fbpx

محمد حسنين هيكل يتساءل بعد مبارك وزمانه.. مصر إلى أين؟

هيكل يتحدث عن مجموعة الظروف التي أدت للثورة، من استعصاء سياسي سببه استمرار حكم حسني مبارك لخمس فترات انتخابية، ومشكلة التوريث لولده جمال، واستعصاء اقتصادي يظهر به تحكم مبارك والعصابة المحيطة به في مصر ومقدراتها، وفساد مستشري سماه هيكل دولة الفساد وليس فساد دولة.

0

الكاتب: محمد حسنين هيكل.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: دار الشروق/ط١، ورقية، ٢٠١٢م

محمد حسنين هيكل رجل غني عن التعريف، نستطيع القول إنه شاهد على القرن العشرين بكل ما فيه، كان في صلب الصحافة وما تعنيه من تماس مع السياسة، وبعد ثورة تموز 1952 في مصر، صار في صلب السياسة العالمية بحكم وجوده بجوار الرئيس جمال عبد الناصر.

كان شاهدا على سقوط فلسطين بيد الصهاينة كمراسل حربي في فلسطين 1948، وشاهدا على ثورة محمد مصدق في إيران، وثقها في كتاب إيران فوق بركان، وشاهد على الحروب العربية الإسرائيلية 1948و1967 و1973، وأرّخ لهم في رباعية موسوعية، أرّخ للمفاوضات السرية بين العرب واسرائيل في ثلاثية مهمة، وكتاب خريف الغضب عن السادات، وكتاب عن الثورة الإيرانية: مدافع آية الله، وكتاب عن حرب الخليج، غير متابعته المباشرة بمقالات كثيرة وكتب أخرى متنوعة، إنه كنز معرفي لن تتوقف الأجيال عن الغرف من معينه.

الكتاب عبارة عن مجموعة مقابلات تلفزيونية وصحفية من بداية الثورة المصرية ٢٠١١ وبعد مضي سنة عليها.

أولا: الأسباب العميقة للثورة المصرية.

هيكل يتحدث عن مجموعة الظروف التي أدت للثورة، من استعصاء سياسي سببه استمرار حكم حسني مبارك لخمس فترات انتخابية، ومشكلة التوريث لولده جمال التي كانت أمرا واقعا، سواء من خلال وجوده كمؤثر مركزي في الحزب الحاكم، أو من خلال تحكمه في الوزارة.

واستعصاء اقتصادي يظهر به تحكم مبارك والعصابة المحيطة به في مصر ومقدراتها، وإن البلاد تعيش في حالة (حافة الهاوية الاقتصادية)، مديونية داخلية تصل لأكثر من مئتي مليار دولار، ومديونية خارجية تتجاوز أربعين مليار دولار، وأن تشغيل الأموال تستهلك أكثر من عشرين بالمئة من الإنتاج الوطني، والبطالة وصلت لحوالي عشرين بالمئة.

وفساد مستشري سماه هيكل دولة الفساد وليس فساد دولة، الفساد مقوْنن بحيث تم تحويل الدولة وفق قوانين على قياس الحاكم وعصبته، لتبرير الوكالات الخارجية والخصخصة، التي حولت البلد مملوكة لناهبي البلد، وتوجت بشراء أراضي الدولة بأبخس الأثمان.

اقتصاد على حافة الإفلاس يحل مشكلاته بمزيد من القروض، تزيد من غرق البلاد وفرض القيود والالتزامات عليها، والتي تلغي الاستقلالية وتؤكد التبعية وتصادر القرار الوطني، وتصبح مصر دولة ترتبط بمعاهدات تضرب الأمن الوطني المصري مثل معاهدة كامب ديفيد مع “إسرائيل”، وتبرم عقود اقتصادية كعقد الغاز مع “إسرائيل” الضار بالمصلحة المصرية.

