الأغلبيّةُ الغاضبة، والأقلّياتُ الخائفة، في احتجاجات العراق

0
بقلم: عماد عبد اللطيف سالم

إنّ نجاح الأغلبيّة الغاضبة في تحقيق أهدافها المُعلنة من خلال حِراكها الاحتجاجيّ الحاليّ، وسريان مفاعيل هذا الحِراك على أرض الواقع تدريجيّاً، سيجعلُ منها عاملَ توحيدٍ رئيس لمُجتمَعٍ مُنقَسِم. أمّا في حال فشلها في ذلك، ونجاح النظام في الالتفاف على مطالبها الرئيسة، وإفراغها من محتواها، فإنّ المُكوّنات التي انصهَرَت، وتماهت فيها، ستعودُ إلى سيرتها الأولى.
لنقرأ معاً

تقودُ “أغلبيّةُ غاضبة”، الحراك السياسيّ- المُجتمعيّ الذي نشهد تفاصيلهُ الآن، ضِدّ نَهج و توجّهات وميكانزمات عمل النظام السياسي الذي تشكّل في العراق بعد احتلاله في عام 2003 .

ولا يُقصَدُ بـ “الأغلبيّةِ الغاضبةِ” هنا، الإشارة إلى وجود “أكثريّة” عِرقيّة أو مذهبيّة مُعيّنة، بل يُقصَدُ بها ذلكَ التنوُّعُ الإثْنيّ الغاضب، الذي يُشكّلُ محورَ ومُحتوى الحِراك “الاحتجاجي” الراهن.

ومع أنّ هذا “الحِراك” يُقدِّمُ تعويضاً سريعاً، وغيرُ راسخ، عن غياب “الوطنية الجامعة” في العراق، إلاّ أنّهُ يُعاني في الوقت ذاته من وقوف “أقليّات خائفة” بالضدّ منه (بشكلٍ أو بآخر، وبدرجةٍ أو بأخرى).. أو أنّها (في أفضل الأحوال)، لا تتّخِذُ منه موقفاً مُحدَّداً وواضحاً، مع أنّهُ يُعَدُ “الحِراكَ” الأهمّ والأكثر خطورةً (في نهجهِ وخطابهِ وتداعياتهِ اللاحقة)، خلال الأعوام الستة عشر الأخيرة.

لذا، وعلى الصعيد الداخليّ، لا يأتي التهديد الرئيس لاحتجاجات “الأغلبيّة الغاضبة” في العراق (شَكْلاً ومُحتوى)، من النظام السياسي القائم ذاته فقط، بل من تلك “الأقلّيات الخائفة” التي ترى أنّ “مصالحها” مُهدّدة بفعل طبيعة وخصائص وسِمات الحراك المجتمعي الراهن، وبفعل ديناميكياتهِ الذاتيّة ومفاعيله الموضوعيّة التي لا يمكن التكهُن بنتائجها النهائيّة.. ممّا يدفعها للاحتماء بـهذا “النظام”.

إنّ طلب “الحماية” هذا، يُضعِف حركة احتجاج “الأغلبيّة الغاضبة”. وهذا “الطلب” أمّا أنْ يكونُ مُعلَناً، أو مُستَتِراً، أو مُحايداً (على وفق مواقف “الأقلّيات الخائفة” من النظام، ودرجة ثقتها به، ومدى انتفاعها منه).

وهكذا نجد أنَّ بعض “الأقلّيات الخائفة”، إنّما تخافُ من ضياعٍ مُحتَمَل لمكاسب سياسيّة، أو “مغانم” اقتصاديّة تمّ تكريسها وتحويلها إلى “عُرف دستوري” طيلة ستة عشر عاماً .. وهي خائفةُ بالضرورة من مُطالَبة “الأقلّية الغاضبة” بتفكيك هذه المكاسب والمغانم (كُلاً أو جُزءاً) الآن.

