رواية ليلى سليماني أغنية هادئة.. ابنة الواقع الغربي بكل تفاصيله

لماذا تصرفت شخصيات الرواية بهذا الشكل؟ وكيف تعاملت الروائية مع هذه الشخوص كي توصل لنا الفكرة الرئيسة من روايتها؟

0
الكاتبة: ليلى سليماني.
قراءة: أحمد العربي
ترجمة: محمد التهامي العماري.
الناشر: المركز الثقافي العربي/ط١، ورقية، ٢٠١٧م.

ليلى سليماني روائية فرنسية من أصول مغربية، وروايتها هذه كتبتها بالفرنسية، ومن أجلها حصلت على جائزة غونكور الفرنسية عام ٢٠١٦م.
تبدأ الرواية بطريقة الخطف خلفا، على طريقة السينما من الحدث النهائي وتعيد سرد الرواية لتصل للنتيجة التي بدأت منها.
الحدث الصادم هو قتل المربية لويز للطفل “آدم” ولأخته “ميلا” في بيتهما في الحمام.
الرواية تتكلم عن أسرة فرنسية تتألف من الزوجين مريم الفرنسية ذات الأصول المغربية، وزوجها بول، وطفليهما، آدم وميلا، والمربية لويز. الأب بول يعمل في مجال الإخراج الفني والغنائي، الأم مريم خريجة الحقوق لكنها لا تعمل للآن، ظروف حياتها الزوجية وحملها المبكر جعل إمكانية عملها بالمحاماة مؤجلة وغير ممكنة أيضا.
كانت الطفلة ميلا ابنتهما الأولى، ملأت على الأسرة حياتها، صحيح أن انغلاق حياة مريم على طفلتها جعلتها تحسّ أن حياتها شبه فارغة وأنها مفتقدة للإنتاجية، وتدور في حلقة حياة ضيقة، لكن الأمومة هدأت من أحاسيسها السلبية إلا أنها لم تلغها تماما.
وزاد من عبء ما تعيشه مريم حملها الثاني الذي ستنجب على إثره ابنها آدم، الأمر الذي جعلها تتفرغ بشكل كامل لطفليها ولحياتها العائلية، إلا أن ذلك لم يستطع أن يملأ عليها حياتها، فهي ترفض أن ترمي وراء ظهرها حلما بأن تكون محامية كبيرة، وأن تكون مجرد أم تفرغ حياتها في رعاية أولادها والاهتمام في شؤون البيت “التافهة” التي لا تنتهي، وتجعل حياتها فارغة وبلا معنى. إضافة إلى عجز زوجها بول بمفرده أن ينتج للأسرة ما يجعلها تعيش حياة أكثر رفاهية.
يضاف الى ذلك لقاء مريم مع أحد زملائها الذين تخرجوا معها من الجامعة، وإخباره لها بأنه يمارس مهنة المحاماة وأن لديه مكتب وفريق، ويسعده أن تكون من فريقه، فمريم كانت متفوقة في الجامعة وستكون محامية بارعة.
تداولت مريم الأمر مع زوجها بول حول ضرورة ان تبدأ بالعمل في مهنة المحاماة، لكن هناك مشكلة أطفالهما وكيفية رعايتهما، وبدأت العائلة بالبحث عن مربية مناسبة، تهتم بالأولاد في فترة غيابهما في العمل كل يوم.
أعلنوا عن حاجتهم لمربية، وحضرت كثيرات من النساء، وبعد بحث واختبار وسؤال وقع اختيارهم على المربية لويز، لويز المرأة ذات السجل الجيد، شهادات من عملت عندهم كلها جيدة، استطاعت أن تدخل حياة الأسرة بسهولة، وسرعان ما استحوذت على قبول ومحبة الأطفال، ورضى مريم وبول.
لويز تصرفت مع الأسرة وكأنها أسرتها، وقامت بأكثر مما يطلب منها، فزيادة عن الاهتمام بالأطفال ورعاية شؤونهم، اهتمت بالبيت ونظافته، ودخلت المطبخ وبدأت تعد الطعام، ثم أخذت تهتم بكل شؤون البيت من نظافة وغسيل وطعام وغيره، كان ذلك يحرج مريم وزوجها ويخجلهم، لكنه يعجبهم أيضا، كانت تعمل أكثر من الوقت المطلوب وأحيانا تتأخر مساء في الاهتمام بالأطفال والبيت وتنام في غرفة الأطفال بجوار اسرّتهم.
لكن من هي لويز هذه؟. الرواية تعتمد طريقة المقاطع الصغيرة المتتابعة والمتنقلة في رسم حياة أبطال الرواية، دون ضابط في الزمان أو المكان أو الاشخاص، إنها تعتمد السرد المتراكم الذي ينضج معرفة الحدث الروائي بمزيد من الاطلاع حتى تكتمل الرواية معنى ومبنى مع آخر سرديتها المكتوبة. لذلك سنلتقط حياة كل شخصيات الرواية عبر سردها المتكامل، ونحن هنا نعيد كتابة حياة الشخصيات بشكل مركز.
المهم أننا لا نعرف عن لويز إلا أنها ذات طفولة فقيرة ومؤلمة، حياتها عذابات متتالية، سنعرف أنها حملت في سن مبكرة وأنجبت طفلة لا نعرف من والدها، ستكبر هذه الطفلة وعندما تنضج ستكون عبئا على والدتها، لا تهتم بدروسها، تتعاطى الدخان والمشروبات الروحية والحشيش والمخدرات، تطردها المدرسة التي كانت بها، وسرعان ما تترك والدتها دون وداع وتذهب دون عودة، ستتزوج لويز من جاك، والذي يظهر أن إمكانياته المادية متواضعة وحياتهما بسيطة، لكنها تجد معه وفي بيتهما المشترك بعض أمان وحياة، رغم كونه مدمن كحول وعليه مديونية كبيرة بما فيها أجرة البيت المتراكم دوما.
لذلك كان عمل لويز في خدمة البيوت أو مربية طوال الوقت لتهرب من حياتها وتؤمن بعض المال ليخفف عنها وعن زوجها بعض العبء الاقتصادي. لكن جاك سيموت مبكرا ويترك لها ديونا متراكمة تلاحقها أينما كانت. انتقلت لويز إلى شقة صغيرة لتخفف عنها المصاريف، خاصة بعد موت زوجها ومغادرة ابنتها.
كانت حياتها في بيت عائلة مريم بديل إنساني كامل عما تفقده من أمومة تعوضها في الأولاد، وأمان لا تراه في بيتها الفارغ البارد، وفي أسرة مريم بديلا عن أسرتها التي لم تعد موجودة. لذلك نراها تقوم بكل الأعمال دون تكليف وطواعية محببة وحب أيضا.
اعتبرت مريم وزوجها أن وجود لويز في حياتهم كعائلة وخاصة في حياة الأطفال هدية من السماء. لكن لويز غير متوازنة نفسيا بما فيه الكفاية، فهي دائمة الخوف أن تعود حياتها إلى ما كانت عليه دون عمل ووحدة قاتلة، ديون تطاردها حيث تذهب، حتى بيتها الذي استأجرته تعاني من مالكه ومطاردته المستمرة لتهتم في بيته وتعطيه الإيجار الشهري دوما في أوقاته المفروضة.
حياتها السابقة من طفولة معذبة وحياة أسرية سيئة، وابنة جاءت من علاقة لا شرعية، الابنة الهاربة المنحرفة، الزوج الذي مات وترك وراءه كل سلبياته وخاصة ديونه، لويز راجعت طبيبا نفسيا وأعطاها بعض العلاج.
لويز هذه كانت تخاف أن تخسر حياتها التي أحبتها في كنف أسرة مريم وبصحبة الأطفال آدم وميلا، وبما أن الأطفال بدؤوا بالكبر فقد اعتقدت لويز أن وقت الاستغناء عنها أصبح قريبا، فقد أملت وعملت على أن تعاود مريم الحمل والإنجاب لكي تستمر الحاجة لها وتستمر بالعيش عند مريم وأسرتها ومع أطفالها، لكم ذلك لا يحصل، وتبدأ تسيطر هواجس مرضية على لويز بأنها لا بد أن تطرد يوما، تتراكم هذه المشاعر في نفسها إلى مرحلة عدوانية على الطفلين نفسهما، وهذا ظهر في بعض أوقات حياتها معهما، لكن الخاتمة المأساوية ستكون عندما تقتل الطفل والطفلة مع ألعابهما في حمام البيت، ويحضر الأهل على هول الكارثة، الطفلين ماتا، ولويز تذهل وتغيب عن إدراك ما حصل ولا تجيب عن ما فعلته، هي في عالم آخر خارج عالم العقل الذي يمكن أن يحاكم ويسأل ويجيب.
تنتهي الرواية بتقرير الشرطية المسؤولة التي تحاول مقاربة ما حصل وإغلاق ملف المأساة التي حصلت.

