علي الزيبق.. سيرة الفارس النبيل

تعدّ سيرة «علي الزيبق» من أشهر النصوص الشعبية التي سجلت في لحظةٍ تاريخية فارقة اتحاد الوجدان الشعبي في مواجهة الاستبداد والفساد وظلم الحكام بسلاح السخرية والهجاء والتواري خلف الرمز ومجازية الخيال.

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

يكشف الدكتور محمد رجب النجار في كتابه «حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي» الأصول الحكائية والسردية التي تحورت عنها سيرة «علي الزيبق»، ويوضح أن عمليات نقل متواصلة ضمن التراث الشفاهي وحكايات التراث الشعبي، أدت عبر عملية تثاقف معقدة إلى انفصال هذه المجموعة من الحكايات واستقلالها في متن حكائي منفصل.

أهميتها

يوضح محمد سيد عبد التواب أن “هذه سيرة أشطر الشطار علي الزيبق في تراثنا الشعبي، سيرة الثورة على غياب القانون وفساد الحكم ولصوص السلطة، ومغتصبي أقوات الناس وأحلامهم”. و”وثيقة فنية بالغة الدلالة أطلقها الوجدان الشعبي يغوص في أعماق الحياة المصرية، في بنيتها التحتية والفوقية فيكشف التناقضات الاجتماعية الصارخة ويعري جهاز الحكم في البلاد، عبر ملاعيب وحيل شاطر الشطار “علي الزيبق” بلا قدرات خارقة، ولا استعانة بساحر أو جني، يناوئ بها الحاكم.

وتمتعت سيرة علي الزيبق بشعبية جارفة، ولم تقتصر شعبيتها على أهل مصر بل أصبحت محط إقبال كبير من سكان الولايات العربية التي اتخذت منها وسيلة لانتقاد الاحتلال العثماني بكل شخصياته ومؤسساته، بداية من السلطان الجائر مرورا بالولاة المرتشين الفاسدين وحتى أصغر جندي تركي فيقول الراوي: “أيظلمني الزمان وأنت فيه؟، وتأكلني الذئاب وأنت ليث؟”

كما انتشرت سيرة علي الزيبق في مصر والشام لتصبح رمزا للمقاومة الشعبية في المنطقة العربية، وبرع رواة السير في طرح منظور البلدين للبطل الذي سيخلصهم من الاستبداد العثماني، لذا ظهرت النسخة المصرية تحت اسم “سيرة علي الزيبق المصري”، وخرجت النسخة الشامية تحت اسم “قصة علي الزيبق المصري الشامية الكبرى”.

علي الزيبق” في التراث الشعبي

ربما تعود أقدم إشارة لشخصية “علي الزيبق” في التراث الشعبي إلى النص السردي الأعظم في الثقافة العربية «ألف ليلة وليلة»، ضمن قصص وحكايات المجموعة المصرية التي استطاع الباحثون تمييزها ضمن مجموعات أخرى، فارسية وبغدادية وفاطمية، الحكايات التي جمعت باسم “حكايات علي الزيبق وأبوه حسن راس الغول، وما جرى لهما مع دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة”.

وكانت الدكتورة سهير القلماوي في دراستها «ألف ليلة وليلة ـ دراسة وتحليل» قد أشارت إلى هذه العلاقة بين الشخصيات التي وردت في قصص «ألف ليلة وليلة» (علي الزيبق، حسن راس الغول، فاطمة الشريفة، أحمد الدنف، المجوس عباد النار، دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة) وبين السيرة المستقلة التي عرفت باسم بطلها “علي الزيبق”.

لوحة من الفن الشعبي لعلي الزيبق (صباح عربي)        

موجز للسيرة

تبدأ سيرة «علي الزيبق» بصراع أبيه المقدم حسن راس الغول مع المقدم صلاح الكلبي على مقدمية درك مصر، وينتصر فيها صلاح الكلبي بالخداع وبالدسِّ، فيقتل المقدم حسن بعد أن يضع له السم في الطعام، وتخاف زوجته فاطمة الزهراء وتتخفى عند أبيها قاضي الفيوم نور الدين، وهناك تضع مولودًا كفلقة القمر، تسميه عليًّا، وشرعت تعده إعدادًا فروسيًّا يليق بولد حسن راس الغول، ثم بعثته للأزهر لتلقي العلوم على يد شيوخ مشهود لهم، وبات يهرب من هناك ويذهب إلي أرض الرميلة «حيث يتصارع الفرسان، ويتبارى أرباب الحيل فيلعبون بالسيف والترس والدبوس».

