ثورات عام 2019 في العالم العربي… السودان (2/4)

ماهي أسباب وسياقات الموجة الثانية من الربيع العربي؟

في هذه الدول، كان الشعب لا يزال مهزوزاً بسبب سنوات من الصراع والعنف السياسي، كما أن الاستياء الاجتماعي يتنامى منذ سنوات، والأسباب نفسها التي أدّت إلى اندلاع انتفاضات عام 2011 لا تزال موجودة في المنطقة.

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

استفادت موجة الربيع العربي الثانية من سابقتها، فلم يعد المتظاهرون قانعين بإطاحة الحكّام الدكتاتوريين الطاعنين في السن، بل راحوا يستهدفون بنية الدولة العميقة وهياكلها، في وقت يحرصون فيه على تفادي الانقسام على أساس الهوية والانتماء، ويطالبون بتنظيم انتخابات جديدة يُعتد بها.

أربع دول تفجرت فيها موجات الاحتجاجات

أربع دول تفجرت فيها موجات الاحتجاجات في عام 2019 وهي: الجزائر والسودان والعراق ولبنان، وهي دول بقيت بمنأى عن “الربيع العربي” في عام 2011.

في هذه الدول، كان الشعب لا يزال مهزوزاً بسبب سنوات من الصراع والعنف السياسي، كما أن الاستياء الاجتماعي يتنامى منذ سنوات، والأسباب نفسها التي أدّت إلى اندلاع انتفاضات عام 2011 لا تزال موجودة في المنطقة.

ما يميز هذه الموجة من الاحتجاجات

ما يميز الموجة الثانية، أنها اعتمدت السلمية بوسائلها المتعددة من التظاهر حتى الاعتصام والعصيان المدني، وسيلتهم في الاحتجاج للمطالبة بحقوقهم المهدورة، وظل اعتماد السلمية نهجا، رغم استفزازات السلطات المتكررة، لعدة أسباب منها:

1/ أنهم تعلّموا من دروس جيرانهم.

2/ هم يريدون الحفاظ على تحرّكهم في الوقت المناسب وجذب المزيد من المؤيدين على المستويين الوطني والدولي.

3/ المحتجون لا يريدون منح حكوماتهم فرصة استخدام التكتيكات القمعية ضدّهم ووضع حدّ لتظاهراتهم الشعبية.

وبالرغم من أن مآلات هذه الثورات لم تتوضح بعد ، فإن الأمل بأن تحدث في الأوطان مزيداً من التغيير المستدام سيبقى.

من لافتات الثورة السودانية (حبر)

الثورة الشعبية في السودان

الأسباب

1/ شكلت المصاعب الاقتصادية، وتحديدًا قرار الحكومة رفع أسعار الخبز، السبب الرئيسَ لتفجّر الاحتجاجات في مدينة “عطبرة” التي تقع إلى الشمال الشرقي، على بعد 310 كيلومترات من العاصمة. وهي مدينة عمالية يعمل غالبية أهلها في السكك الحديدية.

2/ أعادت الاحتجاجات إلى الأذهان ظروف انتفاضة نيسان/ أبريل 1985، التي أسقطت نظام الرئيس الأسبق جعفر النميري (1969-1985)، حين أعلن حزمة من القرارات؛ تنفيذًا لتوصيات البنك الدولي في التقشف ورفع الدعم عن الخبز والمحروقات.

3/ سلسلة من الإجراءات بدأت في نهاية عام 2017 بعد إصدار أول ميزانية لما سمي بـ “حكومة الوفاق الوطني” التي رأسها نائب الرئيس، الفريق أول بكري حسن صالح، وكان وزير ماليتها أيضًا من الجيش، أي إنه من دون أي خبرة في الاقتصاد. وما إن أُعلِنت الميزانية حتى بدأت قيمة العُملة تتدهور بسرعة.

4/ لم يساعد القرار الأميركي رفعَ معظم العقوبات الاقتصادية التي فرضت على السودان، مطلع عام 2017، في تحسين الأوضاع.

5/كانت ردة فعل الحكومة اتخاذ إجراءات صارمة للحد من المعروض النقدي في الأسواق، أملًا في الحد من تجارة العُملة غير الرسمية.

