الحضارات ورومانسية الجمال والخيال

هل يمكن أن نقرأ عن حضارة لا يوجد فيها آلهة تتصارع بين بعضها أو مع البشر!؟ وهل يمكن أن نرى حضارة لا وجود فيها لنصوص أدبية دراماتيكية أو فلسفات تراجيدية بطولية!؟ وهل سمع أحد عن حضارة لا يشكل الموت والجنس ثلثي أساسها!؟.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

تتحدد الحضارات بين الباحثين ببعض العوامل ومنها، اللغة والجغرافية، والتي تؤدي لانتشارها وامتدادها، كالحضارة السومرية والفرعونية والكنعانية والفينيقية والأزتيك والإغريق والآراميين والصينيين والهند.

لكن وجود الحضارات لا يعتمد على تلك الرؤية المجردة بامتدادها الطبيعي الجغرافي أو العنصر اللغوي فقط، فشكل الحضارة معقد أكثر من هذا؛ هل يمكن أن نقرأ عن حضارة لا يوجد فيها آلهة تتصارع بين بعضها أو مع البشر!

هل يمكن أن نرى حضارة لا وجود فيها لنصوص أدبية دراماتيكية أو فلسفات تراجيدية بطولية!

هل سمع أحد عن حضارة لا يشكل الموت والجنس ثلثي أساسها!. إنّ كل تجمّع بشري ضخم لا يمتلك هذه الأسس البديهية فلا يمكن إطلاق لفظ حضارة عليه.

يقول ابن خلدون في مقدمته بإيجاز الفكرة، أن هناك بعض الشعوب لا يمكن أن تكون حضارات، وهي أقرب للبرابرة القبليين والبدو الرُحّل، وتأسيسهم لنظام دولة عسكرية ضمن الحضارات لا يجعل منهم مؤسسي الحضارة. إنهم قبائل يمتلكون قوة تجعلهم ينازعون لبناء دول ضمن الحضارات القديمة والممتدة بأدبياتها وفنونها وتشريعاتها، كعرب الجزيرة أو القبائل التركية أو العبرانيين.

هذه الشعوب أسست أنظمة دول عسكرية ضمن الحضارات، وبعضها أخذ مشروعيتها واستمرارها من البُعد الديني اللاحق، وهو ما جعلهم يحافظون على موروثهم الثقافي إلى اليوم.

إن المعيار الأساسي لتشكّل الحضارات هو أدبياتها الجمالية وأساطيرها الخيالية، التي تحدد البناء الثقافي الذي من خلاله يتم تفسير العالم بصيغته القديمة فلسفياً والتي ذكرناها في فهمهم للموت والجنس، كعنصرين أساسيين لتحديد قيمة الإنسان وفكرة وجوده في هذه الحياة.

إن المعيار الأساسي لتشكّل الحضارات هو أدبياتها الجمالية وأساطيرها الخيالية، التي تحدد البناء الثقافي الذي من خلاله يتم تفسير العالم بصيغته القديمة فلسفياً من خلال فهمهم للموت والجنس، كعنصرين أساسيين لتحديد قيمة الإنسان وفكرة وجوده.

وربما المثال الأكثر انتشاراً لهذه الرؤية الفلسفية هو ما تجسده واحدة من أهم النماذج الطبيعية التي نراها في الحضارات وهو القصة التراجيدية دائماً في تحوّل حدث ما إلى أزهار. كاللوتس لدى الصينيين والفراعنة أو التوليب لدى الفرس أو النرجس والزنبق لدى اليونانيين أو الياسمين وشقائق النعمان لدى الكنعانيين.

هذه التحولات الأخلاقية والبطولية في بلاد معينة من خلال ظهور الأزهار والورود وارتباطها مع حدث جلل وقصة حزينة أو انتصارات أسطورية، تحدد مدى فهم تلك البيئات الثقافية الحضارية للعالم المحيط بهم وإنشاء منظومة أدبية لبناء عوالم جمالية لتاريخ تلك الحضارات واستمرارها.

إلى اليوم ما زالت تلك الأساطير مرتبطة بمعنى محدد، فعندما نتحدث عن النرجس ونصفه بالغرور أو الشجاعة والتضحية المرتبطة بشقائق النعمان أو الحب الحزين المرتبط بالتوليب، فهذه الثقافات انتشرت عبر آلاف السنوات وما زالت حيّة وتشكّل أنماطاً من الوعي الحديث الذي هو في الأصل ليس أكثر من إعادة خلق الرومانسية التاريخية بأشكال متطورة. ما زلنا إلى اليوم نعود إلى بدائية الأسطورة لنعبّر عن مستوى من المشاعر التي نعايشها ولدى الجميع باختلاف أيديولوجياتهم.

الأسطورة بطريقة ما تجمعنا إنسانياً بكل وثنيتها، فعندما تشاهد صراعاً طائفياً لمن أحقية المُلك بين سني وشيعي أو مسلم ويهودي أو مسيحي وبوذي أو فقير وغني أو اشتراكي ورأسمالي، لكن الجميع في لحظة العاطفة العميقة يمارس وثنية الوعي الأسطوري التاريخي بالتعبير عن مشاعره بتقديم ورود هي في الأصل نتاج خيالي لشعوب بدائية أسست لحضارة الإنسان.

ما زلنا إلى اليوم نعود إلى بدائية الأسطورة لنعبّر عن مستوى من المشاعر التي نعايشها ولدى الجميع باختلاف أيديولوجياتهم.

هذه الفكرة رغم بساطتها لكنها تجلعني شخصياً انظر لعالم اليوم بطريقة مذلة، وتجعل سؤالاً يظهر إلى السطح، كيف يمكن لنفس الأشخاص المتصارعين على أيديولوجيا محددة أن يمارسوا عمق عواطفهم بالرجوع إلى بدائيات الإنسانية ثم يعودون ليتصارعوا من جديد! أليست هذه البدائية أكثر حضارة وتقدماً وإنسانية من كل الأفكار المبهرة والتطورات التي يتقدمها البشر ويتفاخرون بها!

تشكّل الأزهار في الحضارات واحدة من النماذج الأدبية المُختلقة في الوعي الأول، وتوضح المرحلة الثانية في الحضارات وهي البناء الاجتماعي والعلاقات البشرية فيها، بعد المرحلة الأولى وهي نشوء العالم. فوجود حكاية الزهرة في تلك الحضارات تحدد لنا بدقة كيف كانت طبيعة المجتمع الإنساني وآلية تعاطيه مع مفهومات أخلاقية قديمة، كالحب والشجاعة والرفض للقانون الإلهي الوثني وموت الملوك بعد تحقيق انتصارات وفدائيات البشر وتضحياتهم من أجل الاستمرار الإنساني.

آلاف من السنين مرت على الحضارة الإنسانية وما زالت بدائية المعنى تربط البشر حتى اليوم بعواطف أخلاقية وفكرية تحدد طبائعنا الإنسانية الخيّرة أمام التبجح البشري المعاصر بالتنوع الفكري والثقافي.

ولكم في الأساطير الوثنية أيها الموحدون حكمة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!