راية بيضاء (3/3)

0
بقلم: أمجد ناصر

لا يولد فجر من دون جرح 

على جسد الليل دم وتراب ومشيمة

فاجأ الشاعر الأردني أمجد ناصر متابعيه وقراءه على موقع فيسبوك بتدوينة مؤثرة تحمل عنوان “راية بيضاء”، يوجز فيها فحوى آخر زيارته إلى طبيبه في مستشفى تشرينغ كروس في لندن حيث تم إبلاغه أن “العلاج فشل في وجه الألم”.

رأيت أخواتي، في المنام، كن على برندة بيتنا في المفرق. كان الوقت مساء. كان هناك إبريق شاي وعدد كبير من الكاسات، لم يكن هناك ضيوف، أو أحد من إخواني. بجانب إبريق الشاي صحن صغير فيه أعواد نعنع. كن يعرفن “وضعي الصحي” بتفاصيله رغم أني لم أخبرهن. قلن لي: رأيناك تقع هنا بطولك كله في مدخل بيتنا في المفرق وليس في لندن. هل تذكر عندما دخلت عتبة البيت ووقعت على يديك ووجهك؟ قلت: أذكر، لكن ذلك حدث قبل أشهر، وكانت هناك درجة لم أنتبه إليها.

تحت رحمة الكتلة

ليس لجسدي اسم في هذه الممرات المقفرة. له حيز يشار إليه باليد.

رأيت علي في اليوم التالي. فكرت في أغنية الليلة التي تركت كلها لي بعدما انقض الجميع. ضحك عندما أخبرته أنني غنيتها. قال ضاحكاً: لكنك لست أمي!

-المهم؟
المهم هو إزالة الورم. سيحدد مستر بيترسن وقت العملية. المزيد من الصور. ربما هذه المرة للجسد كله. الصباح يدب بعجلاته وخفق مراييل ممرضيه ومرضاه. المرضى المحيطون أخذوا أدويتهم بحجوزات كرتونية بيضاء. هناك أداء أوتوماتيكي. هناك لغة مشتركة وخلفيات نسجت بينهم وطاقم القسم.

واضح أنهم سبقوني إلى هنا. وضعوا روتيناً. أنا الآن أحدهم. شقيقهم في المرض، وربما في المحن التي لا أعرف عنها شيئاً “لم أكن مريضاً”، ولم تكن لدي محنة سوى ورطة الوجود الإنساني نفسه. سوى أنك لغز، سوى أنك لا تعرف هذا اللغز الذي سيفسر لك عن وجه مقنع أيضاً.

أنا الآن تحت رحمة الكتلة. هل استدعتها كلماتي؟ يا للسخف كيف أفكر بذلك؟ هل جاء وقت قصيدة حديث عادي عن السرطان. لتثبت لي مرة واحدة في حياتي أني كنت مصيباً، أن الشعراء قادرون على التنبؤ بمصائرهم؟ من يصدق ذلك؟ أنا أول المكذبين.
لاحظوا معي: هناك شخص صامد في هذا السرد الطالع من مناسبة رحيل صديق مشترك. الراحل. السارد. المسرود عليه. المسرود عليه كان قد نجا، بحسب السرد من آفة السرطان التي أصابت أخاه. لقد تجاوزه في العمر. السرد يقول إن الناس يموتون كما يموت أهلهم. كانت أمامي بضع سنين (…) لأبلغ العمر الذي رحلت فيه. أنا الآن في هذه السنين بالضبط.

********

أفكر أن مرضي يشبه حياتي. تطرف. لا توسط. مراودة الأقصى.

أنتظر العملية الجراحية. الورم في دماغي أنا وليس في أدمغة الأطباء. ليسوا مستعجلين. أنا المتعجل. لا على ذهاب ولا على بقاء. ولكن على إزالته فقط، لست مرتاحاً لوجود هذه الكتلة القاتمة في دماغي.

كل شيء حيٌ هنا في حديقة بيتي الصغيرة. هذا الطير الثقيل الذي يمر بجانبي وفي منقاره عود يابس. واضح طبعاً أنه يبني عشاً في الأكمة الخضراء التي التفت على شجرة السرو.
رأسي مسنود إلى نبتة مليسة تفوح منها رائحة ليمونية تنفذ إلى القلب.

منعني الطبيب من التدخين بتاتاً. قلت له بعد كل هذا الورم في دماغي؟ قال: ليس هذا قصدي، بل للتنفس بعد العملية ولتسريع شفاء الجرح بعدها.