ـ وهناك “أقلّيات خائفة” أخرى، هي عبارة عن “اوليغارشيّات” فاسدة، تستمِدُّ قوّتها وأسباب بقاءها من نفوذ وقوّة و”سُلطة” بُنية الفساد الشاملة والمتكاملة والمتعدّدة الأبعاد في العراق.. في الوقت الذي تطالبُ فيه “الأغلبيّة الغاضبة”، وبإصرارٍ غير مسبوق، على تفكيك هذه “البُنيَة”.

ـ أفرزتْ الاحتجاجات مزيجاً من الغضب والخوف لدى “أقليّة” أخرى، يمكن وصفها بـ “الأقليّة الغاضبة – الخائفة”. وهذه “الأقليّة” وجدتْ نفسها محشورةً في موقفين متناقضين. فهي تُشارك “الأغلبية الغاضبة” غضبها النبيل من سلوكيات ونمط إدارة النظام القائم، لأنّها تعتقد أنّها دفعتْ ثمناً فادحاً لسوء إدارته لشؤون السياسة والاقتصاد، وفسادهِ، واعتمادهِ على “أزلامٍ” من داخلها، ينتَفِعون من وجوده واستمراره، و”يتخادمونَ” معه مصلَحيّاً، ويدّعون تمثيلهم لها على الصعيد الوطني (من جهة).. ولممارساته “الطائفيّة”، وغير العادلة ضدّها، بل والمُمعنة في تكريس ظلمه لها تحت شتّى الذرائع والمبرّرات (من جهة أخرى).

أمّا الموقف المُناقِض الآخر لهذه “الأقلّية الغاضبة ـ الخائفة” ممّا يحدث الآن، فيتجسد في “حيادها” وصمتها عمّا يجري وكأنّهُ لا يعنيها.. حيث يكفيها ما لحِق بها من ويلات وكوارث وخراب.. ويكفيها الإحساس بالمرارة الناجم عن تقويض النظام القائم لمصادر الجاه السياسيّ، وركائز السُلطةِ “القديمة” التي كانت تستأثرُ بها لعقودٍ طويلة.. ويكفيها إدراكها المُتأخّر بأنّها قد خسَرَتْ أكثر ممّا يجب.. وتكفيها خشيتها من المزيد من بطش تلك “الزعامات” و “القيادات” التي مازالتْ تدّعي أنّها المُمَثّل الوحيد لـ “الأغلبيّة الغاضبة” الآن.. وتكفيها شكوكها بأنّ هذه “الأغلبيّة الغاضبة” الآن، قد تكونُ هي ذاتها “الأغلبيّة” التي كانت راضيةً تمام الرضا، بل ومؤيّدة على نحوٍ مُطلق، لما كان النظام الحاليّ يفعلهُ بها قبل مدّةٍ وجيزة.

ـ ومن بين “الأقليّات الخائفة” فئةٌ من “المُثقّفين”، تخشى من طغيان الزينة على الحقيقة، ومن تصاعد صخب الكرنفالات على حساب قوّة العقل، ومن تحويل “الفعل الثوري” إلى ممارسات وسلوكيات احتجاجيّة غير مُنضبطة.. وتخشى أيضاً من تبعات التجاوز على “حقائق” الأرض، ومن العواقب الوخيمة لتجاهل العوامل المادية والموضوعية (الداخلية والخارجية) المُتحكّمة بنمط الإدارة والحكم، وبشكل وحدود وتوصيف النظام السياسي في العراق الحديث.

ويتجسّدُ ذلك في مجموعة من “المواقف” المُتناقضة في ظاهرها، ولكنّها مُتناغمة ومتكاملة في جوهرها، والتي يتضّح من خلالها سعي هذه “الأقليّات” لتحقيق أهدافها “المرحليّة”، وأهدافها “النهائيّة” الخاصّة بها.. ورغبتها في أن يتمّ كُلّ ذلك في إطارِ نظامٍ سياسيّ مُلتَبِس ومُرتَبِك، وفي إطار “عراقٍ” ضعيف، ولكنّهُ ما يزالُ “مُوَحّداً” إلى هذه اللحظة.