كانت الدولة شبكة من المصالح على رأسها مبارك وعائلته (تقدر أمواله بأكثر من خمسين مليار دولار)، وشبكة مصالح مع دول الخليج والغرب و(إسرائيل)، السلطة المصرية التي كانت تبيع مواقفها السياسية، مما أدى لتحجيم مصر وإلغاء دورها العربي والإفريقي والعالمي، فهي صامتة عن ما يحدث في فلسطين وغزة وجنوب لبنان والعراق، وأصبحت عماد سياسات أمريكا وإسرائيل في المنطقة، وفي مصر أصبح الشعب يرزح تحت حدّ الفاقة والحالة الاقتصادية المتردية وتشرده في العالم باحثا عن اللقمة.

ثانيا: الأسباب المباشرة للثورة المصرية

يتحدث هيكل عن الأسباب المباشرة للثورة، أولها التقدم العلمي والتكنولوجي والاتصالات والفضائيات وعصر الانترنت، وثانيها شجاعة واندفاع الشباب في مواجهة الخوف، وأن كل الأسباب الموضوعية السابقة دفعت للثورة وجعلتها ممكنة وحصلت وأسقطت حكم مبارك.

وعند الحديث عن واقع الثورة ميز هيكل بين ثلاثة أطراف في الثورة:

1/ اعتبر هيكل الجيش هو الطرف الأول في المعادلة، فالجيش بالبنية والدور من المفترض أنه حامي الدولة خارجيا وراعي الدستور داخليا، وأكد أن الجيش المصري كان مهمشا بقرار سياسي، ضمن مقولة لا حرب بعد حرب 73، وهذا قرار استراتيجي أعاد مصر لتقبل كل ما يحصل معها وجوارها وخاصة من “إسرائيل”.

وكانت مصر ضحية معونة الأمريكان، أكثر من مليارين دولار نصفهم دعم عسكري حول الجيش لمجرد قوة بلا أي دور، وأن الجيش عندما مسك الحكم مؤقتا كان مسكونا بهاجس أنه بحاجة لحل سريع، وتعود الأمور لما كانت عليه بتبديل رئيس برئيس، وكانوا مستعجلين مع العلم أنهم مشتركين مع سلطة مبارك – لكونهم جزء من الدولة – بكل موبقات الماضي ومآسيه.

2/ الطرف الثاني هم الثوار الشباب، وكون الثورة كانت ثورة للحرية والعدالة والتقدم، وكون هؤلاء الشباب دون قيادة، ودون تنظيم ودون فكر مركزي يؤسس ويوجه، وهناك أيضا الحالات السياسية السابقة على الثورة (أحزاب وغيره) بحضورها، الرمزي لليسار، والفاعل للإسلاميين وبعض الحركات الشبابية، وكلها لا تمتلك الرؤيا المستقبلية ولا تعرف ما الذي تريده بالضبط؟ وكيف تصل إليه؟.

لذلك كانت الحالة السياسية في سيولة كبيرة والكل يتحرك ويعبر، وأصبحنا أمام استعصاء تعدد الرؤى والتعبير عنها بالحركة في الشارع من الشباب والقوى السياسية السابقة التي صارت جزء من الثورة إضافة للجيش.

3/ لا تكتمل الصورة دون الحديث عن من قامت الثورة ضدهم، فالثورة لم تصنع شرعيتها، ولم تقم بعملية محاسبة وتطهير مطلوبة في كل ثورة، فالمحاكمات كانت وفق قوانين قامت الثورة ضدها؟!!،

حوكم الرئيس وفق قانون هو واضعه ليحميه؛ وليس على سياسات دمرت البلد سياسيا واقتصاديا وكدور ومستقبل، سواء بنهب الاقتصاد أو ارتهان السيادة للخارج أمريكا وإسرائيل ، لقد استقر الوضع لكل أركان الحكم السابق كل في موقعه ومنصبه، بدؤوا يستوعبوا الصدمة ويتحركون  وحلفاؤهم ليعيدوا الكرة ويستنسخون شكل الحكم ذاته ولكن بواجهة جديدة.

