قُدومُ سُليماني لا يُخيفُنا، وكلُّهم يعني كلُّهم

هل تعني الاحتجاجات الشعبية في كل من العراق ولبنان بداية النهاية للمشروع الإيراني في المنطقة العربية؟ وهل ستستطيع إيران التدخل المباشر في كلا البلدين كما فعلت وتفعل في سوريا؟.

0
بقلم: د. محمد عادل شوك

بدعوى تصدير الثورة، اندفعت إيران من غير هوادة، لبسط يدها على دول الجوار ابتداءً؛ فكانت الحرب العراقية على مدى ثماني سنوات (1980ـ 1988)، ليخرج بعدها روح الله الخميني في: 8 آب/ أغسطس 1988، معلنًا قبوله قرار مجلس الأمن رقم (598).

غير أنّها لم تلتزم جانب حسن الجوار، ومراعاة مبدأ الأخوة الإسلامية، التي طالما تغنّت به، فقامت بمدّ أذرعها بمختلف عناصر القوة، في الدول ذات التداخل الطائفي، واستطاعت في وقت قياسيّ إكمال الهلال الشيعيّ، من إيران حتى لبنان مرورًا بالعراق وسورية، وجعلت من تلك الأذرع مخالب ذات شوكة.

وهو الأمر الذي حذّرَ منه العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في حديث له إلى الواشنطن بوست في أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة في أوائل شهر: كانون الأول/ ديسمبر 2004، مثلما حذَّر منه الباحثون و المفكّرون، كالدكتور عبد الله النفيسي، الذي شبّه ما يحدث في دول المنطقة نتيجة التدخل الإيرانيّ، بحريق شبّ في بيت، وإنّه من العبث أن ينشغل الناس بإطفاء ألسنة اللهب، التي هي أذرع إيران، من غير أن يقوموا بإغلاق وقطع مصادر النيران، من البترول والغاز والكهرباء، التي هي إيران نفسها.

وقد تباهتْ إيران مرارًا بما آلت إليه الأمور، من الهيمنة غير الخافية، والمتبنّاة من رجالاتها وصنّاع القرار فيها، و جعلت من فيلق القدس بقيادة قاسم سُليماني، اليد الطولى في الوصول إلى تلك الأذرع.

ولم تكتف إيران بأن جعلت من تلك الدول الثلاث (العراق، سورية، لبنان)، امتدادًا جغرافيًا لها، فعمدت إلى إحداث خرق آخر، ذي أهمية كبيرة، تمثَّل في دعم حركة أنصار الله (جماعة الحوثي)، تمهيدًا لاستيلائهم على مقاليد الأمور في اليمن، في مسعى منها لإطباق فكي الكماشة على المملكة العربية السعودية.

ولما قامت ثورات الربيع العربي أواخر عام 2010، ومطلع 2011، اتسمت المواقف الإيرانية بازدواجية مغلفة بدثار طائفيّ، بشكل غير مخفيّ، من خلال تصريحات ساستها، ومتحدثيها.

جعلت إيران من عباءة أهل البيت ومظلوميتهم، غطاءً لتحرّكها العسكري/ الميليشاويّ، فاستحضرت كل ما حوته قواميسها من التحريض المذهبي من المفردات.

وكان ما كان من خلخلة للبنى الاجتماعية، وتقويض لأسس الدول التي تدخَّلت فيها، وصل إلى حدّ إسقاط مفهوم السيادة لها، كما حصل في سورية، والعراق، ناهيك عن البحرين، والكويت.

ومن أجل أن تصل إلى مراميها في بسط نفوذها على تلك الدول، لجأت إلى كل أشكال التجييش الطائفي؛ فلم تترك نوعًا من أنواع الخطاب التعبويّ إلّا واستحضرتْه، وجعلت من عباءة أهل البيت ومظلوميتهم، غطاءً لتحرّكها العسكري/ الميليشاويّ، فاستحضرت كل ما حوته قواميسها من التحريض المذهبي من المفردات، فكانت كتائب: الزينبيون، الفاطميون، عصائب أهل الحق، أبو الفضل العباس، الإمام علي، النجباء، سيد الشهداء، و الأبدال، وفوق ذلك كلّه أفرع “حزب الله” في عدد من دول المنطقة.

كثيرًا ما تمّ تحذير إيران بأنها قد لبسَتْ ثوبًا مهلهلًا، غير لائق أو مناسب لجسدها، فلم تُصغِ أو تُعِرْ اهتمامًا لذلك، فلم يعنِها حجمُ الشرخ المذهبي الذي أحدثته في جسد العالم الإسلامي، ولم تلتفتْ إلى إزهاقها آلاف الأرواح البريئة، ولم يشغل بالها تدمير البنى التحتية في دول شقيقة لهاـ على حدّ زعمها، و لم يُؤرِّق جفنها آهات الثكالى وأنّات المظلومين على يد الأنظمة التي ساندتها دونما وجه حق، بتلك الميليشيات العابرة الحدود، من جنسيات شتّى.

يرى كثيرٌ من المراقبين أنّ الأمور سواءٌ في لبنان والعراق، وحتى إيران نفسها، ستؤسس لمرحلة يصعب على صانع القرار في إيران تخطّيها، أو القفز فوقها، وهم واهمون إذا لم يقرؤوا المشهد فيها بشكل مختلف بعد الآن.

غير أنّ الأمور لم تستقم لها على ما تريد، فكانت الانتفاضات تتوالى تترى بوجه سياساتها، سواءٌ في الداخل الإيراني أو خارجه.

و لعلّ أشدّها وضوحًا و تأثيرًا ما تشهده العراق منذ: 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وفي لبنان منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، كون الأمر قد جاء مفاجئًا لها، رفضًا لعموم سياساتها في كلا البلدين، التي مارستها عن طريق الأحزاب الشيعية في الأول، وحزب الله وحركة أمل في الثاني، فضلًا على مَنْ استطاعتْ ضمّهم تحت جناحها من المكونات المذهبية، والدينية، والعرقية فيهما.
هذا إلى جانب التظاهرات، التي شملت نحو 150 مدينة وبلدة إيرانية في أكثر من 20 من محافظات البلاد، في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت.

يرى كثيرٌ من المراقبين أنّ الأمور سواءٌ في لبنان والعراق، وحتى إيران نفسها، ستؤسس لمرحلة يصعب على صانع القرار في إيران تخطّيها، أو القفز فوقها، وهم واهمون إذا لم يقرؤوا المشهد فيها بشكل مختلف بعد الآن.

فاللبنانيون اليوم، غيرهم في الخامس من أيار 2008، والعراقيون اليوم، غيرهم في العشرين من تموز 2018، وإنّ إيران ستسمع كثيرًا بعد اليوم على ألسنة اللبنانيين (كلّهم يعني كلّهم، و”نصر الله” واحدٌ منهم)، مثلما ستسمع تعليقًا على مقدم قاسم سُليمانيّ إلى النجف، برفقة 520 رجل أمن إيراني، تزامنًا مع تقديم رجلها عادل عبد المهدي، استقالة حكومته إلى البرلمان ليلة السبت 30 تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!