وهكذا نجد أنّ “الأقلّيات الخائفة” هي مع “المُتظاهِرين” ومطالبهم المشروعة، وهي في ذات الوقت تقف مع الحكومة في سعيها لتحقيق مطالب “المُتظاهرين” المشروعة.. وهي مع النظام وضدّ الفوضى.. وهي تدعم أيضاً مطالب “المتظاهرين” في “إصلاح” النظام.. بل أنّ بعضها تقفُ حتّى مع المطالب المتعلّقة بتعديل بعض مواد الدستور، بشرط أنْ لا يَمُسّ هذا التعديل حقوقها (أو حقوق “مُمَثِّليها”) المُكتسَبَةُ من خلاله.

ومن هذا يتّضح أنّ أفضلَ موقفٍ لـ “الأقليّة الخائفة”، هو “اللا موقف” الذي تمارسهُ الآن.. ويعودُ “شبه الموقف” هذا إلى عدم معرفة ما الذي تُريدهُ “الأغلبيّة الغاضبة” بالضبط.. وما هي تداعيات غضبها على الجميع.. وإلى أين يُمكنُ ان يُفضي غضبها هذا في نهاية المطاف.

وتسري مُقاربة “الأقلّيات الغاضبة” و “الأقلّيات الخائفة” في تحليل الموقف (“الداعم”، و”المؤيّد”، أو “المُتجاهِل”، أو”اللا مُكتَرِث”) من احتجاجات العراق الأخيرة، على “القوى” والجهات الخارجية أيضا، فهناك “أغلبيّة خائفة” من هذه الاحتجاجات على الصعيد الدوليّ (بشكلٍ عام).

ـ وبقدر تعلّق الأمر بدول الجوار، ودول الخليج العربية، فإنّها تخافُ من فقدان نفوذها، أو “تأثيرها” في العراق (على اختلاف درجاته ومدياته).. وخائفة من تأسيس “نظام جديد”، أقلّ ضعفاً “ومُطاوَعَةً” و”طاعةً” من النظام القائم حاليّاً.. وخائفة من استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لحركة الاحتجاج العراقيّة كورقة ضغطٍ عليها.. وخائفة أكثر من امتداد “عدوى” الاحتجاجات إلى داخلها.

– وتقف الولايات المتحدة الأمريكيّة على أبواب انتخابات رئاسيّة تتسّم بالشراسة. لذا فإنّ الإدارة الأمريكية الحاليّة تحاولُ جاهدةً، وتعملُ بهدوء، على ضمانِ أنْ لا يتمّ إطلاقُ رصاصةٍ واحدةٍ من بنادقها الكثيرة في المنطقة، وأن لا تخسرَ جُنديّاً واحداً (في مرحلة انعدام الوزن الرئاسيّة الحاليّة)، على امتداد رقعة مصالحها الشاسعة في هذا العالم.

ـ ولا شيء يُفسّرُ تجاهل الدول الأخرى، وصمتها عمّا يجري في العراق، أفضل من توصيفها كـ “أقليّات خائفة”، لها من مشاكلها ما يكفيها، ولا يعني لها العراق شيئاً، لا مِن قريبٍ ولا من بعيد.. ومنها دول امريكا اللاتينية وكندا، ودول جنوب شرق آسيا، والكثير من دول الإتحاد الأوروبي، واليابان (وكُلّها تُساير الولايات المتحدّة في سياستها العامّة إزاء ما يجري في البلدان الأخرى، ومنها العراق).