أجرت العملية جراحة شابة تدعى صوفي

لا أعرف أين دخلت وكيف خرجت

ولكني أتذكر قبل دخولي إلى غرفة العمليات أن بني أنس قرأ علي قصيدة يحبها ويعرف أني أحبها أيضا

أي إيثاكا هذه؟

كم مرة كتبت عن هذه القصيدة من قبل؟ كم مرة قرأتها؟ العديد من المرات.

ولكنها لم تظهر على هذا النحو مرة من قبل.

أي إيثاكا من قبل كانت هدفاً لرحلة، أو عودة من نوع ما.

أي رحلة هذه التي أسمع فيها صوت ابني أنس يقرؤها عليّ بترجمتها الإنكليزية البلورية وأنا أهم بالدخول إلى غرفة العمليات؟

قرأت هذا من قبل. أعرفه، وكنت أظن أنني أعرف إيثاكا التي يعنيها كفافي وأعرف أن الطريق إليها لم يكن سهلاً ولا أقل أهمية.

أو على الأقل لم تكن هدفاً أقل من الوصول إلى “البلاد”، أو “الوطن”، أو أيُ ما تعنيه إيثاكا لكل واحد منا.

ولكن عن أي إيثاكا يمكن الحديث؟ بل أي إيثاكا تبدو لي وأنا أسمع صوت ابني أنس يقرأ قصيدة الشاعر اليوناني العجوز؟

الرحلة؟
إلى ماذا؟

العودة؟ إلى أين؟

أفكر في هذا وأنا جالس بالقرب من نبتة المليسة. ها هي حية، نضرة، ذات رائحة لا تنضب وها هو صباح جديد يغمر حديقة بيتي الصغيرة. لا صورة للحياة أقوى من ذلك: جوقة من أصوات طيور وعصافير تتداخل … وأسمعها تنتقل من شجرة إلى أخرى؟

********

“تجهيز: نفسي”

أول صورتين؛
قبل العلاج الاشعاعي:
رأيت وجهي
لقد صبوا قناعاً بلاستيكياً على رأسي
صبوه بكل معنى الكلمة. أدخلوا رأسي في الة
وراحت تنسج خيوطها البلاستيكية
بإحكام حول رأسي…
وما أن انتهوا رأيت نفسي في مرآة الحمام
ففزعت. من هو هذا الرجل
الفضائي؟ أو هذا الحرثون الكبير. أو الحرباء المرقطة بالأخضر؟

بهذا القناع المحكم الى درجة انه يترك أثره على وجهي له شكل فتحات وشبابيك صغيرة وظيفته تثبيت رأسي عندما تصلط الأشعة.. لا حركة لا نأمة. هناك شخصان على يميني ويساري يضبطان الإحداثيات وينقلانها مباشرة الى غرفة التحكم التي اعرف اين هي
أعبر ممرا في الخارج فيه مراية وأرى هذا الرجل الأخضر يمشي الى جانبي
أهذا رجل أم تجهيز فني؟

العصفور المغرد

أهلاً أيها العصفور المغرد. ها أنت تتفقد موقعي اليوم، بجانب نبتة المليسة، أو التي يسميها الإنكليز فيزبانا.

أسمع صوتك في أغصان شجرة السرو، أعرف هذا الصوت جيداً، ولطالما سمعته في هذا الركن من حديقة بيتي الصغيرة.

ولطالما رأيتك … بالقرب مني. لا تخف. ثم تطير إلى غصنك. لكن اعذرني نسيت اسمك، لا أظن أن هذا الأمر يؤثر على علاقتنا الطويلة، فأنت أيضاً لا تعرف اسمي. ترى جسدي المكوم على كرسي … شعر رأسي الشائب. تعرف أنني أنا، تسمعني موسيقاك من دون أن أطلبها. وبلا قيد أو شرط.

المهم الآن هو وجودنا. أنا أؤكدك وأنت تؤكدني. هذه علامة حياة لكلينا.

********

جسدي

جسدي يتداعى كمركب للاجئين في بحر هائج.
الألواح تسقط..
المياه تصعد إلى السطح.
المحرك يتلقى ضربة من قرش أو حوت.
الحصار محكم.
وأنا لا أستطيع الفرار.
ليتني أستطيع أن أترك جسدي هنا.
وأنجو ببضع حبات جوز وضعتها في آخر لحظة في جيبي.

جسدي يخذلني.
وهذا ليس جديداً.
كان يفعل ذلك مراوغة.
الآن صريح ومباشر في مسعاه.
كلما نهضت وقعت على الأرض.
لا أستطيع أن أبقى واقفاً على قدمي ما تبقى لي من أيام.
حتى الشجرة لا تفعل.
ألم نر أشجاراً ممددة إلى جانبها لكي ترتاح من عبء الوقوف؟


إقرأ المزيد:

راية بيضاء (1/3)

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!