6/ هذه السياسة، تسببت في مصاعب كبيرة للمواطنين، فوق ما كانوا يعانونه من غلاء الأسعار وعدم وفاء الدخل بالحاجات الضرورية؛ إذ أضيفت إلى معاناة الوقوف في طوابير الخبز والوقود، مشكلة الازدحام في المصارف من أجل الحصول على النقود، والتي بلغت ذروتها أيام عيد الأضحى في العام المنصرم (2018)، عندما واجه كثيرون مشكلة في سحب إيداعاتهم أو تسلّم رواتبهم، حتى بدا البلد كأنه يواجه شللًا كاملًا.

7/عدم اكتراث النظام ؛ إذ كان همه منصبًا على تعديل الدستور، حتى يسمح للبشير بولاية أخرى ابتداء من عام 2020.

من احتجاجات الشعب السوداني (فرانس 24)

السياقات

1/ خرج مئات المتظاهرين في مدن مختلفة في السودان، احتجاجًا على غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار السلع الغذائية إلى جانب عدم توفر البعض منها وعلى رأسها الخبز لمدة ثلاثة أسابيع متوالية.

وهتف العديد من المتظاهرين بسقوط الرئيس السوداني عمر البشير، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفرقة المحتجين.وأعلنت ولاية عطبرة حالة الطوارئ بعد حرق مقر الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني”، ومحطة وقود، ومبنى الرئاسة المحلية الحكومي.

2/ بعد خمسة أيام من المظاهرات، خرج عمر البشير في 24 ديسمبر، ليحذر المواطنين من محاولات زرع الإحباط في نفوسهم، ووعدهم باستمرار الإصلاح الاقتصادي وتحسين حال المواطنين.وقال البشير، “إن السودان ماض في عملية الإصلاح الاقتصادية، وحذر المواطنين من الالتفات لمروجي الشائعات، مشيدًا بجهود قوات الأمن في حفظ الدولة”.

3/ في الثاني والعشرين من فبراير 2019، ألقى الرئيس السوداني، عمر البشير، خطابًا إلى الشعب، أعلن خلاله حل الحكومة وأن الدولة منحازة للشباب.وأضاف البشير، أنه يتفهم مطالب المتظاهرين.

وأكد البشير في الخطاب على:تأجيل النظر في التعديلات الدستورية،وحل الحكومة الحالية وحكومات الولايات، وتشكيل حكومة كفاءات جديدة، لحين استكمال العملية الحوارية، والوقوف على منصفة قومية لرعاية العملية الديموقراطية في البلاد والمساواة في العملية السياسية بين المواليين والمعارضة، ودعوة المعارضة للمشاركة في حوار وطني.

4/ أعلن الرئيس السوداني، في اليوم التالي للخطاب، تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة محمد طاهر أيلا، مع الابقاء على وزير الدفاع والخارجية والعدالة من الحكومة القديمة.

5/ هذه القرارات لم تهدئ من غضب الشارع السوداني، الذي استمر في التظاهر ومطالبة عمر البشير بالتنحي وترك السلطة.

6/ خلق اندلاع التظاهرات واستمرارها وضعًا جديدًا، زادت فيه ثقة المعارضة بنفسها وبقدرتها على تحدي النظام للمرة الأولى منذ عام 1990.

7/ بدا النظام معزولًا إلى حد بعيد؛ إذ امتنعت وحدات من الجيش عن قمع التظاهرات في عدد من المدن، وأعلنت ميليشيات الجنجويد (التي استثمر فيها النظام لقمع تمرد دارفور ابتداء من عام 2003) عدم المشاركة في التصدي للاحتجاجات.

8/ خسر النظام  قطاعات واسعة من مناصريه، وفيهم بعض القيادات الحزبية المهمة، بسبب استئثار الرئيس ودائرته الضيقة بالسلطة، وتوجيه جل سياساته إلى خدمة هذا الاستئثار.

9/ صعّد النظام من سياساته القمعية، واستخدامه القبضة الحديدية ضد المتظاهرين، ومن ذلك الاعتقالات واقتحام المنازل وإطلاق الرصاص الحي.

