رواد العوام في رواية غريق جنة الإغريق يسرد حياة الناس كما هي

الرواية ممتلئة بحكايا الواقع بكل صدقه وفجاجته، وفجائعه احيانا، لذلك نرى أن التزام الرواية بالمصداقية في سرد واقع أشخاصها وحياتهم هي قوتها وبراعتها.

0

الكاتب: رواد العوام.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: دار مدارك للنشر/ط١، نسخة ب د ف، ٢٠١٩م.
غريق جنة الإغريق، رواية تعتمد أسلوب السرد الشبكي، حيث تطل على كل شخصيات الحدث الروائي، كشبكة اجتماعية لها علاقة بالحدث الروائي وتطوراته. كل الشخصيات المُتَابعين في الرواية أبطال، بمعنى تسلط الرواية عليهم الضوء، بذات أهمية شخصياتها الرئيسية، على فرض أن هناك شخصيات رئيسية.

الرواية هنا ككاميرا السينمائي، كل ما تراه تصوره، وهي بمستوى آخر أقرب للدراسة الاجتماعية النفسية الإنسانية وحتى السياسية للشخصيات وظروفهم المعيشية، لغة الرواية هي لغة شخصياتها، لا ترتفع فوقهم بتعالي ولا تنمق كلامهم أو سلوكياتهم، هي حقيقتهم أمام أنفسهم، وداخل العلاقات الحميمية.

الرواية ممتلئة بحكايا الواقع بكل صدقه وفجاجته، وفجائعه احيانا، لذلك نرى أن التزام الرواية بالمصداقية في سرد واقع أشخاصها وحياتهم هي قوتها وبراعتها.

للرواية زمن ومناسبة، زمنها الواقع المعاش بالأمس واليوم وغدا، الربيع السوري وتبعاته، وأهمها اللجوء كمخرج للناس من واقع ما حصل مع السوريين. كل لأسبابه المختلفة وأحيانا المتناقضة، لكنهم كلهم اتفقوا على أن سورية لم تعد قادرة على احتضانهم، لذلك لفظتهم خارجها، هم هاجروا هربا من الموت أو الاعتقال أو الاستمرار بالعيش تحت الخوف والجوع والحصار والتهديد، هربوا وراء حلم بحياة مختلفة وممكنة وقد تكون أفضل.

تبدأ الرواية بوصول ثلاثة شباب سوريين هاربين منها إلى طرابلس لبنان لهدف محدد وهو الهجرة إلى أوروبا. لا نعلم كيف التقى عماد وصفوان ونديم، ولا نعلم الكثير عن ماضيهم، الأكيد أنهم التقوا على هدف اللجوء، ولا مشتركات أخرى بينهم، لا نتلمس إلا بشكل عابر ظروف هربهم وبحثهم عن من يساعدهم باللجوء إلى أوروبا.

نعم حديث عن بلاد تعيش حربا، وصراعا، وبراميل متفجرة وحياة أصبحت مستحيلة، لم يعد يهم لماذا قرروا الهجرة طالما هم أصبحوا يسيرون في طريقها.

الشباب الثلاثة عماد وصفوان ونديم، يلتقون مع المهرب أبو طارق، الذي يعدهم بتأمين كل أسباب الهروب والوصول إلى تركيا أولا ثم إلى اليونان بعد ذلك، وعندها يكونون قد عبروا بوابة أوروبا.

الشباب الثلاثة مختلفين في الخلفيات النفسية والتوجهات والأحلام، لذلك ومنذ وصولهم إلى طرابلس ولقائهم بالمهرب أبو طارق وانتظارهم أن تؤمن أوراقهم المزورة والسفينة التي سينقلون بها إلى مرمريس في تركيا. سيكون لكل واحد منهم حياته بدءً من طرابلس وما بعدها، ونحن عبر الرواية سنطلع على حياة الشباب الثلاثة ومع من يتقاطعون ويتعايشون حتى تنتهي الرواية وتبين مآلات رحلة اللجوء بكل ما فيها.