استهوت هذه البيئة «علي الزيبق» وسرعان ما اعترف له كبار الشطار بالمهارة والحذق وأطلقوا عليه لقب الزيبق.

اصطدم «علي» برجال صلاح الكلبي سريعًا (دون أن يعرف أنه قاتل والده) بسبب انتشار ظلمهم وطغيانهم على الناس في الشوارع والأسواق، وطمعًا في القضاء على ظلم صلاح الكلبي وأعوانه دخل على الزيبق في صراع طويل، بدأه بالتنكر في هيئة خادم استطاع من خلاله الدخول إلى قصر صلاح الكلبي، يتلقف أخباره ويسبقه إلى حيث يذهب ليضرب ضربته ويهرب من بين يديه في سرعة ومهارة، ثم يتنكر في هيئة امرأة لعوب، يسيل عليها لعاب الكلبي، وما أن يختلي بها حتي يكشف «علي» عن نفسه، فيوثقه ويعذبه ويتركه لأعوانه مقيدًا، وسريعًا يرجع إليه متنكرًا في هيئة طبيب يهودي يعالج الكلبي من جروحه، فيذيقه مرارة الذل والعجز، ومرة أخري يسبقه إلى الحمَّام الذي سبق أن أمره به وهو في هيئة الطبيب ليدسَّ له الزرنيخ على الصبغة، فيتساقط شعر رأسه وحواجبه، ويصبح الكلبي أضحوكة المصريين، ويذيع خبر الزيبق بينهم ويصبح بطلًا يذهبون إليه ليرد مظالمهم ويقيم العدل بينهم.

صورة متخيلة من السيرة (الجزيرة)

ويعلم السلطان بنبأ «علي» وألاعيبه فيرسل في طلب الكلبي، ولكن يتستر عليه المحتسب ووالي مصر لاشتراكهما معه في المظالم.

وتبدأ مرحلة جديدة يستعين فيها الكلبي بأخته، التي توقع بالزيبق بسبب شهامته، ويلفُّ الكلبي ورجاله حبل المشنقة حول رقبة علي في ميدان عام، ويتجمع الناس ليروا نهاية الشاطر علي ناسين أو متناسين أن «عليًّا» بطلهم، وأن الحبل حول رقبته جزاء له على دفاعه عنهم، وتمضي الدقائق ثقيلة بين لامبالاة الناس ودهشة «علي»، وكعادة الأساطير والحكايات الشعبية يظهر فارس مغوار، يصول ويجول بين رجال الكلبي قاتلًا منهم الكثير، فيحرر «عليًّا» ويمضي به وسط ذهول الناس الذين يطلقون على الفارس اسم أحمد ابن البني ويلقبونه بغفير مصر.

وتكون المفاجأة من نصيب «علي» أيضًا، عندما يعلم أن الفارس المغوار ما هو إلا أمه فاطمة الزهراء بنت القاضي نور الدين التي عُرفت فيما بعد بفاطمة «أنثي الأسد»؛ لدفاعها عن «علي» مثل دفاع «أنثي الأسد» عن الأشبال، التي تلومه على عدم إشراكه للناس في قضيتهم وهو سر لامبالاتهم بشنقه، وتعرِّفه علي المقدم أحمد الدنف الذي يتعلم منه أصول الشطارة.

ويتحول علي الزيبق إلى الجهاد بوعي مستيقظ، فيحارب الكلبي والمحتسب (وزير المالية والاستثمار في هذا الزمان) لبيعهما أراضي مصر لدليلة المحتالة رسول الفرس إلى أرض العرب، وتبدأ مرحلة جديدة من سيرة علي الزيبق يحارب فيها دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة التي توقعه في ألاعيبها بغرض مساعدة أمها، ولكنها سرعان ما تقع في حبه وتنمو بينهما علاقة غرام تصبح أفضل قصص ألف ليلة وليلة تنتهي بالزواج بأمر من سلطان بغداد.

انتهت سيرة “علي الزيبق” بعدم قبول البطل منصب قيادة الشرطة في مصر وتفضيله البقاء بين البسطاء، لأنه لا يخشى نهاية أبيه بقدر ما يخشى أن تغيره السلطة، فيتحول يوما إلى ذلك الظالم الذي وقف ضده بالأمس.