10/ وزير الدّفاع السوداني الجِنرال عوض بن عوف، الذي قاد الانقلاب الجديد، أعلن اقتِلاع نظام البشير في بيانه الأوّل، وتشكيل مجلس انتقاليّ يتولّى الحُكم في البِلاد لفترةٍ انتقاليّةٍ مُدّتها نحو عامين على الأقل، وتعطيل العمل بالدّستور، وحلّ مُؤسّسة الرئاسة ومجلس الوزراء وإعلان حالة الطّوارئ لمُدّة ثلاثة أشهر.

السودانيين في الشارع (مونت كارلو)

11/ تجمّع المهنيين السودانيين الذي قاد الاحتجاجات الشعبيّة التي طالبت الرئيس البشير بالرّحيل، طالب بأن تستمر الثورة، لأنّ انقلاب بن عوف هو استِنساخٌ عسكريٌّ جديدٌ لنظام جبهة الإنقاذ.

12/ هذه الثّورة الشعبيّة السودانيّة كانت موضِع شبه اجماع شعبي، مثلما كانت سودانيّة بحتة انطلقت من أرضيّة الفساد والجُوع والحرمان في مُواجهة نظام ديكتاتوريّ انفصل عن الشّعب وطُموحاته المَشروعة في الحريّة والديمقراطيّة الحقيقيّة والعيش الكريم.

13/ سلميّة الثّورة وعدم حُدوث أيّ تدخّل خارجيّ فيها، إقليميًّا كانَ أو دوليًّا، وطُول نفس الشّعب السودانيّ (استمرّ الحراك 4 أشهر)، كلها عوامل ميّزتها عن جميع نظيراتها الحاليّة أو السّابقة.

14/ نجاح الحِراك الجزائريّ الحضاريّ في الإطاحة بحُكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أعطى زخمًا قويًّا لنظيره السودانيّ، وتجديده، بعد أن خفّت حدّته لبعض الوقت.

15/ انحِياز الجيش السودانيّ للمُتظاهرين والتِفافه حولهم، ومنع قوّات الأمن من استخدام القُوّة ضِدّهم، وتردّدت أنباء أنّه رفض الانصياع لقرار الرئيس البشير في النّزول إلى الشّوارع وقمع المُتظاهرين.

16/ لم يتدخّل حلف النّاتو عسكريًّا لنُصرة الحِراك السوداني مثلما جرى في ليبيا، ولم يُنفق الرئيس ترامب 90 مليار دولار لتسليح الثّورة السودانيّة مثلما حدث في سورية.

17/ كان لافتًا أنّ قنوات فضائيّة عربيّة مثل “الجزيرة” و”العربية” (بدرجة أقل)، لم تلعب الدور التحريضيّ نفسه الذي لعبته أثناء ثورات الربيع العربي الأولى، وخاصّةً السوريّة والليبيّة والمِصريّة واليمنيّة، ويبدو أنّ زيارات الرئيس البشير لعواصم هذه القنوات لعِبَت دورًا كبيرًا في تخفيف حدّة “التّحريض”.

18/ طالب المحتجون بـ”تواصل مباشر” مع الجيش من أجل “تيسير عملية الانتقال السلمي للسلطة”، في الثامن من نيسان/ أبريل، وأعلن وزير الداخلية توقيف 2496 مواطنا من المتظاهرين ومقتل سبعة متظاهرين في السادس من نيسان/ أبريل.

19/ تواصل تواجد المعتصمين قرب مقر القيادة العامة للجيش في التاسع من نيسان/ أبريل وعندها قامت عناصر من القوات الأمنية برش الغاز المسيل للدموع لتفريق آلاف المعتصمين.

20/ في خطوة مفاجئة، أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عوض بن عوف تخليه عن منصبه وتعيين عسكري آخر هو الفريق الركن عبد الفتاح البرهان مكانه، في 12 نيسان/ أبريل.

احتجاجات السودانيين (الصدى نت)

21/ بعدها استقال رئيس جهاز الأمن والمخابرات الوطني صلاح عبد الله محمد صالح المعروف باسم صلاح قوش في 13 نيسان/ أبريل.

22/ قدم قادة الاحتجاجات مطالبهم إلى المجلس العسكري الجديد وشملت النقل الفوري للسلطة إلى حكومة مدنية. في 14 نيسان/أبريل، وبعد يومين تمّ نقل البشير إلى سجن في الخرطوم.