ـ وتسعى روسيا (والصين إلى حدٍّ ما)، لترسيخ استقرارٍ “نسبيّ” في المنطقة، لتبدأ في جَنْي مكاسب تدخّلها المباشر (وغير المباشر) في الصراعات المريرة للشرق الأوسط “الكبير”، – وتعتقد دول الإتحاد الأوروبي “الأساسيّة” كألمانيا وفرنسا بأنّ حلّ مشاكلها السياسية (والتجارية) مع الولايات المتحدّة الأمريكية، والحدّ من تدخلها في شؤون الإتحاد، وتقليل دعم الإدارة الأمريكيّة للقوى “الشعبوية” في دول الإتحاد الأخرى، والحفاظ على “شراكتها” الاقتصادية مع العراق، هي أهمّ بكثير من استهجان سفك الدماء لمجاميع من الصبية، يموتون نتيجة احتجاجهم على شأنٍ داخليّ.. وتتطاير رؤوسهم الرخيصة بقذائف من كلّ عيارٍ ونوع، في وقتٍ تملأُ فيه هاتين الدولتين (بالذات) الكونَ عويلاً إذا أصابت “الإدارة الصينية” في هونغ كونغ مُحتجّاً واحداً بخدوشٍ بسيطة في جسدهِ “المُقدّس”.

وعلى وفق هذا المنطق المُلتوي والمُراوِغ والإنتهازي، لا يأبه بهموم العراقيين أحد، ولا يلتفِت إليهم أحد.. من فرنسا المُغرمة بحقوق الأقليّات، إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة “زعيمة العالم الحُرّ”.

وبعدَ أكثر من شهرٍ على التمادي الحكومي في الاستخدام المُفرَط للقوّةِ المُميتة ضدّ المُحتَجّينَ العُزّل المُسالمين، صدَرَتْ بيانات وتصريحات شَجْبٍ خجولة عن بعض وكالات الأمم المتّحدة، وعددٍ قليلٍ جدّاً من الدول (غير العربية).

ـ وهناك مزيجٌ من الأقلّيات والأغلبيّات، الغاضبة والخائفة، في لبنان وسوريا واليمن والجزائر وليبيا والمغرب وتونس، تتمنى لو أفضتْ الاحتجاجات في العراق لأسلوبٍ في الحكم والإدارة شبيه بما أفضت اليه الاحتجاجات في النموذج السوداني.. أو إلى تغييرٍ “حقيقيّ” في طبيعة النظام السياسي، وبما يُشكّلُ حافزاً لها على مواصلة احتجاجاتها، ورفع سقف مطالبها، وتدشين “خريفٍ عربيّ” للأنظمة السُلطوية الفاسدة، يؤسّس لنمط جديد من الحياة، ولأسلوبٍ جديدٍ للعيش بكرامة في “أوطانٍ” حُرّةٍ ذات سيادة، تتجاوز به، ومن خلاله، التداعيات الكارثية لتلك “اللعبة” السياسية الساذجةِ المُسمّاة بـ “الربيع العربيّ”.

إنّ نجاح “الأغلبيّة الغاضبة” في تحقيق أهدافها المُعلنة (من خلال حِراكها الاحتجاجيّ الحاليّ)، وسريان مفاعيل هذا الحِراك على أرض الواقع تدريجيّاً، سيجعلُ منها عاملَ توحيدٍ رئيس لمُجتمَعٍ مُنقَسِم.

أمّا في حال فشلها في ذلك، ونجاح “النظام” في الالتفاف على مطالبها الرئيسة، وإفراغها من محتواها، فإنّ “المُكوّنات” التي انصهَرَت، وتماهت فيها، ستعودُ إلى سيرتها الأولى، لتكونَ “أداةً” بيد النظام القائم، وانعكاساً فَجّاً لسرديّاته المذهبيّة والقوميّة.. وستتحوّل سريعاً إلى عامل انقسامٍ عميق.. وبعضٌ من “مُكوّناتها” قد تُستخدَمُ كبنادقَ واطئة الكُلفة، في صراعٍ “وجوديٍّ” دائمٍ ومرير، بين “الأقليّة الغاضبة”، وبين “الأقلّياتِ الخائفةِ” منها.


عماد عبد اللطيف سالم، كاتب وصحفيي عراقي
مصدر المقال منشور في صحيفة المدى العراقية بتاريخ 12 تشرين الأول/ نوفمبر 2019.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!