خيار الصفر.. رواية تناقش برمزية حل مشكلة الفلسطيني

0

الكاتب: زكريا عبد الجواد.

قراءة: أحمد العربي

2006.ط1.ورقية/ إصدار: الدار العربية للعلوم.

نحن أمام رواية تعتمد أسلوب الخطف خلفا، بدايتها من بطلها “مازن” الشاب الفلسطيني الذي درس في الهند، وعند انتهاء دراسته أراد أن يعود للأراضي الفلسطينية المحتلة عبر بلد عربي كان أخذ منه وثيقة سفر، وبعد مضي خمسة سنوات مدة الدراسة، والتي لم يعد بها أبدا إلى البلاد، ذهب للسفارة ليحصل على رخصة العودة، أخذوا وثيقته السابقة وأخبروه بأنه غير مرغوب به عندهم، ولا يحق له السفر الى بلادهم.

اندهش الشاب وأسقط في يده، طلب منهم تفسيرا، لم يعطوه، خرج يائسا، دار على سفارات عربية أخرى لم تستجب. تواصلت معه السلطات الهندية بعد فترة وأخبرته أن إقامته انتهت وأن عليه المغادرة، وأعطته وقتا إضافيا، ولم يجد أي منفذ، وعندما انتهت المهلة استدعته الشرطة وطالبته بالرحيل، شرح ظرفه فأمهلوه مجددا، ودرسوا حالته وقالوا أن لا أحد يرغب به، لأنه ناشط ضد كل (هذه) الدول.

تذكر نشاطه الطلابي ومواقفهم ـ كطلبة ـ المنددة بكل ما حصل في فلسطين المحتلة وغيرها، نعم لقد رفعوا الصوت و أدانوا الأنظمة، لكنها أصوات تذهب في الفراغ، وهذه الأنظمة لم ولن تغفر.

أصبح مطلوبا للترحيل في الهند، هرب، جاءت الشرطة للبيت وصادرت كل وثائقه الشخصية والجامعية. عاد كائنا بلا هوية كما هو فعلا، لم يعد له شخصية اعتباريه ولا شهادات دراسة ولا أمان، فقد كل ذلك.

استعان بأصدقائه الهنود، ساعده أحدهم و(كان أخا في المعاناة)، إنه من الطبقة المنبوذة، ممن يعملون بالأعمال الدنيا، يسكن في بيت صفيح، لجأ إليه، سكن عنده، وعمل معه مرقص للأفاع أمام الأماكن السياحية الكثيرة في الهند، أمّن السكن واللقمة والهروب من السجن، عاد للصفر الوجودي، لكن أبناء الفقر (مستثمري) الأماكن السياحية والبلطجية نكلوا به وبصديقه وأخذوا نقوده، هرب قبل حضور الشرطة.

نحن أمام رواية شديدة الواقعية وشديدة الرمزية أيضا، نعم ليس للمشكل الفلسطيني حل إلا بالوهم وبالهروب الشعوري، إنه أسوأ الحلول، ولكن ما الذي دفع الفلسطيني إليه؟، إنه ظلم العالم كله، وذوي القربى الانظمة العربية أيضا.

نعم بلادك لا تعترف بك، والظلم الاجتماعي هنا سيأكلك أو يلفظك، عاد مجددا للتشرد، ومن مدينة لمدينة يعيش بعض الوقت، لتلفظه المدينة بملايينها، ويرفض من الفقراء في صراع البقاء، ويصل لمدن لم يحلم بها، يعمل بائع صور للسياح بعد أن كان حاوي أفاع، ثم مدرسا للعربية في وادي اليمن بإحدى المدن الهندية التي تواجد فيها اليمنيين منذ مئات السنين، ولا تسعه الأرض هناك أيضا، ويهرب مجددا.

