سيرة عنترة بن شداد.. البطل بين الحكاية والتاريخ

سيرة  عنترة من أهم السير الشعبية، لأنها الأقدم في رصدها للتاريخ، فضلاً عن كونها أول الأعمال السردية الشعبية التي يرتبط بها مصطلح “سيرة”، كوصف لرحلة حياة للبطل الشعبي الذي تتبناه جماعته فينوب عنها حاملاً منظومة قيمها وعاداتها وتقاليدها.

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تعدّ سيرة عنترة بن شداد من أكبر الملاحم القصصية التي نسجها المخيال الشعبي وغذّاها الخيال الروائي حتى غدت أسطورة عربية متكاملة البناء شبيهة إلى حدّ كبير بالأساطير الإغريقية.

اختلفت في رواياتها التفاصيل والأحداث ولكنها اتفقت في نسج ملامح البطل الأسطوري، البطل الوجودي الذي يحارب الأقدار ويصارع الأخطار من أجل نحت ذاته وفرضها وسط ظروف قدرية تعاكسه، فقد كان عنترة فارسا وشاعر وحاميا للقبيلة.

أهميتها

سيرة  عنترة من أهم السير الشعبية، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، وذلك، لأنها الأقدم في رصدها للتاريخ، فضلاً عن كونها أول الأعمال السردية الشعبية التي يرتبط بها مصطلح “سيرة”، فهي تأخذنا إلى البناء الذي يقوم على السيري الذي يحمّل السير وصفاً لرحلة حياة للبطل الشعبي الذي تتبناه جماعته فينوب عنها حاملاً منظومة قيمها وعاداتها وتقاليدها.

ويقارن البعض بين سيرة عنترة وسيرة السيّد فارس قشتالة الأسبانية وهو الشخصية التي أحياها كورناي وكذلك الإلياذة عند الإغريق ولا سيما سيرة أخيل التي تشبه كثيرا سيرة عنترة وإن تحولت فـي المخيال الإغريقي إلى أسطورة غير واقعـيّة.

سيرة عنترة تعتبر من أقدم هذه السير نشأةً، والدليل على ذلك؛ هو أنّ معظم هذه السير تشير إليها وتستشهد بها وببطلها بينما لا يحدث العكس في سيرة عنترة، ومع ذلك فإنّ بعض الدارسين مثل فاروق خورشيد ومحمود دهني- يرون أنّ كاتب سيرة عنترة فرد واحد.

صورة متخيلة من سيرة عنترة (الموسوعة العربية الشاملة)

البطل بين الحكاية والتاريخ

وإن جاز القول بأنّ المادة العلمية والتاريخيّة في هذه السيرة يرجع الفضل فيها إلى الأصمعي الذي ولد عام123هـ وتوفي عام210هـ. أما الصورة الروائية للسيرة فإنّها ليست للأصمعي وإنّما هي لشخص متأخر عنه زمنياً, اطّلع على تراث الأصمعي واستغله في صياغة روايته القصصيّة.

والدليل على أنّ كاتب سيرة عنترة فرد واحد يكمن أولاً في البناء القصصي الذي تتسلسل فيه الأحداث تسلسلاً سليماً من أول فصول السيرة حتى الفصل الأخير منها. وليس أدل على ذلك من تلك الإحالات التي يلجأ إليها الكاتب.

ففي الفصل الأول مثلاً يقدّم لنا زبيبة (أم عنترة) ويبرر عدم انقيادها لبقية الفرسان الذين أسروها مع شداد بقوله: وقد أنكرت فهم تلك الأحوال لأنّها من نسل قوم كرام. وبعد ذلك ينتقل المؤلف في كتابة السيرة حتى يصل إلى الفصل الرابع والثلاثين بالمجلد الخامس حيث ينتقل بفارسه إلى بلاد الأحباش ليقوم بسلسلة من المغامرات.

وهنا يذكر لنا المؤلف نسب زبيبة وأصلها وسبب غربتها وهي أنّها بنت النجاشي ملك الحبشان ويرجع نسبها إلى حام بن نوح عليه السلام, وقد غدر بزبيبة الزمان, وحكم عليها القدر أن تقع في يد العربان, وأرسلها إلى بني عبس وعدنان فأخذها شداد وأتت منه بعنترة.

ومع الاقتناع بوحدة مؤلف السيرة فقد أقحم النسّاخ خيالاتهم ورغباتهم للتزيد والحصول على رضى العامة. يثبت ذلك اختلاف نصوص السيرة ما بين حجازية وشامية وعراقية معنى هذا أنّ نظرية التراكم الملحمي يتفاوت انطباقها من سيرة إلى أخرى بحيث يمكن تطبيقها تطبيقا واسعاً على سيرة مثل الزير سالم, بينما قد لا يتاح تطبيقها إلاّ في أضيق الحدود على سيرة مثل سيرة عنترة.