4/ لقد أخذ حراك الأطراف على الأرض بوعي من أركان النظام السابق وبغير وعي من أطراف الثورة، كان المطلوب أن يكون هناك جردة حساب للشعب عن المرحلة السابقة وكل رموزها وكل الأفعال التي قامت بها داخليا وخارجيا، يجب أن يعرف الشعب وشبابه على ماذا ثار وماذا يريد وكيف يصل إليه، كل هذا غيّب.

5/ حصل حراك موتور ومتواتر للتقدم بأي صيغة للحل، طرح أن يكون هناك مجلس رئاسي وأمناء للشعب المصري يقود المرحلة الانتقالية ولم يتم التجاوب.

6/ طرحت فكرة التعديلات الدستورية، رغم أن الدستور بحاجة لتغيير كامل، وعمل على دستور جديد أنتج بشكل غير توافقي زاد البلبلة والصراع، ورفض البعض الدستور، وعمل على موضوع الانتخابات النيابية، لتؤسس للشرعية، وحصلت وألغاها القانون الذي من المفترض أن الثورة قامت عليه لإلغائه، وعملوا على انتخابات الرئاسة وحصلت وكانت استقطابا جديدا وتباعدت الأطراف ودخلت البلاد في حالة من الضياع.

7/ عند هذه المرحلة ينتهي الكتاب وعند الجواب عن السؤال ما العمل.؟!، يقول هيكل هي مهمة الشباب الذين قاموا بالثورة عليهم أن يجيبوا على ما العمل؟

وقدم خريطة للواقع الذي يجب مواجهته، واقع يجب أن يعرف به كل ما يتعلق بالدولة والمجتمع والارتباطات الخارجية والحقائق الاقتصادية، والقيود على الدولة والمجتمع، وأن الجيش ليس شريكا بالحل بل راعيا له، وأن البدء يجب أن يكون من تأسيس مجلس يرعى تشكيل دستور توافقي، وما ينتج عنه من تعديلات في القوانين، يؤدي للوصول الى مجلس نيابي منتخب، وبعدها الى انتخابات رئاسية، في دولة برلمانية رئاسية، السلطة الفعلية للبرلمان ولحكومة الاغلبية والرئيس فخري.

8/ ما لم يقله الكتاب أن الصراع بين الثوار والجيش سيجيّر ليكون بين الثوار أنفسهم، من استلم الحكم؟، ومن صار معارضة؟، وليغير هذا الصراع من وجهه السياسي، ليصبح اجتماعي عقائدي وجودي، (علماني إسلامي) ليتطور بفعل فاعل ليصبح (مجتمع ضد الإرهاب)، ولتدخل مصر ضمن حلقة جهنمية من الصراع الأهلي.

9/ ما لم يقله الكتاب أن النظام السابق الموجود اصلا بكل مفاصل الدولة، والمدعوم دوليا وعربيا و”إسرائيليا” بالمال وبكل الوسائل، سيتحرك ليلغي الثورة، ويشيطن بعضها (الإسلاميين) و يحولهم لإرهابيين ويطاردهم في الشوارع ويقتلهم تحت نظر العالم ومباركته، وليأخذ بعض العلمانيين لطرفه وجوها لاستهلاكها إعلاميا، تندد بالإسلاميين وتبارك قتلهم، وتمارسه مع الداخلية العائدة بمليون من البلطجية والشرطة السريين، تقتل وتحرق وتزرع الفتنة في كل مصر، ولا تنسى أجندتها قبل الثورة: خلق الفتنة الطائفية وبدأت بحرق الكنائس، والاعتداء على الأقباط.

10/ ما لم يقله الكتاب أن الشعب المصري خرج لحريته، قد يكون جاهلا بحكم الواقع لكنه يتعلم بدمه، قد يتوه جزء من الطريق، لكنه لن يتوه كل الطريق. وأنه خرج من أجل الحرية والعدالة والتقدم والديمقراطية، وطالما أنه لم يحققها فهو مستمر بثورته.

نعترف أن الردة على الثورة انتصرت في جولة. المهم نهاية الحرب.

مصر منصورة بثورتك الرائعة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!