يستذكر كونه فلسطيني وبعض أرضه سلب واصبحت عليها دولة (إسرائيل)، والبعض الآخر فيه حكم تحت الاحتلال، وأنهم في أرضهم مظلومين وغرباء أيضا، يتذكر أنهم شهداء القرن الماضي، عبر صمت العالم ومساندته للصهاينة على حسابهم كشعب وفي أرضهم فلسطين، يتذكر أنهم مشردين في كل أصقاع الأرض، وغير مرغوب بهم ومظلومين دوما ومضطهدون.

يتذكر أمل أهله بخلاصة من جحيم الاحتلال والفقر والفاقة، وأنه قد يمد الأهل ببعض المال، ويسند نفسه بالعلم، ها هو الآن مجرد هارب في قاع المجتمع الهندي، خائف من الشرطة، وضحية لأعداء من أصحاب هذا القاع أبناء الفقر والتشرد وغياب أسباب الحياة الإنسانية. ترك وراءه حبيبة زوجها أهلها وقتلوا فيه حلما صغيرا.

في الهند وفي القاع بحث عن أي بديل لكنه كان يلفظ دوما، واستمر بالهروب ليدخل الغابة وتوغل أكثر ليصل لبشر بدائيين لم يلتحقوا بالحضارة، وهم على حالهم منذ آدم الأول، تلقفوه وتأملوا فيه وراجعوا أساطيرهم، وجدوه يشبه الإله القادم من وراء الوجود ونصبوه إلها لهم، ووهبوه فتاة كزوجة واحتفظوا به للتبرك.

عاد بذهنه للخلف فهم هناك في الحضارة كشعب مظلومون، وهو شخص مطارد لا تقبل أرض أو دولة به وهنا هو إلإله، تذكر وراءه أهله وأصدقاءه والعلم الذي حصّله والعالم الذي لفظه، تذكر الأمريكية الصحفية التي تعاطفت معه وتواصل معها عبر الإنترنت، والتي يفتقدها ويحس اتجاهها بعاطفة الحب، وإحساس الإنسان المحروم تجاه الآخر المتمكن إنسانيا والمحترم في بلده، يتذكر فيشعر بالغصة، يفكر بالهروب ويقرر لن أعود للحضارة لقد أنكروا حقي الإنساني بالعيش والعمل والحرية والكرامة والعدالة الإنسانية. لن أعود أنا الفلسطيني الطريد في العالم كله.

مالم تقله الرواية أن هناك حلا آخر مارسه الفلسطينيين على الأرض ونمارسه نحن الآن؛ إنه الثورة جواب المظلومين حتى يرفعوا الظلم عنهم ويأخذوا الحرية والعدل والإنسانية أيضا.

في المقلب الآخر تتابع صديقته الأمريكية البحث عنه، تنتصر إنسانيا لقصته وتتابعها، وعند انقطاعه عن التواصل معها تقرر ملاحقة ظروف غيابه، تحضر للهند وتمسك طرف الخيط من حيث تواجد بداية وتتابع لتصل للغابة وتصل له، وتعرف حكايته، وعندما تعطيه حلا للعودة معها إلى أمريكا كزوج يرفض ويصر أن يستمر بالغياب ولو إلها من عصور غابرة.

هنا تنتهي الرواية، وفي تحليلها نقول:

نحن أمام رواية شديدة الواقعية وشديدة الرمزية أيضا، نعم ليس للمشكل الفلسطيني حل إلا بالوهم وبالهروب الشعوري، إنه أسوأ الحلول، ولكن ما الذي دفع الفلسطيني إليه؟، إنه ظلم العالم كله، وذوي القربى الانظمة العربية أيضا.

ما أقرب واقع ثورتنا السورية وشعبنا اليوم من حال الفلسطينيين، كلنا في المظلومية سواء.

.ولكن مالم تقله الرواية أن هناك حلا آخر مارسه الفلسطينيين على الأرض ونمارسه نحن الآن؛ إنه الثورة جواب المظلومين حتى يرفعوا الظلم عنهم ويأخذوا الحرية والعدل والإنسانية أيضا.

وأنهم لفاعلون.


زكريا عبد الجواد كاتب فلسطيني، هذه الرواية الأولى التي نقرأها له.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!