رواية تستحق جائزتها، إنها ابنة الواقع الغربي بكل تفاصيله، حالة أبناء المجتمع بطبقاته، غنيه وفقيره، الطموحات، الواقع المؤسي للطبقة الدنيا، أبناء الفقر، حقيقة التناقض بين الطموحات واستحالة توافقها مع احتياجات الأسرة.

في تحليل الرواية نقول:

إننا أمام رواية تستحق جائزتها، إنها ابنة الواقع الغربي بكل تفاصيله، حالة أبناء المجتمع بطبقاته، غنيه وفقيره، الطموحات، الواقع المؤسي للطبقة الدنيا، أبناء الفقر، حقيقة التناقض بين الطموحات واستحالة توافقها مع احتياجات الأسرة.
مبنى الرواية التي تتغلغل عميقا في تفاصيل نفسية شخصيات روايتها، مجيبة عن تساؤل مهم: لماذا تصرفت هذه الشخصية بهذا الشكل؟.

الرواية تريد القول إن ظاهر الحياة الرغيدة للإنسان في الغرب تخفي في ثناياها فقر وألم ومعاناة ووحدة موحشة وفقدان أمان وجريمة وضياع.

وفي الختام الرواية تريد القول إن ظاهر الحياة الرغيدة للإنسان في الغرب تخفي في ثناياها فقر وألم ومعاناة ووحدة موحشة وفقدان أمان وجريمة وضياع، تريد القول إن إنسانية الإنسان ترتبط بحياة حرة وكريمة وعادلة وأمان العيش وصناعة المستقبل والحياة الأفضل، في غياب شروط حصول ذلك سيكون هناك فقر وجريمة وتفشي المخدرات وضياع أسري وجريمة أيضا.
وهذا ما تحاول حركات السترات الصفراء في فرنسا والغرب الآن أن تعبر عنه: الديمقراطية مهمة جدا لحياة حرة وإنسانية، لكنها دون عدالة تعني ديموقراطية الأغنياء لاستثمار المجتمع لمصلحتهم، والضحية أغلب الشعب الذي يعيش في مستوى من الفقر المدقع والركض دائما وراء لقمة عيش صعبة المنال.
إنها حركة تطالب بالعدالة الإنسانية لتكتمل إنسانية الإنسان في أوربا وكل مكان.

ليلى سليماني روائية فرنسية من أصول مغربية،
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!