التمرّد العاهر في النظام الأبوي.. بين المريميتين العذراء والمجدلية

أيهما أكثر تضحية ومساهمة في حركة التاريخ، العذراء الصامتة والمنتحبة التراجيدية، أم المجدلية المجاهرة والمقاومة والمدافعة عن رسالة الرب؟!.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن فكرة عدم الخضوع للمجتمع وقوانينه، دائماً ما يتم وصفها بالعهر، وبالأخص عندما يكون التمرد مرتبط بمحاولة تحقيق عدالة جندرية. من الصحيح أن السلطة السياسية للمجتمعات تنظر لفكرة التمرد بعين الكارثة لكن بالمقابل هناك نظرة نديّة لهم.

رؤية تفاخرية للنديّة الذكورية

عندما تقوم ثورة على سلطة ما فإنه يتم النظر إليها من زاوية تنافسية يجب إبادتها، لكن مع هذه الإبادة هناك رؤية تفاخرية للنديّة الذكورية من كلا الجهتين المتصارعتين حول السلطة. لكن مع وجود عنصر أنثوي فاعل في أي صيغة تمردية فكرية تاريخية أو مجردة أو واقعية مباشرة، يتم تشويه هذا التمرد ومحاولة إعادة هيكلته ليكون ضمن التابو الذكوري، وإن لم يكن بالمستطاع إدخاله فيه، يكون وصفه بالعهر المستمر هو أولوية ثقافية.

وصف التمرد الأنثوي من منطق عاهر

التاريخ يذكّرنا بالكثير من تلك الحالات التي وصفت التمرد الأنثوي من منطق عاهر بكل مسمياته الثانوية (هرطقة، إخلال بالمجتمع) حتى أن تاريخ العدالة الأدبية (روائي أو توثيقي) من باب نقدي كان يتم تحميل المرأة ذلك السلوك العاهر من أجل تفنيد السلطة الأبوية، كمدام بوفاري، وكاتيوشا في البعث لتولستوي، وجان دارك، وأزميرالدا في أحدب نوتردام لهوغو.

رغم ما تحتفي به تلك الرؤى الأدبية من موقف جدي لضرورة تحرير المرأة وتشريح الاستبداد الذكوري، لكن كان دائماً هناك صناعة لتحميل المرأة موقف الضحية من أجل رفع النقد اتجاه السلطة الأبوية.

لفهم هذا التمرد العاهر وتشويهه التاريخي في النظام الأبوي، سنكتفي بالحديث سريعاً عن حالة في التاريخ وهي ليليث وحواء قبل أن نتحدث عن المريميتين، العذراء والمجدلية.

شخصية ليليث

يتحدث العهد القديم عن شخصية ليليث، الزوجة الأولى لآدم (بحسب المدراش، الكتاب المقدس لليهودية). فهي المتمردة التي أرادت أن تكون جزءً منافساً لآدم، ليليث الأسطورة التي لم تخضع، إنها الند الأزلي لوجهة نظر الذكورة، إنها متحررة، منطلقة، وتحمل طيشاً وصفته الأساطير بالعهر، لكن تحررها ذاك أسقط عنها كل مقومات حواء.

مع وجود عنصر أنثوي فاعل في أي صيغة تمردية فكرية تاريخية أو مجردة أو واقعية مباشرة، يتم تشويه هذا التمرد ومحاولة إعادة هيكلته ليكون ضمن التابو الذكوري، وإن لم يكن بالمستطاع إدخاله فيه، يكون وصفه بالعهر المستمر هو أولوية ثقافية.

فأن تكون المرأة ليليث فهي قطعاً أبعد من نسق الأمومة والحب والخضوع، إنها أبعد من حواء وآدم مجتمعين، رغم أنها وُجِدت قبل اليهودية بكثير في الأساطير السومرية (ليليث) وفي الأكادية (ليليتو) ووصفها بالشهوانية والتمرد والغواية.

لكن حواء على النقيض تماماً، فهي الأم والتاريخ والمستقبل وهي التي تضحي وتتألم وتنجب وتربي وبالمقابل تأخذ نصيب الأسطورة في الدعم لأنهار تجري من تحت أقدامها، إنها مقدسة في النظام الأبوي لأنها كيان أقل، وغير منافس لا فكرياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً، والأهم غير متمرد، وخاضع لمرضاة الذكر.

بعيداً عن قبول فكرة ليليث كواقع أو أسطورة، لكن ذكرها المجرد في الوعي العام ووصفها بالعهر وعدم الخضوع لآدم، يجعلها مخطئة للأبد، ووصف أي امرأة تحاول التمرد على القانون الأبوي فهي ليليث في الوعي العام، تماماً مثلما جرى قبل ألفي عام وتشويه الصورة للمريميتين، العذراء والمجدلية في حياة المسيح.

