fbpx

البحث عن شيء ما.. بيع الوهم على أنه فضيلة

هل عملية البحث عن الفضيلة ليست سوى نوع من بيع الوهم للناس وللنفس، من أجل ارتقاء الأكثر ذكاءً على رقاب البؤساء؟، وهل الأجدر بالبؤساء أن يدركوا قليلاً سفالة الجميع بمن فيهم الأكثر خطاباً عادلاً، إن كان باسم الدين أم باسم العلمانية؟.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن الفترة التي خضع فيها الوعي البشري لسيطرة الكهنوت، وفي فترة لاحقة لما نسميه سيطرة المعبد على الإنسان ورفع لمكانة رجال الدين المتحكمين بالتشريعات الاجتماعية، حتى عصرنا الحالي، ظهر ما يمكن تسميته بفلسفة الفضيلة التي تطلب من الناس بالدرجة الأولى، الخضوع الكلي لمنطق الأخلاق التابع لرؤيا الإله، وضرورة الالتزام بجميع التشريعات التي تأتي من الله عبر أجساد هؤلاء المتحكمين (رجال الدين) لتصل إلى البشر البسطاء، إن كانت ظاهرة (رؤيوية أم تفقهيّة)، ونفي وإبادة كل من يعارضها. جميع هذه السلوكيات كانت تخضع لفلسفة الفضيلة.

لكن هذا الوعي الديني وتشريعاته الأخلاقية لم يبق حبيس تجربة رجال الدين، بل امتد إلى ثقافة نعايشها يوماً بعد يوم، وتخرج بعدد من التعريفات الحديثة.

هناك الكثير من التعريفات الفلسفية والأخلاقية لمبدأ الفضيلة، على مر التاريخ، لكن يمكننا تعريف الفضيلة من خلال بعض الأمثلة المعاشة على النحو التالي، على الرغم أنها عبارة عن مغالطة وجودية:

فالفضيلة قبل أن تكون سلوكاً، هي عملية وعظ تمد في القدرة على شراء الوهم، وأنه في نهاية النفق يوجد ضوء، فعليك أن تسعى لذلك الضوء.

هذا بالضبط ما فعلته كنائس أوروبا، وما تفعله اليوم دولة دينية مثل إسرائيل، وما يفعله رجال الدين الإسلاميين المتصومعين في جدران معابدهم وهم يبيعون الناس أوهام الضوء النهائي، وهو ما ينتج عنه بشكل طبيعي وتلقائي حركات سياسية وعسكرية متطرفة.

لكن مشكلة الفضيلة لا تكمن في هذا الجانب الديني والتجاري المقيت، بل هو استمرارها لعالم اليوم لدى العقول الأكثر تحرراً.

هذا الوعي الديني وتشريعاته الأخلاقية لم يبق حبيس تجربة رجال الدين، بل امتد إلى ثقافة نعايشها يوماً بعد يوم، وتخرج بعدد من التعريفات الحديثة.

فالضوء هو قبول الآلية الاجتماعية الاقتصادية وحصر الدور الفردي الإنتاجي التناسلي أو المادي كمجتمعات أوروبا، والضوء هو الطريقة المغلوطة لتحقيق المساواة والعدالة بسلطات ديكتاتورية كالاتحاد السوفيتي سابقاً وكوبا وكوريا، والضوء هو الحرية بآلية تنفيذ تقوم على الحراك العسكري وليس الاحتجاج على العمل لهدم منظومة الاقتصاد التي هي جوهر البنية السياسية كما جرى في الشرق الأوسط.

جميع الأمثلة السابقة تحدد منطق الفضيلة في العصر الحالي وإن اختلفت آليته، هو امتداد من الرؤية الدينية للرؤية الليبرالية. الجميع يسعى إلى الضوء في نهاية النفق، على الرغم أن الحصول على ذلك الضوء يمكن أن يتم في اللحظة المعاشة برفض الجميع وإسقاط الجميع، بعدم القبول على الذات أن تكون عبارة عن منهج غبي وآلة للعمل الاستغلالي.

فالإنسان ليس بحاجة لمنهج طويل كي يحقق العدالة والمساواة، إنه يحتاج فقط إدراك بسيط بأن السلطات التي تعيش على جهد البشر (بكافة أشكالها) هي المستفيدة من خلافات الجميع، واقتتالاتهم الأيديولوجية.

الإنسان ليس بحاجة لمنهج طويل كي يحقق العدالة والمساواة، إنه يحتاج فقط إدراك بسيط بأن السلطات التي تعيش على جهد البشر بكافة أشكالها هي المستفيدة من خلافات الجميع، واقتتالاتهم الأيديولوجية.

في مثال رأس السنة من عام 1914، أثناء الحرب العالمية الأولى، خرج الجنود الإنكليز والألمان من خنادقهم على الحدود الألمانية الفرنسية البلجيكية، وتبادلوا هدايا الكريسماس، وأعلنت الهدنة، لكن في رأس السنة التي تليها 1915، صدر أمر من جميع القيادات السلطوية في الدول المذكورة بأن من يخرج من الخندق أو يمارس نوع من التعاطف مع جنود العدو فمصيره الموت. حتى أن بيوم رأس السنة ذاك تحول الليل إلى نهار من قصف المدفعية، ببساطة كانت القيادات لا تريد للجنود أن يشعروا بالتعاطف مع أعدائهم، أرادوهم ضحايا تحت اسم الوطن وأن تحرير الأرض هو في النهاية فضيلة مثلى وضوء في خاتمة الطريق.

هناك فرق جوهري في القناعة بأن ما نقاتل من أجله هو إيمان بضرورة الحياة وليس الخضوع لمنطق الغوغاء التصارعي لسلطات تستفيد من موت البشر لتحقيق غاياتهم السلطوية، بمعنى عملية البحث عن هدف في الحياة ليس لأنه في النهاية هناك فضيلة وضوء، بل لأن ضرورة المساواة بين البشر هو أولوية وجودية.

وهنا نتحدث عن الأكثر تحرراً وليس عن الحالة الدينية أو الأيديولوجيا المنغلقة على نفسها، التي هي بطبيعة الحال هدفها سلطوي، نتحدث عن البشر الذين يحاولون إقناع العالم بأسره بعدالة قضية لكنها قضية قائمة على ارتهان لفكرة مسبقة، أي أنها قائمة على مصلحة السلطة واستبدالها وليس تحقيق عدالة يتساوى فيها البشر.

في النهاية عملية البحث عن الفضيلة ليست سوى نوع من بيع الوهم للناس وللنفس، من أجل ارتقاء الأكثر ذكاءً على رقاب البؤساء، فالأجدر بالبؤساء أن يدركوا قليلاً سفالة الجميع بمن فيهم الأكثر خطاباً عادلاً، إن كان باسم الدين أم باسم العلمانية. فلا فضيلة سوى الذات الأخلاقية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!