عماد: الشاب الذي يظهر ومنذ اللحظة الأولى في جميع تصرفاته، أنه إنسان انتهازي ومصلحي ولا تحكمه أي قيمة أخلاقية أو اجتماعية، علاقته مع الكل قائمة على كيفية استغلال المحيط به للوصول لمصلحته، يبدو أن اللجوء عنده مجرد انتقال إلى ظروف أفضل ليتمكن منها من استغلال المحيط به واستثمار أي فرصة لتحقيق مصلحته ولو على حساب الآخرين.

في انتظار وقت السفر إلى تركيا، سيكون نزيل فندق، ويتعرف على إلفيرا احدى عاملات الفندق ويكون بينهما علاقة جنسية وعشرة، وسرعان ما يوحي لها بأنه يحبها، وقد يتزوجها، وأنه لن يتخلى عنها. أما الفيرا فكانت قد تجاوزت الأربعين وتحتاج من يحتضنها، ويعتني بأنوثتها ويقنعها بأنها ما تزال مرغوبة جنسيا ونفسيا، خاصة وأنها كانت تمر في مرحلة خريف لعلاقتها الجنسية مع عشيقها جرجي، حيث دامت علاقتهما لسنين، وأصبحت شبه روتينية وتفتقد للحيوية.

نحن أمام رواية أخرى تنتمي لروايات الربيع السوري ونتاجاته، رواية الحالة المتحركة السورية وتبعاتها، رواية البشر الواقفين على حد الموت في البلاد أو في البحار أو الظفر بالعيش في بلد أوربي قد يحصلوا فيه على بعض حقوق الإنسان.

كان عماد بالنسبة لافيرا قارب نجاة نفسي وجنسي، وخاصة أنه أغرقها بالوعود بأنه لن يسافر ويهجرها وسيبقى معها يعيشان حياتهما سوية، أطلعته على أسرارها وكل شؤونها وما لديها من مال، وما كان منه عند سفره إلا ان سقاها حبوبا للنوم، وسرق أموالها ومصاغها وغادر إلى تركيا.

وقبل متابعة حياة عماد، سنعرف أن الفيرا تصاب بصدمة وتبتلع غدر عماد وتسكت عمّا حصل معها، وتعيد سيرتها الأولى مع جرجي الذي سيجري عملية جراحية ويعود لعشيقته الفيرا. جرجي الذي تعامله زوجته ومن بعد أولاده بأنه مجرد أب يقدم لهم بعض الخدمات، زوجته صارمة تعامله باستهتار واحتقار أحيانا، متطلبة تريد منه أكثر مما يستطيع، لا يرى بها أي جانب انثوي أو إنساني حتى، وهي تراه مجرد رجل ساعدها بإنجاب الأولاد ويقدم لها بعض ما يكسبه من عمله لإعالة البيت، غير ذلك تراه زائدا عن الحاجة وتعمل دوما ليخرج من حياتها، لذلك كانت الفيرا عشقه وواحته التي أعطته بعضا من الحنان والحب وعاشا حياة اعتماد متبادل كل يحتاج للآخر ويريده.

وبالعودة إلى عماد الذي أغدق المال على أبي طارق المهرب وأمن لهم رحلة بأقرب وقت إلى تركيا، ليهرب بما سرقه من الفيرا، وهكذا حصل، لكن زميليه في الرحلة علما بما فعله مع الفيرا من خلال انطوانيت صديقة الفيرا بالفندق، وبدءا يلاحقانه ويلومانه على ما فعله.

مما جعله يحقد عليهما وقرر أن ينتقم منهما وأن يبعدهما عنه، خاصة أنهما شاهدان عليه في حياة قادمة يريدها دون أي شهود أو قيود، لذلك اتفق مع موسى المهرب التركي الذي تعرفوا عليه عند وصولهم مرمريس في تركيا، على سرعة ترحيلهم إلى اليونان، تحت حجج واهية، وخاصة أنه أغدق على المهرب بالمال، وهذا الأهم بالنسبة للمهرب، فوضعهما في زورق مطاطي (بلم)، مع ما يزيد عن الثلاثين شخصا، والبلم لا يتسع لأكثر من نصف هذا العدد، ركبوا البلم وهم مدركين أنهم غارقين، لكنهم كانوا يعزون أنفسهم ويمنّونها بالوصول والنجاة وبناء حياة جديدة أفضل. لكن البلم سينقلب بهم ويموت نديم في البحر أما صفوان فيتم إنقاذه ويبدأ حياته في مقدونيا.

