fbpx

عبير إسبر في رواية سقوط حر تكشف زيف فكرة النظام وحماية الأقليات

رواية نموذجية تتحدث عن الثورة السورية في إحدى أوجهها، تكشف زيف ادعاءات النظام وحلفائه بأنه يحمي الأقليات والطوائف، وتؤكد أنه صانع التفرقة والطائفية.

0

الكاتبة: عبير إسبر.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: نوفل، هاشيت أنطوان/ ط١، ورقية، ٢٠١٩م.

سقوط حر؛ رواية تعتمد أسلوب الحوار الذاتي، بلغة المتكلم، بطلة الرواية تتحدث عن نفسها، وعما تعيش، كحالة بوح ذاتي. غير ملتزمة بخط زمني معين من الماضي إلى المستقبل مثلا، بل ما يتداعى لنفس البطلة، يطل علينا مسرودا، متنقلة بين الأزمنة والأمكنة دون أي رابط أو ضابط، سوى ما يمور داخلها، طبعا نحن أمام كشف ذاتي يبدو للوهلة الأولى أقرب للهذيان، لكنه يصبح بعد حين صورة واضحة المعالم للبطلة بكل ما عاشت وما تعيش.

تسير الرواية بمنطق النفس الواحد، يعني دون تقطيع أو فصول، هي بوح بين الكاتبة والقارئ، يبدأ بلحظة ما، ويستمر دون أي ضابط من خارج البوح، ويصل لنقطة ينقطع به البوح حيث تسقط البطلة ميتة أو مغمى عليها، أو في حالة هذيان من تأثير المخدرات.

سنجمع أطراف الرواية في هذه القراءة.

تبدأ الرواية من لحظة دخول بطلة الرواية ياسمينا داغر إلى مطار بيروت متوجهة للسفر إلى دبي، وكيف استوقفها أمن المطار، متسائلين ومحققين معها حول وجود مبلغ كبير من المال ٥٠ ألف دولار في حقيبتها وهو مبلغ كبير، وعليها التبرير، تطلب من الأمن الاتصال بقريبها كريم داغر الذي يسهل أمر سفرها، وكأن شيئا لم يكن.

ياسمينا داغر فتاة مسيحية والدها خليل داغر من وادي النصارى في سورية ووالدتها مارلا من أسرة دمشقية مسيحية عريقة، تربط بين والدها ووالدتها صلة قربى بعيدة. والدها خليل طبيب جراحة تجميلية مشهور، دخل بعمله عالم الطبقة الثرية والمهيمنة في المجتمع السوري، هذا غير أصوله الإقطاعية، فهو سليل عائلة تملك الكثير من الأراضي، والثراء الفاحش أحد أهم سماته، اما والدتها مارلا فهي الصبية الجميلة التي تنتمي لعائلة مسيحية ثرية، تعيش في قلب دمشق القديمة في بيت كبير على الطراز الدمشقي، أقرب لقصر خارجه عادي داخله عالم ساحر، بني منذ أكثر من قرنين.

تعرفت مارلا الأم على خليل الأب وتم بينهم حب سريع، ومن ثم زواج استمر لسنوات قليلة، أنجبت مارلا ابنتها ياسمينا، ثم طلبت الانفصال عن زوجها، كانت هوائية ومتقلبة المزاج، حصلت على الطلاق وغادرت مع قريب آخر لها إلى فرنسا، تزوجا أيضا، وأنجبت منه أخ وأخت لياسمينا.

الأم مارلا تخلت عن ياسمينا ولم تعطها أي اهتمام، حاول الأب تعويض الابنة عن غياب أمها، أحضر كاميليا لتكون مربية لياسمينا، وشبه زوجة لوالدها خليل، وتهتم بشؤون المنزل كاملة.

كبرت ياسمينا في أجواء هذا البيت وفي حضرة والدها الذي كان يعطيها كل ما تريد. غابت الأم مارلا أكثر من عشر سنوات، عادت لكنف حبيب الأمس ومعها طفلين، عادت مريضة بالسرطان، عالجها الوالد خليل لكن الموت عاجلها بعد العملية.

تربت ياسمينا في كنف والدها، كبرت ودخلت الجامعة في المعهد العالي للفنون، تعرفت على أسامة زميل لها فيه، أحبها وأحبته، وعاشا مع بعض تقريبا، لم يكن لاختلاف الدين أي أثر في حبهما وخيارهما أن يكونا لبعضهما.

تسير الرواية بمنطق النفس الواحد، يعني دون تقطيع أو فصول، هي بوح بين الكاتبة والقارئ، يبدأ بلحظة ما، ويستمر دون أي ضابط من خارج البوح، ويصل لنقطة ينقطع به البوح حيث تسقط البطلة ميتة أو مغمى عليها، أو في حالة هذيان من تأثير المخدرات.

