الوظيفة الاجتماعية لجريمة الشرف

0
بقلم: رولا ابراهيم

في ثقافة مجتمعاتنا تشكّل المرأة مثالاً صارخاً على وضعية القهر بكل ديناميته، حيث تتجمع فيه كل التناقضات. فهي مثال القداسة، كما في حالة إعلاء شأن الأمومة، فتوصف بأنها ينبوع الحنان، ورمز التضحية، ويقابل ذلك تبخيس ونظرة دونية لجنسها ولمكانتها الاجتماعية، فهي أكثر العناصر الاجتماعية تعرضاً للإهانة بسبب جنسها في قيِم هذا المجتمع على صعيد المكانة والإنتاج والفكر والجسد والجنس.
لنقرأ معاً...

في تعبير “جريمة شرف” تناقض كبير وتشويه للحقيقة؛ فكلمة شرف توضع هنا للتضليل، ولإضفاء قيمة أخلاقية على الجريمة، فلا بد من تغيير المصطلح إلى “جريمة قتل”، أو جريمة قتل المرأة فهي مبنية على التمييز الجندري، تُقتل لأنها امرأة، ولأن الإرث المجتمعي قرّر أن شرف المرأة مرتبط بجسدها؛ فلا توجد جريمة مشرفة. الجريمة هي الجريمة. هذه “ازدواجية أخلاقية رهيبة”، حسب نوال السعداوي، تحصل نتيجة استقواء الرجل على المرأة.  فهو يستخدم المكانة والدور اللذين يمنحهما له المجتمع “دون أن يسأله حتى”، وبتواطئ من القانون في قتل المرأة. هناك ما يسمى “الجرائم العاطفية” في الغرب، لكن القانون يعاملها معاملة الجريمة الكاملة.

كيف تقبل بعض المجتمعات وتبارك جريمة قتل المرأة بذريعة الشرف؟

لابد لنوعية الثقافة المنتشرة أن تلعب دورا في الموافقة الضمنية والتواطؤ الذي يُعَبّر عنه بجملة “الحق عليها، أو أبصر شو عاملة”. وعلى الرغم من تنوع العوامل الاجتماعية في نشوء واستمرار هذه الجريمة، فإن الشرائع الدينية ليس لها علاقة، منطقياً يجب أن تكون رادعاً، لا مسبباً.

تجد جريمة قتل النساء تبريراً لها في النظرة الجندرية للمرأة؛ إذ في ثقافة مجتمعاتنا تشكّل المرأة مثالاً صارخاً على وضعية القهر بكل ديناميته، حيث تتجمع فيه كل التناقضات. فهي مثال القداسة، كما في حالة إعلاء شأن الأمومة، فتوصف بأنها “ينبوع الحنان، ورمز التضحية، والجنة تحت أقدامها”، ويقابل ذلك تبخيس ونظرة دونية لجنسها ولمكانتها الاجتماعية، فهي أكثر العناصر الاجتماعية تعرضاً للإهانة بسبب جنسها في قيِم هذا المجتمع على صعيد المكانة والإنتاج والفكر والجسد والجنس.

تعبّر مكانة المرأة عن وضعية القهر التي يعيشها المجتمع ككل. من أقصىى التقديس “الكائن الثمين، مركز الشرف” إلى أقصى حالات التبخيس “المرأة العورة، رمز العيب والضعف والخصاء، وأداة متعة الرجل، وملكية الأسرة من ملكية الأب الى الأخ ثم الزوج، وهكذا.. والتقديس هو الوجه الآخر للتبخيس ..فالتقديس يسلبها كيانها الإنساني بما فيه من قوة وضعف.

فالسيطرة الاجتماعية على المرأة تتم من خلال تقييد قدرتها على الاختيار، وحركة جسدها، وإمكان التحكم فيه، حيث تحولها هذه السيطرة الى أداة للإنجاب والإمتاع، والإنتاج، وكلما كان الرجل أكثر غبناً في مكانته الاجتماعية، مارس قهراً أكبر على المرأة. والأدوار الاجتماعية الأكثر خطورة وحساسية أصبحت مُحمّلة على جسد المرأة مما حرّر الرجل المتسلط ليتصرف كما يحلو له، هي “عاهرة” هو “فحل” والشرف يمكن استعادته على مذبح المرأة.

أي تُستَخدم المرأة للتعويض عن المهانة التي يلقاها الرجل المقهور اجتماعيا، عن قصوره اللا واعي بإسقاطه على المرأة. وتساعد القوانين المدنية والشرائع الدينية في آن معا لخدمة هذا الهدف بما يسمى قانون الاحوال الشخصية.

يقول ميشيل فوكو “إن الدولة الحديثة تسيطر على أفرادها نفسياً من خلال المراقبة”، يمكننا القول أن المجتمع يسيطر على النساء من خلال المراقبة. وهنا التأثير الهائل لجملة “بيحكو علينا العالم” حيث تساهم بالضبط الاجتماعي، هذه المراقبة، حسب فوكو، لها أثر سلبي إذ تمحو الفردية وتشجع الجماعة.. وهذا بالضبط ما لا تحبذه ثقافة هذا المجتمع، وهو الحرية الفردية.

فرض المجتمع الرأسمالي تحرير المرأة، لزيادة القوة الانتاجية في المجتمع، ولم تكن غايته رفع شأنها، لم تكن حربه مع جندرة المرأة حقيقية، ولكن آليات المجتمع المدني في الدول المتقدمة أظهرت الحاجة إلى مكافحة الجندرة، لذلك كلما كانت المجتمعات أكثر تخلفاً كانت أكثر تمييزاً وعنفاً ضد المرأة، الجندرة ليس لها دين ولا وطن لها علاقة بالتخلف الاجتماعي.

طالما النظام الطبقي موجود فهناك ظلم اجتماعي، وبالتالي النصيب الأكبر من الظلم سيكون من نصيب المرأة.

إن جناية “الشرف” أو حتى التهديد بها هي ببساطة فعل عنيف لردع المرأة التي حاولت أن تكون لذاتها، أو التي غرّر بها، فهو فعل إعادة إلى وضعيتها، كأداة تملكها العشيرة، وتنتقل ملكيتها لقاء مصلحة، أو لقاء مقدار من النقود، إلخ.”

وهذا ما يعبّر عنه مصطفى حجازي بقوله: “جناية الشرف بمقدار مأساويتها وبقدر كشفها للقهر الذي تتعرض له المرأة، تشير الى ما يعتمل في بنية العشيرة، من اختلال وتأزم، نابعة عن وصول القهر المفروض على الجميع إلى أقصى حدود”.

وهكذا تكون الوظيفة الاجتماعية لفكرة قتل النساء بدعوى “الشرف” نوع من التهديد لأي امرأة لتكون عبرة لبقية النساء، ولكل من تفكر أن تخرج عن دورها المرسوم لها وهو أن جسدها أداة يحمل معنى الشرف والعار والمهانة، ويتحمل كل هذه التناقضات.

ذلك هو جوهر وضعية القهر التي تخضع له المرأة، ليست أداة لخدمة الرجل فقط بل أداة لخدمة المتسلط أيضاً.

مصدر المقال نُشر بشبكة المرأة السورية بتاريخ 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!