صورة متخيلة من سيرة علي الزيبق (جريدة الجريدة)

علي الزيبق… الفارس النبيل

هو أحد أشهر الشطار والعيارين في السير الشعبية العربية، وصفه محمد سيد عبد التواب بالفارس النبيل؛ هو علي بن حسن رأس الغول، وأمّه فاطمة الزهراء ابنة قاضي قضاة محافظة الفيوم في شرق مصر.

تحدثت كتب التاريخ عن الزيبق، فقالوا إنه كان عضواً في جماعات العيارين في بغداد، بحسب ما ذكره ابن الأثير عنه. وفي كتابه “سيرة علي الزيبق”، يصف عبد التواب العيارين فيقول: “هي جماعات ذات تكتلات اجتماعية لها تراتيبتها الخاصة، وقواعد سلوكها ومساكنها الجماعية التي احتفظت بسرية كاملة قدر الإمكان: فلقد شكلت هذه الجماعات نوعاً من الميليشيات الشعبية”.

ويضيف بأنها “كونت معارضة حقيقية ضد الحكام وطبقة الأثرياء. ومن ثمّ شاركت في ‘الحرب الأهلية’ التي نشبت بين الأخوين الأمين والمأمون في أوائل القرن التاسع الميلادي”.

وقال ابن الأثير في حوادث سنة 444هـ أن العيارين قد انتشروا، وراحوا يأخذون الضريبة من التجار، ويتحكمون بأسواقها، وكان على رأسهم الزيبق.

استحضرت سيرة الزيبق في القصص الشعبية المصرية في عصر المماليك، وروت القصص أنه عاش في أزقة الحواري القاهرية.

يصف فاروق خورشيد في كتابه “علي الزيبق” تلك الفترة الزمنية، فيقول: “سيرة علي الزيبق تقدم صورة حية من حياة الناس، وظروف المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عندما انهارت فيها سلطة الدولة وارتفع إلى مركز السلطان فيها المغامرون، من كل حدب وصوب”.

أما عبد التواب، فيضيف أنّ علي الزيبق حارب الولاة الذين كانوا يستفيدون على حساب الناس، فكان كاللص الذي يحارب لصوصاً. يروي عبد التواب أن القصص الشعبية حوّلت الزيبق إلى ما يشبه “روبن هود” فهو “من العامة يولد بينهم ويتبنى قضاياهم وهمومهم اليومية في معترك الطغاة واللصوص، ليس من أصل ملكي أو فروسي، فهو إنسان عادي يستخدم ذكاءه وقوته وحيله”.

أمّا شعاره، فكان: “ما أخذ بالسرقة لا يسترد إلا بالسرقة”، فأصبح مادة مثيرة للقصص. ومن هنا يخلص عبد التوّاب أنه “لم يكن غريباً أن يتحول الزيبق إلى رمز للأمة كلها يحقق أحلامها في الخلاص من الفساد والظلم من خلال فنّ المقاومة بالحيلة”.

وصف محمد رجب النجار في كتابه “الأدب الملحمي في التراث الشعبي العربي” سيرة علي الزيبق فيقول: “كان رمزا لروح المقاومة الشعبية العربية في مصر، محققا لأحلامها في الخلاص القومي من خلال المقاومة بالحيلة ضد الأنظمة السياسية الفاسدة. تجاوز دوره وبطولته في المقاومة حدود مصريته إلى آفاق أمته العربية دفاعا عن الشام والحجاز والعراق والمغرب العربي، وتحقيقا لآمال أمته الإسلامية.

ويتصور البعض أن شخصية الزيبق شخصية خيالية تمامًا، وهو ما يرفضه المؤرخون، فابن إياس يذكر أحمد الدنف في أحد نصوصه، ويذكر ابن الأثير علي الزيبق وأنه تمكن من الوصول للسلطة عام ٤٤٤هـ.

صورة متخيلة لعلي الزيبق (مبتدا)

المصادر

حكايات الشطار والعيارين في التراث العربي، محمد رجب النجار

الأدب الملحمي في التراث الشعبي العربي، محمد رجب النجار

سيرة علي الزيبق، محمد سيد عبدالتواب

ألف ليلة وليلة ـ دراسة وتحليل، سهير القلماوي

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!