وبالعودة إلى عماد، فبعد أن تخلص من زميليه، فقد وجد أن الحياة في مرمريس صالحة له ليستثمر في موضوع اللاجئين السوريين إلى أوروبا والتحق بالعمل مع شبكة المهربين، وتعرف على الرجل الأول فيهم، وكان ناجحا في استدراج الناس للهجرة، واعتمد على القتل لإبعاد منافسيه في مهنته، وهكذا أصبح من أكبر المهربين للاجئين من تركيا إلى أوربا. نجح عماد بكل قذارته أن يبني له إمبراطورية ومصالح.

أما صفوان ثاني الشباب الذي اجتمع مع عماد ونديم في طرابلس لأجل اللجوء إلى تركيا ومن ثم أوروبا، كان شابا عاديا صموتا، طيبا بالمعنى الاجتماعي، مستعدا للتضحية وتقديم ما عنده لأجل تحقيق مطالبه، لذلك كان يستغله عماد في رحلتهما إلى تركيا وأوروبا.

في طرابلس تعرف على انطوانيت عاملة الفندق الأخرى، التي وجدت به شابا يغذي حاجتها الجنسية والنفسية، والتي تأملت أيضا أن لا يتركها ويغادر إلى تركيا، لكن صفوان سيسافر إلى تركيا عبر المهرب أبو طارق، مع زميليه عماد ونديم، في سفينة فحم تحولت لنقل البشر، وعند وصولهم إلى تركيا، وبعد معرفتهم بسرقة عماد لألفيرا ولومهما إياه على ذلك، سيعمل على تسفيرهم قبله في بلم خطر، فيغرقون ويموت نديم ويتم إنقاذ صفوان ويبدأ رحلة اللجوء في أوربا.

اما ثالثهم نديم فهو مختلف عن الاثنين، فهو مثقف ومطّلع ويعرف أنه إنما يقتلع من بلاده رغما عنه، لأن البلاد في ظروف الظلم والقهر والقتل والتدمير، لم تعد تستوعب أولادها بل تطردهم وتدفعهم للجوء، نديم اضطر أن يلجأ خارج سورية، وفي طرابلس كان مع الثنائي عماد وصفوان، عمل في مكتبة في طرابلس قبل السفر، أحبه اصحابها، وأحبته أم حنا تلك المرأة التي حولت بيتها إلى شبه فندق تؤجر غرفه للقادمين إلى طرابلس، أم حنا التي تفتقد لزوجها أبو حنا المتوفى، والذي كان مسيحيا، وضد إسرائيل مع الفلسطينيين أيام كانوا في لبنان في ثمانينات القرن الماضي، وهي رأت في نديم شابا خلوقا وصادقا وأمينا.

نديم الذي انتقل مع زميليه إلى تركيا في رحلة اللجوء، وعلما بسرقة عماد لألفيرا، ولاماه على ذلك وخطة عماد من أجل إغراقهم، وغرق نديم ومعاناته الأخيرة في البحر، حيث تتحول كل أعماله وطموحاته وإنسانيته المهدورة لمجرد غريق في بحر هائج، تحوله لـمجرد إنسان هرب بروحه، لاحتمال أن يعيش حياة أفضل، لكن روحه هربت منه في عرض البحر وتحول لحكاية في رواية وكأنه لم يكن. ما أرخص الإنسان السوري.

في الرواية أطلال على شكل شذرات معبرة، هناك جواب على سؤال لماذا حصل اللجوء؟. والجواب المختصر كان لأنه لم يعد هناك من حل للشباب السوري إلا الهرب من الوطن واللجوء لبلاد أخرى، تحتضن وتحمي وتساعد على بناء الحياة والإنسان.

الرواية تقول إن اللاجئين مشتركين في اللجوء، لكنهم مختلفين إلى درجة التناقض في شخصياتهم ودوافعهم ومطالبهم.