سيرة حافلة بالأحداث والقصص

ترسم السيرة تاريخا حافلا بالحوادث التي وقعت في شبه الجزيرة العربية، ثم تتحدّث عن ولادة عنترة من زبيبة، الجارية السوداء، وشداد بن عبس.

بعد ذلك ننتقل إلى العراق، حيث يدور قتال بين عنترة والملك النعمان بن المنذر، لأنّ الفارس العبسي يريد مهر حبيبته عبلة، وهو عبارة عن ألف من النوق العصافير، التي لا توجد إلا في العراق..

استغرقت السيرة خمسة قرون أو تزيد، واستنفدت في تأليفها حتى تكاملت مرحلة أطول، وهي لذلك تشبه بؤرة العدسة في تجميع المعارف والخبرات والتعابير والروايات والأخبار، ولما كانت الشعوب ليست جزرًا منعزلة عن الجماعات الإنسانية الأخرى، فإن سيرة عنترة تعكس تراكم الثقافة العربية على مدى القرون، ولا تجد بأسًا من تمثل ثقافات أخرى من بلاد فارس ومن بيزنطة وروما ومن قلب أفريقيا”.

ثم تحكي السيرة عن الصلح بين كسرى والعرب وأن عنترة وفد على كسرى وكبر في نظره لما قام به من البطولات وكيف قتل بطل الروم.. حيث أسقط عنترة البطريق، بكعب الرمح، وتفادى رمية غادرة من بهرام الديلمي، فانحرف عنها عنترة وأمسك الرمح بيده وسدده للبطريق فأرداه مضرجا بالدماء.. فرح كسرى بعنترة وأغدق عليه الهدايا.

أثر السيرة في الفن

وقد أثرت سيرة عنترة على كل الفنون، كالحكاية «الحكواتي خاصة»، والرسم الشعبي، والشعر، والغناء والموسيقى.

وتناول الرسم الشعبي «أبو صبحي التيناوي، يوسف حرب، وغيرهما»، سيرة عنترة باعتبارها رمزًا للبطولة والفروسية والإخلاص في الحب، ورفض العبودية والعنصرية والسعي وراء العدالة الاجتماعية والمساواة وتحقيق الذات.

وقد صوّر الرسام الشعبي العربي عنترة، بطل هذه السيرة إلى جانب أبطالها الآخرين «عبلة، شيبوب»، فظهر عنترة في هذه الرسوم فارسًا أسود اللون يمتطي دائمًا ظهر جواده «الأبجر»، ويظهر بالزي الميداني، والشارب الطويل، مجهزًا بالنبال والرماح والخناجر، حاملاً بيده رمحه، ومنطلقًا نحو الهدف.

صورة متخيلة من سيرة عنترة (مكتبة الكتب)

موت عنترة

اختلفت الروايات في وفاة عنترة بن شداد إلا أن أكثرها يميل إلى أن عنترة عاد من إحدى غزواته فأبصره جابر بن وزر النبهاني وهو يدخل دغلا ليتبول فرماه بسهم قتله.

ويزعم كثير من الرواة أن عنترة عمّر حتى بلغ التسعين مما جعله غير مكترث ولا منتبه إلى المخاطر المحدقة به.

انتهت حياة البطل عنترة بعد أن بلغ من العمر عتيًا، ويشبه مماته ميتة أخيل، كفارس يقاتل في التسعين من عمره، في كبره، ومات مقتولاً إثر رمية سهم، وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص من قبيلة طيء.

وكان لامارتين الشاعر الفرنسي معجبًا بميتة عنترة الذي ما إن أصيب بالسهم المسموم وأحسّ أنه ميت لا محالة، حتى اتخذ خطة المناضل – حتى بعد مماته – فظل ممتطيًا صهوة جواده، مرتكزًا على رمحه السمهري، وأمر الجيش بأن يتراجع القهقرى وينجو من بأس الأعداء، وظل في وقفته تلك حاميًا ظهر الجيش والعدو يبصر الجيش الهارب، ولكنه لا يستطيع اللحاق به لاستبسال قائده البطل في الذود عنه ووقوفه دونه، حتى نجا الجيش وأسلم عنترة الروح، باقيًا في مكانه، متكئًا على الرمح فوق جواده الأبجر.

صورة متخيلة من سيرة عنترة (رصيف 22)

المصادر:

1/ محمد فهمي عبد اللطيف، أبو زيد الهلالي، دار المعارف، سلسلة اقرأ

2/ سيرة عنترة، موقع كتابي

3/ آلاء حسن، الحياة اللندنية

4/ د. محمد الجويلي ،العرب القطرية

5/ الرأي الكويتية

6/ ملحق جريدة الثورة

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!