريطة غير تقليدية، كُتِب عليها اسم “الوطن الأزرق”، محددة السواحل التي تعتبرها تركيا مِلْكا لها في البحر المتوسط وبحر إيجة، وأظهرت الخريطة “وطن تركيا الأزرق” ممتدا حتى الخط الوسيط لبحر إيجة محاطا بمجموعة من الجزر اليونانية، كما أظهرت سيطرة تركيا على مساحة كبيرة من سواحل شرق المتوسط تمتد إلى الشاطئ الشرقي لجزيرة كريت اليونانية، خامس أكبر الجزر في البحر الاستراتيجي الواصل بين قارات العالم القديم.

6/ في كتابه الشهير “العمق الإستراتيجي” الصادر عام 2001، تحدَّث رئيس الوزراء التركي السابق “أحمد داود أوغلو” عن أهمية السيطرة على البحار بالنسبة لبلاده، مُذكِّرا أن بداية النهاية للإمبراطورية العثمانية كانت بسبب فقدانها السيطرة على البحار.

حضور المصطلح في السياسة الخارجية التركية

7/ لم تحضر فكرة الوطن الأزرق على أجندة السياسة الخارجية التركية إلا في وقت قريب، حيث أثارت اكتشافات الغاز الكبرى في المتوسط خلافات حادة بين بلدان شرق البحر على تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة واقتسام الثروات البحرية، ولما كانت تركيا تعاني من فقر شديد في الطاقة وحاجة ماسة إلى موارد الغاز البحرية الجديدة؛ فإنها شرعت في تعديل استراتيجيتها البحرية واستدعت فكرة “الوطن الأزرق” سعيا لفرض سيطرتها على مساحة تبلغ 462 ألف كيلومتر من الأراضي البحرية في شرق المتوسط وإيجة.

8/ أشار وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” إلى المفهوم خلال احتفالات يوم النصر في 30 أغسطس/آب الماضي، في حين جاءت الإشارة الأخيرة كما ذكرنا من أردوغان نفسه في سبتمبر/أيلول، قبل أن يقوم مُمثِّل تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة في 13 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم بتقديم مطالبات تركيا بالمناطق الاقتصادية الخالصة لها في شرق المتوسط والمتوافقة مع مفهوم “الوطن الأزرق” في رسالة رسمية للمنظمة الأُممية.

رؤية تركيا واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار

9/ تستند تركيا في رؤيتها الخاصة لسواحلها البحرية إلى تفسير غير تقليدي لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي لم تُوقِّع عليها أنقرة حتى اليوم خوفا من أن تفرض قيودا على أنشطتها البحرية أو تجعلها ملتزمة بتفسيرات الدول الموقعة على الاتفاق.

10/ تنص الاتفاقية الأممية، على أنه يحق للدول الساحلية الحصول على 200 ميل بحري من المساحات المقابلة لسواحلها لإقامة منطقة اقتصادية خالصة تتمتع فيها الدولة بجميع الحقوق السيادية السياسية والاقتصادية، وبسبب الشكل المقعر لسواحل البحر المتوسط، فإن هناك تداخلات كبيرة بين المناطق التي يحق لكل دولة مُطلة عليه المطالبة بها، وبالتالي فإن معظم الدول لم يكن بمقدورها إنشاء مناطق اقتصادية خالصة دون ترسيم الحدود مع بقية جيرانها.

11/ تُعارض تركيا أيضا التفسير المعياري لهذه القوانين مدّعية أن الجزر لا يمكن أن يكون لها جرف قاري بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولا تتمتع إلا بمنطقة اقتصادية محدودة بعرض 12 كم فقط.

12/ تحتجّ تركيا بأن منح الجزر سواحل قارية مساوية للدول يمكن أن يحوّل البحر المتوسط إلى بحيرة كبيرة تسيطر عليها اليونان بحكم وجود عدد كبير من الجزر اليونانية المنتشرة في البحر.

13/ تركيا لا تعترف بجمهورية قبرص الجنوبية (اليونانية) كدولة مستقلة، فإنها لا ترى أن من حقها الحصول على مناطق اقتصادية خالصة ما لم تتم تسوية القضية القبرصية، وهي ترى أن معظم المناطق التي تدّعي قبرص أحقيتها فيها تعود إلى القبارصة الأتراك الشماليين المدعومين من تركيا، لذا فإن أنقرة تقوم بتسيير دوريات بحرية وأنشطة مسح واستكشاف في المناطق الخاضعة نظريا للسيطرة القبرصية مؤكدة أنها لن تسمح بأي أنشطة في المناطق البحرية القبرصية قبل تسوية النزاع القبرصي أولا.

مصدر الجزيرة نت وكالات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!