وهناك إطلالة على الأنظمة العربية كلها عموما، فهي أنظمة استبدادية، الإنسان فيها رخيص ومصلحة الحاكم والطبقة المحيطة به فوق كل اعتبار ولأجلها البلاد والعباد مستباحة.

كما أن هناك ربط بين هذه الأنظمة والغرب، الذي صنعها ودعمها وجعلها هكذا ليؤمن مصلحته، ومصلحة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. الغرب الذي دعم الأنظمة بفعل ما فعلت بحق شعوبها كرد على الربيع العربي وإهداره، ومن ثم استثمار اللجوء للحصول على عمالة جاهزة ورخيصة، ومصالح مختلفة. الغرب لا ينطلق إلا من مصلحته، ولا ينصر الشعوب وحقوقها المشروعة من حرية وكرامة وعدالة وديمقراطية.

تريد ان تقول الرواية إن اللجوء نتاج ظلم وقهر وقتل وتدمير بلاد الربيع العربي، وأن الغرب صامت ومستفيد حتى من لجوء اللاجئين. غير الغرقى، لمن يصل طبعا.

تنتهي الرواية بمآلات الثلاثي عماد وأعماله المزدهرة في تركيا. صفوان ولجوئه لأوربا وبداية حياة جديدة ، ونديم الغريق الذي أراد ان يبني حياة جديدة فخسر روحه، آخر رأسمال يمتلكه.

في تحليل الرواية نقول:

نحن أمام رواية أخرى تنتمي لروايات الربيع السوري ونتاجاته، رواية الحالة المتحركة السورية وتبعاتها، رواية البشر الواقفين على حد الموت في البلاد أو في البحار أو الظفر بالعيش في بلد أوربي قد يحصلوا فيه على بعض حقوق الإنسان.

رواية تغوص عميقا في حياة أشخاصها، كل أشخاصها ممتلئون بحياتهم ويعيشونها بكل قبول، بغض النظر عن حكم القيمة الذي نقوله نحن قراء الرواية.

الرواية تقول إن اللاجئين مشتركين في اللجوء، لكنهم مختلفين إلى درجة التناقض في شخصياتهم ودوافعهم ومطالبهم، البعض منهم ينتمي للإنسان في نفسه ومحيطه وحقوقه، والبعض يعيش كما كل البسطاء والعاديين وقودا للحروب أو الهروب أو أدوات قمع أو أرقام للموت والحياة، البعض سيئين إلى درجة تتساءل لماذا يلجؤون وهم من صنف النظام الذي دفعهم للجوء، لكنهم ككل ذئاب الأرض يبحثون عن مصالحهم ولو على أشلاء الناس ودمائهم ولقمة عيشهم. والغريب أنهم هم الأنجح في استغلال الفرص والنجاح وبناء حياتهم في صراع الغابة المسمى العالم.

لا تمر الرواية على أصل بلاء اللجوء، وهو النظام المستبد المجرم الذي قتل وظلم الشعب عبر عقود، دمر نصف البلد وهجّر نصف الشعب وقتل أكثر من مليون إنسان، غير المصابين والمعاقين. كان يستحق أن يتم ذكر ذلك لأنه أصل بلاء اللجوء وكل تبعيات قتل الربيع السوري.

نجحت الرواية في تقصي حياة شخوصها، ونجحت بإظهار الثقافة الواسعة للروائي كاتبها، أنه ابن العصر مطّلع ويعرف ما يحصل في بلادنا وفي العالم.

نجحت الرواية أيضا في سرد حياة الناس كما هي دون حكم قيمة ودون ابتذال او تستر. أرادت أن تعري الواقع، كعري المريض على سرير الطبيب. لعل ذلك ينفع في البحث عن علاج ما.

الرواية تنبئ بموهبة روائية لكاتب صاعد ننتظر منه إبداعات أخرى قادمة تردف الرواية العربية بالجديد المفيد والممتع.


رواد العوام: روائي سوري متميز، من الجيل الجديد الذي أنجبته تجربة الثورة السورية وما تلاها، له عملين روائيين.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!