توافقا على قراءة واقع سورية، كونها مملكة القمع والخوف والاستغلال. تابعا موت حافظ الأسد الذي كان مفترضا أنه حاكم مطلق ومؤبد مثل الإله لسورية، لكنه مات، راقبت ياسمينا وأسامة مجيئ بشار إلى السلطة وريثا لأبيه في توقيت استثنائي، وكيف استمر حكم حافظ الأسد عبر ابنه دون أي عقبات. الكل تحت السيطرة، مجلس الشعب الصوري المزيف، الجيش والمخابرات، وكل مراكز القوة مهيمن عليها. لم يتغير شيء، بقيت سورية مملكة الخوف والصمت.

غامرت ياسمينا وصديقها أسامة بتصوير تماثيل حافظ الأسد حيث هي منتشرة، كما غامرا بمحاولة تصوير العلم الأمريكي المرفرف في سماء دمشق فوق سفارة الولايات المتحدة، رغم ادعاء النظام أن أمريكا هي العدو الأكبر لسورية، كشف أمن حماية السفارة ياسمينا وأسامة أثناء التصوير، كذلك أجهزة الأمن السورية التي تحمي السفارة.

ألقت المخابرات الجوية القبض على ياسمينا وأسامة، وبعد تحقيق منفصل، اعترفت ياسمينا أن أسامة لا يحب حافظ الأسد، أخلي سبيلها بعد ساعات واستمر أسامة في الاعتقال لأشهر. كانت هذه أول خيانة من ياسمينا لنفسها ولمن تحب، أنّبها ضميرها كثيرا، كانت هذه الحكاية مقدمة لانقطاع ياسمينا عن أسامة إلى أن بدأت الثورة السورية عام ٢٠١١، وعادا ليلتقيا ويكونا جزء من حراك التظاهر، ومن ثم مساعدة الناس الذين أصبحوا ضحايا العنف الأعمى الذي انصب على الثوار ومناطقهم وبلداتهم وحيث يعيشون، لقد تحولت شوارع دمشق ومدارسها وحدائقها أماكن يقطنها الهاربين من جحيم صراع غير متكافئ بين شعب بثواره ونظام قاتل مدجج بجميع أنواع التسلح. اعتقل أسامة مجددا. ودخلت ياسمينا في رحلة عذاب جديد. فلا أمل…

على مستوى آخر بعد أن عادت أم ياسمينا إلى دمشق وعلاجها من قبل والدها ووفاتها ودفنها في مقبرة العائلة في البيت الدمشقي العريق، أصيب والدها خليل في صميمه النفسي والوجداني، لم يحتمل فراق حبيبته وبدأ يتراجع صحيا، ووصل أخيرا إلى الزهايمر، ولم يكن له غير ياسمينا يعيش في كنفها، ياسمينا التي اعتبرته في وقت ما عبئا عليها، وتركته في لحظة ما دون مساعدة في صعوده في درجات البيت ليقع على رأسه ويموت.

اعتقدت ياسمينا أنها هي من قتلت والدها، ولم يكن ينقصها تأنيب الضمير مجددا، اعتقل حبيبها بسببها، ووالدها مات عندما لم تساعده عندما طلب منها ذلك.

كانت ياسمينا ابنة لعائلة غنية من جهة الأم والأب، وبعد وفاة الوالد والوالدة، وبعد أن باعا أغلب أملاكهما، ورثا ابنتهما الفقر، والبيت الدمشقي العريق، لكنهما كانا قد وضعا وصيا عليها من العائلة ليمنعها من التصرف في البيت أو بيعه، حضر قريبها كريم داغر ومنعها من بيع البيت وأصبح يعطيها المال عندما تحتاج.

ومن جهة أخرى كانت ياسمينا قد بدأت بالعمل في مجال الكتابة الأدبية الروائية وبعض السيناريوهات التلفزيونية، ولأنها يئست مما وصل اليه الحال في سورية. حيث أخذ النظام بالحل الأمني، قتل وتشريد للناس، وتدمير للبلاد، ولم يعد هناك إمكانية للعيش في سورية، لذلك ذهبت ياسمينا إلى لبنان لعله يكون بديلا مؤقتا عن سورية، لكن يد النظام الأمنية طويلة في لبنان، كذلك أظهر بعض اللبنانيين الكثير من الحقد والسلوك العدواني بحق السوريين. لذلك غادرت ياسمينا إلى دبي وتواصلت لأشهر مع شركات إنتاج تلفزيوني لعلها تجد عملا وتحصل على مردود مادي.

لقد صرفت أغلب ما أعطاها إياه كريم داغر، وأصبح يتصرف معها بتقتير. وعندما واجهته، اصطدمت معه، تعالى صياحهما وكذلك تضاربا بالأيدي، وسقطت كل إمكانية التواصل والاحترام المتبادل، خاصة بعد أن قتل جاد ابن كريم نتيجة قذيفة وقعت حيث هو في دمشق.