23/ تجمعت حشود ضخمة أمام مقرّ قيادة الجيش لمواصلة الضغط على المجلس العسكري، في 18 نيسان/ أبريل.وبعدها بيومين عقد قادة المحتجين والحكام العسكريين جلسة أولى من المحادثات.

24/ عند أول مقابلة تلفزيونية له على التلفزيون الرسمي منذ توليه منصبه، قال رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان في 21 نيسان/ أبريل إن “المجلس ملتزم بنقل السلطة إلى الشعب”.

25/ بعد ساعات من المقابلة، علق قادة الاحتجاجات محادثاتهم مع المجلس ودعوا إلى مزيد من التظاهرات، وبسبب ذلك دعا قادة الاحتجاجات إلى مشاركة مليون شخص في الاعتصام في الخرطوم الخميس 25 نيسان/ أبريل.

26/ في ليلة التظاهرات “المليونية”، أعلن المجلس العسكري أنه توصل إلى اتفاق بشأن معظم مطالب قادة الاحتجاجات بعد اجتماع استمر حتى وقت متأخر من الليل، فيما استقال ثلاثة من أعضاء المجلس.

27/ قامت تظاهرة ضخمة جديدة، في وقت كانت المفاوضات بين المجلس العسكري وقادة الاحتجاجات تراوح مكانها، في الثاني من أيار/ مايو. واتهم قادة الاحتجاج العسكر بمحاولة تأخير العملية الانتقالية، في الثامن من أيار/ مايو.

28/ أعلن المجلس العسكري وقادة الاحتجاج في 15 أيار/ مايو اتفاقا على انتقال سياسي مدته ثلاث سنوات قبل نقل السلطة إلى المدنيين بشكل كامل.

29/ نجحت بعض الشخصيات المشاركة في الثورة ضد البشير في التحول سريعا إلى أيقونات حفّزت فئات المتظاهرين على الاستمرار في حراكهم.وانتشر خلال الأسبوع الأخير من الاعتصام، مقطع فيديو لشابة سودانية ترتدي الزي التقليدي السوداني وتعتلي سيارة وتحمل بيدها ميكرفون وتلقي قصيدة ثورية ما ألهب مشاعر المتظاهرين وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم تحت اسم “الكندانة”، وهي تسمية تطلق على الملكات النوبيات قديما.

30/ تم التوصل إلى الاتفاق بين المجلس العسكري الذي تولى الحكم بعد الإطاحة بالبشير، والمحتجين، بوساطة إثيوبية، بعد عملية قمع دامية لاعتصام كان يطالب بتسليم الحكم إلى المدنيين. وعلقت لافتات داخل القاعة الفخمة التي تم فيها التوقيع اليوم، كتب عليها “فرح السودان”.

31/ دعا القيادي في “قوى إعلان الحرية والتغيير” محمد ناجي الأصم في كلمة أعضاء المجلس العسكري إلى أن “نطوي معا صفحات مزمنة من الدكتاتورية البغيضة” في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، و”نؤسس معا ديموقراطية مستدامة” في السودان. كما طالب بـ”وضع كافة أشكال التمييز ضد المرأة”، داعيا لتخصيص “40 في المئة كحد أدنى من مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي” للنساء.

32/ وفيما ينص الاتفاق على أنّ يعين العسكر وزيري الداخلية والدفاع، أعلن قادة الحركة الاحتجاجية الخميس أنّهم اتّفقوا على تعيين المسؤول السابق في الأمم المتحدة عبد الله حمدوك، وهو خبير اقتصادي مخضرم، رئيساً للوزراء.

33/ ومن المتوقّع أن يركّز حمدوك جهوده على إصلاح الاقتصاد السوداني الذي يعاني من أزمة منذ انفصل الجنوب الغني بالنفط في 2011 عن الشمال. وشكّل الوضع المعيشي شرارة الاحتجاجات ضد حكم البشير.

34/ العديد من السودانيين يشكّكون في قدرة المؤسسات الانتقالية على كبح جماح القوى العسكرية خلال فترة السنوات الثلاث التي ستسبق الانتخابات. ويشكّك البعض في معسكر الاحتجاج في قدرة الاتفاق على الحدّ من سلطات الجيش وضمان العدالة.


إقرأ المزيد:

ثورات عام 2019 في العالم العربي… الجزائر (1/4)

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!