صنميّة اليسار وحتميّة الغيب

هل بات مفهوم اليسار ممتزجاً بمغالطات تدميرية للتنوع الاجتماعي والسياسي والثقافي؟، وهل تحول ليكون شكلاً من أشكال التردي الجامد والإيمان بالغيب العادل؟.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن اليسار الذي لم يستوعب إلى الآن أن حركة التاريخ قد خرجت من معيارها الماركسي، هو نفسه الذي ما زال مؤمناً بأن الحتمية التي طرحتها الماركسية قبل قرنين ستتحقق، بمعنى اليسار بطريقة ما مؤمن بالغيب ذاته الذي يؤمن به المؤمن اللاهوتي، مع اختلاف بالصيغة، أن حتمية العدالة ستأتي عاجلاً أم آجلاً وبالتالي لا معنى للمقاومة، فليجلس الجميع وينتظر الحل التاريخي.

قد يبدو التعبير السابق تهكمياً قليلاً لكنه يؤدي بنا إلى مسألة أخرى عندما يصبح مفهوم اليسار ممتزجاً مع الواقع ليخرج بمغالطات تدميرية للتنوع الاجتماعي والسياسي والثقافي، فهو شكل من التردي الجامد والإيمان بالغيب العادل.

في كتاب الباحث بول جونسون بعنوان المثقفون، حيث يستعرض بعض المعلومات حول بعض أدباء ومفكري التاريخ، ومنهم ماركس، فيقول في كتابه، الصفحة 64: “الحقيقة (أي ماركس) كان موهوباً كصحفي قادر على الجدل. كان ضليعاً في استخدام الإبجرام والأفورزوم، ومعظمها لم يكن من اختراعه.

فمثلاً: “مارات” هو صاحب عبارتي “العمال لا وطن لهم” و”ليس لدى البروليتاريا ما تخسره غير قيودها”. النكتة الشهيرة عن البرجوازيين الذين يرتدون سترات من الدروع الإقطاعية على جنوبهم جاءت من “هيني” وكذلك عبارة “الدين أفيون الشعوب”، “لوي بلانش” هو صاحب عبارة “من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته” ومن “كارل كاسبر” أخذ “يا عمال العالم اتحدوا”، ومن “بلانكي” “ديكتاتورية البروليتاريا”.

بالطبع بول جونسون في حديثه هذا لم يكن هدفه إدانة ماركس، لأن ماركس قد تجاوز كل ذلك وصنع تاريخاً للاقتصاد والفلسفة بطبيعة الحال، حتى ماركس نفسه كثيراً ما أشار إلى أولئك المفكرين الاشتراكيين في مؤلفاته. لكن ما استوقفني عند كلام جونسون، هو السخرية المريرة من اليسار العملي. عندما يكون في بلد ما، جماهير حزبية كاملة تردد تلك العبارات وتنسبها لماركس كحقائق تاريخية وحتمية، فنحن أمام دوغما غبيّة لا تستطيع فهم أو قراءة مختلفة للتاريخ.

عندما تصبح شعارات التجارب الاشتراكية التاريخية العميقة تُنسب لجهة معينة أو شخص هو نفسه قد اعترف بأخذها من أحد آخر، فنحن أمام كتلة من أوهام علمانية غيبية، والتي لا يمكن أن تفهم حركة التاريخ وانتفاضة الشعوب.

اليساري بكل تفرعاته، له جذر محدد ومقدس لا يجب مناقشته، تماماً مثل المتدين الذي لا يستطيع فهم التاريخ وقراءة التجربة من منطق الواقع. إنه يتعامل مع الحياة كغيب وحتمية أبدية وصحيحة لا يمكن أن تكون على خطأ.

فاليساري بكل تفرعاته، ماركسي، ستاليني، لينيني، تروتسكي، ماوي، اشتراكي، ديمقراطي، فوضوي، هو بطبيعة الحال له جذر محدد ومقدس لا يجب مناقشته، تماماً مثل المتدين الذي لا يستطيع فهم التاريخ وقراءة التجربة من منطق الواقع. إنه يتعامل مع الحياة كغيب وحتمية أبدية وصحيحة لا يمكن أن تكون على خطأ.

حتى أي يساري يمتلك قليلاً من صنمية إذا ما قرأ كتاب جونسون، سينتفض ببساطة بأنه كاتب تزويري للتاريخ، إنه “أي اليساري” غير مستعد حتى للبحث وراء حقيقة معلومة طرحها جونسون. إن آلية الرفض حاضرة سلفاً، لأن أي حقيقة تتصادم مع وعيه الثابت ستؤدي به إلى قناعات تدمّر هويته التي يعيش من أجلها. تماماً مثل المتدين الذي لا يريد أن يتساءل في واقعية الحدث التاريخي للدين كمثال. إنهم عبارة عن أصنام في القرن الواحد والعشرين؛ دون أن يدركوا أن الصنم يتم تجاوزه ببساطة، وإن لم يتم تحطيمه بالفعل الجماهيري، فالطبيعة كفيلة لتفتيته زمنياً.

مثلاً مؤخراً ما جرى في لبنان، اتخذ جزء كبير من اليسار اللبناني موقفاً سلبياً، لأنه يرى أن حركة التاريخ يجب أن تمر من ثقب الإبرة الماركسية وإلا فإن حركة التاريخ تلك هي حركة فوضوية أو فاشية أو تآمرية، تماماً مثلما جرى في سوريا وموقف أحزابه اليسارية.

جمود اليسار وفهمه الضيق لمعنى حتمية التاريخ والعدالة لا تدع له مجالاً للتفكير بأن الناس يمكن أن تتجاوز أي أيديولوجيا ثابتة، وأن الناس في لحظة الرغبة بالانتفاض ستبول بشكل كامل على أي نوع من الأيديولوجيا المركزية، إن كانت يسار أم حتى يمين.

اليسار بعامة واليسار المشرقي بخاصة، لم يستوعب إلى اليوم، وفي القرن الحادي والعشرين، أن الناس عندما تجوع فلن تنتظر مخططاً حزبياً يسارياً لتسير من تحت أمرته، فإذا لم يشأ اليسار أن يسير وراء الشعب، فكونوا واثقين أن الطبيعة كفيلة لتفتيتكم؛ وهنا نتحدث عن الشعب دون تصنيف سياسي.

شخصياً كنت أتمنى أن تفتتح السلطات التي تستعبد الشعوب مزابل التاريخ ليسكنوا فيها، لكنكم أيتها الأحزاب اليسارية آثرتم أن تدخلوا أولاً إلى تلك المزابل بأقدامكم، لقد سبقتم الديكتاتوريات في انحطاطها وسفالتها وصنميتها وغيبيتها. مرحباً بكم أيتها الأحزاب اليسارية في مزابل التاريخ.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!