الولاء الرمزي والتضحية بالآخر

كيف يمكن أن تقنع شخصاً بأن طفله ليس منجزه الخاص؟، وكيف نقنعه بأن منجزه يجب أن يكون شيئاً أكبر بكثير؟ وهل الأبناء هم نمط للاستمرار الطبيعي أم أنهم خاضعون لمنطق التملك؟

0
علي الأعرج

منذ أن قام النبي إبراهيم بتنفيذ أمر الله حول عملية ذبح ابنه، حيث ينقل التاريخ تلك الحادثة، توالت ثقافة الفداء التي لا معنى لها سوى أنها نوع من الملكية الخاصة التي لم يستطع الشرق بكل تاريخه الديني الخلاص منها حتى الآن. وبخلاف تاريخية القصة، حيث يقول اليهود أن الذبيح هو إسحاق، والإسلام يقولون إن الذبيح هو إسماعيل، في عملية تسابق للمباركة بالنبوة والاستمرار، رغم وضوح النص القرآني بأن الذبيح هو إسحاق فعلاً، لقول الله في سورة الصافات من 106 إلى 112، “إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم”.. حتى قوله: “وبشّرناه بإسحاق نبياً من الصالحين”.
لكن ما يهم في هذه المسألة، ليس الذبيح أو النبوة، بل الثقافة التاريخية تلك التي أضحت تراثاً أوصلنا للحضيض في عالم اليوم، لنقرأه شعراً ومقولات ونسمعه يومياً في الشارع الشعبي.
حالة الفداء في هذا التراث لا تنبع من التضحية بالذات، بل هي بالضبط كما الرؤية الإبراهيمية، إنها عملية التضحية بالآخر، التضحية من منطلق التملّك، فببساطة يمكن أن تسمع مؤيداً لنظام حكم لا على التعيين، أو مؤيد لنظام حكم في سوريا يقول: أبنائي فداء لبشار الأسد، وتشاهد شخصاً آخر يقول، أبنائي فداء للإسلام، أو فداء للدين، أو الوطن.

هل تتخيل تلك المسألة التي لا تعترف بقيمتك كفرد وحضور إلا من خلال التضحية بك؟ وأنك لست سوى صيغة من ملك الآخر، بمعنى أنت لا شأن لوجودك سوى بما يفعله الشخص المتملك بك!. نموذج من عبودية بغلاف أخلاقي.

لحظة. إن كنت تقرأ فهل تتخيل تلك المسألة التي لا تعترف بقيمتك كفرد وحضور إلا من خلال التضحية بك؟ وأنك لست سوى صيغة من ملك الآخر، بمعنى أنت لا شأن لوجودك سوى بما يفعله الشخص المتملك بك!. نموذج من عبودية بغلاف أخلاقي.
عزيزي الأب المؤدلج بالوطنية أو الغيور على الدين، دعني أقولها لك بالعامية لأنّ لا كلمات فصيحة تعبّر عن مستوى التفاهة التي أنت بها.. “بدك تتبرطع فتبرطع من كيسك بعد إذنك”. نحن كائنات مستقلة ولسنا فداء لأحد، وعندما نتخذ قراراً مصيرياً متعلقاً بحيواتنا، فنحن ندفع الضريبة الفردية على هوانا وليس لأنك تريد أن تفتدي السلطات بكافة أشكالها من مصائرنا.
هذه الثقافة المُغرقة بالرمز، ليست كلاماً عابراً أو نوع من المجاملات الذي يُطرح كشكل عابر، بل فعلياً هي نمط سلوكي قابل للتنفيذ لأن تراث الشرق بأكمله ناشئ على هذه المعادلة اتجاه فهمنا للآخر.

نحن كائنات مستقلة ولسنا فداء لأحد، وعندما نتخذ قراراً مصيرياً متعلقاً بحيواتنا، فنحن ندفع الضريبة الفردية على هوانا وليس لأنك تريد أن تفتدي السلطات بكافة أشكالها من مصائرنا.

هناك فرق جوهري وعميق وشاسع جداً بين أن تكون فرداً يختار مصيره لأنه يقتنع بأيديولوجيا خاصة، وبين أن تنظر للموضوع كصيغة تملك وتوهم نفسك بأنك القوة الأعلى التي يجب على الآخرين أن ينفذوا ما أنت مقتنع به.
في نقاش مع أحد الأشخاص، لم أفهم وجهة نظره بصراحة، كان يقول: “لقد وهبت أبنائي الحياة، فيجب أن ينفذوا ما أراه أنا صحيحاً لأني أكثر خبرة منهم، واهتم لمصالحهم”. كان جوابي عن ذلك الحديث الاجتماعي، بأن اهتمامك بهم هو واجبك لا لأنك وهبتم الحياة، فهم لم يختاروها إنما فُرِضت عليهم، لذا فهم غير ملزمين بما تراه أنت صحيحاً أو ينفذوا قناعاتك، لكنك مجبر على رعايتهم لأنك اخترت لهم ما لم يختارونه، وسقف علاقتهم بك هي احترامك لا أن يكونوا عبيداً لرؤاك.
إن عدم تمييز البشر في هذا الرابط الخفي بين ما يجب أن يحترموه بك وما يجب أن يرفضوه من قناعاتك، هو النقطة الجوهرية لصناعة مجتمع متقدم ومنفتح، وهنا نتحدث عن شكل من الحياة أكثر تقدماً من الواقع بكثير للأسف، فما زال الشرق بكل تقدمه يحمل تلك المقومات الفدائية المضحية بالآخر، في سبيل تحقيق الغرور الشخصي للفرد أو القناعة المؤدلجة بأنماط دينية أو سياسية.
فذلك النموذج الذي تحدثنا عنه سابقاً، يريد لأبنائه أن يسيروا بأوامره ورؤاه لأنه ينظر للمسألة كتملّك وانجاز شخصي، كيف يمكن أن تقنع شخصاً بأن طفلك ليس منجزك، وبان منجزك يجب أن يكون شيئاً أكبر بكثير!. فولدك هو نمط للاستمرار الطبيعي وبالتالي تسقط عنه صفة التملك والتضحية، وعلاقتك معه فقط، هي أن يحترم رؤاك دون أن يكون ملزماً بتنفيذها، من أكبر المواضيع حتى أصغر الأمور.
إن عملية نقل أي شيء بسيط لوعي ابنك كما تراه أنت صحيحاً ويجب تنفيذه، هو شكل متطور من التضحية العقلية، ونقل رؤاك إليه هي نوع من تملّك مطلق لاعتبارك أن طفلك هو منجزك الحيوي والأبدي؛ والقياس جائز على كل شيء آخر. عزيزي الأب، وعزيزتي الأم أيضاً، أعتقد بأنكم تفهمون الحياة بشكل مغلوط قليلاً. الحياة ليست تملّك الآخر وليست التضحية به، إن كان جسدياً أو عقلياً، حتى وإن كان التعبير رمزياً، لأن هذا الرمز في لحظة التصادم سيصبح واقعاً لا محال، وفي تلك اللحظة لن تكون الهزيمة فردية أبداً، بل هزيمة جماعية بكل تأكيد.
مختصر القول إن أردت أن تكون كريماً، فكن كريماً من حسابك الخاص، فوعينا ليس صرافاً آلياً تملكه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!