مريم العذراء

لقد صوّر التاريخ الثقافي الديني كلتا المرأتين بنسقين مثالي وعاهر، فالعذراء المثالية، هي التي لم يمسّها رجل، ولم تقم بفعل جنسي كخطيئة، هي الأم المقدسة والمضحية، والثكلى الحزينة على ابنها المصلوب، والباكية والمتحمّلة كل مشاق الروح من أجل رسالة الرب الكبرى، جميع تلك الأشياء صوّرت العذراء ككيان ملهم ويرضى عنه المنطق الذكوري التاريخي، إلى درجة أن الرسول محمد قد وعده الله في آية 5 من سورة التحريم “عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً”، وبحسب التفاسير للطبراني وأبي هريرة وابن كثير وابن بريدة، أنّ الثيب هي آسية زوجة فرعون، والبِكر هي مريم ابنة عمران والدة عيسى.

هذه المنزلة الرفيعة التي أخذتها العذراء في التاريخ الديني والثقافي، هو في حقيقته ليس أكثر من دور رمزي جداً ولا قيمة فعلية له على الأرض سوى إنجاب عيسى والتألم الداخلي والحفاظ على نفسها من الخطيئة.

إنها لا تختلف عن أي امرأة أخرى في الدور المنوط بها داخل النظام الأبوي وهو الإنجاب من أجل حمل رسالة، بالطبع تختلف رسالة عيسى عن أي رسالة أخرى لأي فرد آخر، لكنه في المضمون ليس أكثر من مهمة شاقة داخل الحياة للجميع.

بمعنى مريم العذراء لم تتخذ فعلاً هجومياً ورفضياً في السلطة الأبوية، كل ما فعلته هو ممارسة التراجيديا الأمومية السلبية مثل جميع النساء، إنها لم تفعل ما فعلته المجدلية مثلاً التي وُصِفت فيما بعد بالعهر ومحاولة تشويهها في النظام الديني الأبوي.

مريم المجدلية

فالمجدلية هي المرأة الوحيدة الحوارية، التي آمنت بعيسى، وجاهرت بذلك الإيمان، ومن أجله عارضت سلطة المجتمع الذكورية وأهلها وغادرت معه، وهي التي شهدت صلبه، ومنعت الحواريين من الكِفر بعودة عيسى للحياة وقيامته بعد دفنه، وهي التي ساعدت بإنزاله وتغسيله ودفنه وجلوسها عند القبر يوم قيامته، بينما العذراء ما فعلته كان البكاء على وليدها فقط.

رغم ما تحتفي به تلك الرؤى الأدبية من موقف جدي لضرورة تحرير المرأة وتشريح الاستبداد الذكوري، لكن كان دائماً هناك صناعة لتحميل المرأة موقف الضحية من أجل رفع النقد اتجاه السلطة الأبوية.

المجدلية قاومت سلطة ليست فقط اجتماعية، بل دينية (وثنية وتوحيدية) وسياسية واقتربت للتضحية بنفسها من أجل إيمانها بالرب وبرسالة عيسى، ومع ذلك قام المجتمع الأبوي اللاحق بوصفها كعاهرة، لأنه ببساطة لم يصدق ولا يريد أن يفهم أن دور المرأة هو أقوى من دور أي ذكر، ولا يختلف عنه أبداً. فأعطى العذراء تقديساً مطلقاً، وأعطى المجدلية انحطاطاً أبدياً، ولم تكتف الأبوية بهذا التقسيم لديها، بل تحول أكثر الداعمين لهذا التقسيم بواسطة المرأة المعاصرة المؤمنة.

أيهما أكثر تضحية

بالمقارنة الواقعية كفعل مؤثر في حركة التاريخ، فأيهما أكثر تضحية ومساهمة، العذراء الصامتة والمنتحبة التراجيدية، أم المجدلية المجاهرة والمقاومة والمدافعة عن رسالة الرب؟!.

الموقف التمردي للمجدلية وثوريتها جعل منها خارج نطاق التابو الأبوي المرسوم للمرأة تاريخياً، ووصفها بالعهر هو فقط لأنها اتخذت موقفاً لم يناسب المجتمع والسلطة بذلك الوقت، كانت مُقدَّمة على الجميع؛ حتى أن بعض المتفقهين المعاصرين في الأديان حاولوا أن يُلغوا صفة العهر عنها، فألبسوها حلة جديدة لا تختلف عن سابقتها وهي أن تكون زوجة عيسى، بمعنى أرادوا لها أن تكون في الدور الذي فرضته السلطة الأبوية وهي الأم والزوجة التي تكون تابعة للزوج. حتى عندما أرادوا إنصافها فقولبوها ضمن الرؤية التقليدية وأخضعوها للنسق الذكوري.

عملياً إن إطلاق صفة التقديس على المرأة وإعطائها جسدياً وروحياً الصبغة المثالية العاطفية (الأمومية أو الأسرية أو الصابرة والمسامحة والعاشقة) ليس رفع لمكانتها أبداً، بل هو ببساطة إخضاعها تاريخياً وثقافياً لتلك السلطة التي تريد أن تبقى في المكانة الأعلى؛ وقبول المرأة لنفسها تلك الرؤية المثالية، يعني سقوطها فعلياً في عالم التهميش، وما الأدوار التحررية السياسية والتجارية والثقافية في عالم اليوم الذي تقوم بها المرأة من مشاركة ليس أكثر من إيهام بتحررها الكلي.

إن عدم تغيير آلية الفهم والتفكير الأنثوي لدورها العاطفي والأسري، لن يجعلها أبداً سوى واهمة في التحرر.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!