كانت آخر مراكب ياسمينا هي فرصة العمل مع شركة خليجية ما، لكنها بعد انتظار أشهر وانتهاء رصيدها المادي تقريبا، لم تحظ بفرصة عمل. لذلك كان آخر ما في جعبتها أن تطلب اللجوء إلى كندا، كانت كندا قد فتحت أبوابها للكثير من السوريين، خاصة المسيحيين، في وضع أظهر أن الغرب تقبل لعبة الكذب المتبادل مع النظام، وأنه حامي الأقليات، وأن المسيحيين ضحايا داعش التي استنبتها النظام وغطى بها كل عيوبه.

الرواية تغوص عميقا بالوقائع التي تلغي كذب النظام وداعميه في كل ما قاله عن الإرهاب والمؤامرة، مؤكدة أن الشعب أراد أن يسترد حريته ويعيش العدالة والديمقراطية وحقوقه كاملة ولتنتصر ثورته ويعيش إنسانيته أسوة ببقية الأمم.

اكتشفت ياسمينا أن مسيحيتها حمتها وأمنت لها مغادرة إلى مونتريال عاصمة كندا، وأمنت لها حياة مريحة أكثر مما تتخيل، ودخلت في برنامج إدماج في المجتمع الكندي ترعاه الكنيسة والدولة الكندية.
لكن ياسمينا وجدت أنها تختنق وهي بعيدة عن دمشق وذاتها التي تركتها هناك، حيث قبر والدها ووالدتها وأسلافها في بيتهم العريق في دمشق القديمة.

عادت مجددا إلى دمشق لتجد أنها اسوأ مما تركتها، ولتجد أن الموت يحوم كطائر فوق شعبها يخطفهم كل الوقت، لم تستطع ياسمينا تحمل ذلك أصبحت مدمنة على الحبوب المهدئة والحشيش والمخدرات حتى عادت للبيت القديم فتحته لكل من هب ودب، تحت دعوى مزيفة أن لا مشاكل هناك وأن سورية بخير، تعاملت مع وجوه كثيرة وجديدة، جربت كل أصناف التفلت والضياع وسهرات المجون والجنس والمشروب والسهر الهستيري، لكن لا فائدة.

وعند مداهمة بيتها من الوجوه الجديدة للأمن الموسوم بالطائفية ولهجة الساحل التي اعتبرت لهجة النظام، واعتبر نظام علوي بعرف الكثير من الناس الضحايا، تماهي النظام مع الطائفة، واستدعاء الغرباء من الروس والإيرانيين جعل الصورة عند ياسمينا أكثر إيلاما، لذلك صارت مدمنة مخدرات تعيش هلوسات موت في خيالها، يعوم فوق موت وظلم وقهر واستعباد وقتل في الواقع.
تنتهي الرواية عندما تلتقي ياسمينا بطيف أسامة في الشارع، يتحدث مع طفلته وطفله وبصحبة زوجته، وكأنها ترمي لنا بذرة أمل حتمي قادم، وكذلك عندما تحلم أو تهلوس ياسمينا أنها تمشي على جثث وتنزف دما وتسقط سقوطا حرا وتغيب ياسمينا عن الوجود.

في تحليل الرواية نقول:

إننا أمام رواية نموذجية تتحدث عن الثورة السورية في إحدى أوجههها، إنها صورة عن مكون مجتمعي سوري، المسيحيون كيف كانوا وما أصابهم، وإنهم جزء صميمي من الشعب السوري له مالهم وعليه ما عليهم.

لا صحة لادعاءات النظام وحلفائه بأنه يحمي الأقليات والطوائف، بل هو صانع التفرقة والطائفية والمظلومية المجتمعية ولعقود مضت. هكذا تقول الرواية.
كما تتحدث الرواية عن عمل الناس ليعيشوا بكرامتهم أجيال سابقة لكنهم كانوا دائما ضحية بطش وظلم النظام.

الرواية تغوص عميقا بالوقائع التي تلغي كذب النظام وداعميه في كل ما قاله عن الإرهاب والمؤامرة، مؤكدة أن الشعب أراد أن يسترد حريته ويعيش العدالة والديمقراطية وحقوقه كاملة ولتنتصر ثورته ويعيش إنسانيته أسوة ببقية الأمم.

لغة الرواية ومشهديتها والمشاعرية المتوقدة فيها، والتنقل في تتبع الحالة الشعورية للراوية جعلني كل الوقت مندمج في صميم العمل بحيث كانت قراءتي للرواية متابعة في جلسة واحدة كما كتبت كلها في نفس واحد من قبل روائية رائعة متميزة.

شكرا عبير اسبر وننتظر المزيد من الابداع.


عبير إسبر روائية سورية متميزة، لها العديد من السيناريوهات لأعمال درامية عدة منذ سنوات مضت.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!