العنف ضد المرأة بين السلوك الفردي والآلية الاجتماعية

هل العنف ضد النّساء، عبارة عن انحرافات سلوكية، يمكن تصحيحها بإجراءات عقابيّة أو تربويّة؟.  وهل لا ترى المعنفة في العنف إلا عنف فردى من الشريك؟.

0
الأيام السورية؛ قسم الأخبار
لوّن العالم برتقاليًا – شعار حملة 16 يوم لمناهضة العنف ضد المرأة

كثيرا ما يجرى التّعامل مع العنف ضد النّساء، على أنّه انحرافات سلوكية، يمكن تصحيحها بإجراءات عقابيّة أو تربويّة.

وهذه النّظرة شائعة وخاصّة بين ضحايا العنف من النّساء. فهن ينظرن إلى العنف الواقع عليهن في إطار تجاربهن الشخصيّة، فلا يرون في العنف إلا عنف فردى من الشريك.

في دراسة استطلعت رأي مجموعة من النّساء في لبنان حول العنف الممارس عليهن انطلاقا من تجاربهن الشخصية “برز تنوع في التّفسيرات من نفسيّة وسلوكيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة… وقد بلغ عدد النّساء اللواتي أعطين تفسيراتهن حول الموضوع 83 امرأة من أصل 93.

أجاب نحو (22% ) منهن أن العنف في أحوالهن عائد إلى شخصية الزوج غير المستقرة وسوء طباعه أو عدم استقراره النفسي حتّى أن البعض وصف هذا الزوج بـ “المريض نفسيا”… (9% ) في المئة من النّساء رددن العنف إلى ضعف شخصيّة الزّوج وما يتبع ذلك من محاولته إثبات ذاته على حساب غيره ولا سيما الزّوجة… (22 %) رددنه إلى أسباب سلوكيّة كالإدمان على الكحول أو المخدرات ولعب الميسر. (15%) فضلا عن الجري وراء النّساء والخيانة الزوجيّة (7 %)، و(25 %) رددنه إلى معايشة الزّوج للعنف في أسرته والتربية الخاطئة التي تلقاها، أو إلى تدخلات الأهل فضلا عن تفوق المستوى الاجتماعي والبيئي للمرأة عن ذلك العائد للزوج… (18%) رددن العنف إلى صفات أخلاقية خاصة بالزوج وهي الطمع، الأنانيّة، البخل، الغيرة، عدم الثقة بالنساء… )4% ) رددن العنف أخيرا إلى مشكلة صحيّة خاصة بهنّ أو بأزواجهن”.

وهكذا فإنّ العنف يجرى النظر إليه انطلاقا من الممارسات الفردية المنظورة. ولاشك أنّ العامل السلوكي الفردي موجود دائما وله تأثير، لكن المشكلة تكمن في فصله عن السياق الاجتماعي والثقافي والتاريخي والذى تتشكل فيه وبموجبه إدراكات واستعدادات على حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.

وبالتالي فإن مقاربة العنف انطلاقا من الاجتماعي وليس الشخصي يساعدنا، بلا شك، على فهم العنف الشخصي ذاته بوصفه نتيجة وليس سببا، على الأقل في كثير من الأحيان أو في أنماط معينة من العنف.

في دراسة شاملة عن العنف ضد النّساء، أجرتها شعبة النهوض بالمرأة في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمانة العامة للأمم المتحدة تم استعراض الأسباب المختلفة للعنف ضد النساء ومنها الثقافي والاقتصادي والسياسي، فضلا عن أوضاع محددة مثل حالات الحرب وأثرها على النساء.

وتخلص الدراسة إلى عدد من النتائج ذات الدلالة، كأن يتم النظر إلى العنف ضد النساء ليس باعتباره انتهاكا أو نتيجة لوضع ما، بل بوصفه آلية اجتماعية: “يعمل العنف ضد المرأة بمثابة آليّة للمحافظة على سلطة الرّجل.

وعندما تُخضعُ المرأة للعنف لتجاوزها القواعد الاجتماعية التي تحكم جنسانية الأنثى والأدوار العائلية، مثلا، لا يكون العنف عنفا فرديا فقط، وإنما يُعزز بوظائفه العقابيّة والتحكميّة القواعد السائدة للعلاقات بين الجنسين.

ولا يمكن أن تُعزى أعمال العنف ضد المرأة إلى عوامل نفسيّة فرديّة فقط أو إلى أحوال اجتماعيّة-اقتصاديّة، كالبطالة، مثلا. وتفسيرات العنف التي تركز بالدّرجة الأولى على السلوك الفردي أو التاريخ الشخصي، كتعاطي المشروبات الكحولية أو التعرض المسبق للعنف، تتغاضى عن الأثر الأوسع نطاقا للتفاوت المنهجي بين الجنسين وتبعية المرأة.

لذلك، يجب أن توضع الجهود الرامية إلى الكشف عن العوامل المرتبطة بالعنف ضد المرأة في سياقها الاجتماعي الأوسع، وهو علاقات القوى”.

وفى الحقيقة، أن هناك ثقافات تعترف بالعنف ضد النّساء، وتقرّ به وترى فيه انحرافات سلوكيّة، ولكن لأنّها تخضع لذات المفاهيم التي تحطّ من قدر المرأة وجسدها، فإنّ جزء من مسؤوليّة العنف الواقع ضد المرأة يقع على عاتق الضحيّة ذاتها.

فالمرأة هي التي تمتلك القدرة على الغواية وبالتالي تشجيع وتدفع الذكور نحو الإتيان بسلوكيات غير مرغوبة.

ونأخذ مثالا على التحرّش الجنسي، فعلى الرّغم من أنّ النّساء هن ضحايا هذا النّمط من العنف في الغالب، إلا أنّ ثمة نظما ثقافيّة تحمّل المرأة المسؤوليّة نظرا لعدم التزامها بقواعد معيّنة. وفى مثل هذه الحالات يجرى الاعتراف بالعنف، كسلوك فردى من رجل ضد امرأة، ولكن في الوقت ذاته يجرى تخليصه من المسؤولية التي تتحملها الضحية. والضحيّة هنا فرديّة ولا شك، ولكن فرديتها لا تعكس وضع أنثوي جماعي قادر على حرف سلوكيات فرديّة.

ويمكن القول بأنّ تصوير العنف ضد النّساء على أنّه انحراف سلوكي، قد يصلح من المنظور القانوني لمواجهة العنف، ولكن بالمقابل فإنّه مضلل لأنّه يخفى حقيقة البنى الاجتماعية والثقافية التي تجعل هذا العنف قائما ومحتملا ومتكرّرا.

مصدر يسرى مصطفى، الأوان  دراسة حول العنف ضد المرأة في العائلة، رفيف رضا صيداوى، جوارى 2001، ، الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة، بيروت 2002، ص 87  دراسة متعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة، تقرير الأمين العام للأمم المتحدة.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!