الإنسانية شكل من أشكال الخوف

لماذا يجب علينا نحن البائسين أن نكون الأكثر إنسانية، بينما القوى والسلطات تستغلنا أكثر؟. وهل عندما تثور الطبيعة سيكون هناك معنى للصناعة أو للسلطة؟.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

قد يبدو عنوان المادة مثيراً للغثيان، وقد يسبب اشمئزازاً بالنسبة للكثير من الأشخاص ذوو الطروحات الانسيابية بشأن حق البشر في الحياة، وبناء غد أجمل؛ وبطبيعة الحال هذا حق لأي شخص يمتلك قليلاً من أخلاق في عملية التصارع بين الإنسان والأشكال السلطوية المسيطرة عليه، لكن تظهر هنا نقطة مثيرة للتفكير، وهي لماذا يجب دائماً، على الأقل شأناً في الحياة أن يكون هو الأكثر إنسانية؟

في أحد جروبات الواتساب مع بعض الأصدقاء القدامى، وفي الفترة التي اشتعلت فيها حرائق القطب الشمالي وغابات سيبيريا، عبّرت بشكل شخصي عن عدم اكتراثي مع مسحة من سرور، لقيام الطبيعة بثورتها على وحوش العالم الصناعي وتلويث البيئة، لكن فجأة تمت مهاجمتي من قِبلهم، بأن الأمور لا تُحل بهذا الشكل، وقبل أيام قرأت أيضاً منشوراً على الفيسبوك لأحد الأصدقاء يتناول تقريباَ الموضوع ذاته، وهو ضرورة اتخاذنا لموقف يدعم الطبيعة ويجعل البيئة أكثر نقاءً.

ما لا أفهمه في الحالتين هو الإنسانية المفرطة التي لا معنى لها أمام قوة لا تُصغي أصلاً لكل حراك العالم البيئي ومحاولة إنقاذه، نوع من التناقض الغريب حتى في هذه الطروحات الإنسانية.

فهؤلاء الإنسانيون يريدون عالماً بيئياً نظيفاً ويقومون بحملة دعائية اتجاه البشر كي يحافظوا على البيئة، إنهم يتوجهون للأفراد الأضعف في المجتمع والأقل شأنا، لكن بذات الوقت يريدون الحضارة والتقدم التي تصنعها لهم تلك الإمبراطوريات الاقتصادية الصناعية في العلوم والتكنولوجيا، والتي أصلاً لا يمكن أن تحرز تقدمها إلا بتدمير الكوكب.

تشعر أمام هذه الحقيقة أنك تتعامل مع كائنات شيزوفرينية. أشخاص يريدون الرفاهية ويريدون البيئة في الوقت ذاته، مع علمهم أن عملية مزجها هو أمر مستحيل، يريدون كل ذلك دون أن يدفعوا ضريبة أو يتخذوا موقفاً واضحاً من العالم الصناعي، بل ببساطة يؤلبون الجماهير البائسة التي تُستغل من قِبل القوى الاقتصادية لتكون تلك الجماهير هي الإنسانية بينما وحوش الاقتصاد تستمر باستغلال الناس مقابل أن يخلقوا نوع من الرفاهية بالنسبة للآخرين.

ما لا أفهمه في الحالتين هو الإنسانية المفرطة التي لا معنى لها أمام قوة لا تُصغي أصلاً لكل حراك العالم البيئي ومحاولة إنقاذه، نوع من التناقض الغريب حتى في هذه الطروحات الإنسانية.

كان جوابي ببساطة في المثالين السابقين، وقد يبدو بالنسبة للبعض متطرفاً قليلاً، أنه عندما لا تسمع قوى الاقتصاد العالمي وتفهم ضرورة التخفيف من الصناعات لإعطاء فرصة للكوكب أن يعيش ويجدد نفسه قبل أن يثور على الجميع، وعندما يخلع رؤوساء العالم رؤوسهم ويرتدون رؤوس دواب ويستمرون بحروبهم وتلويث الحياة، فيجب علينا نوعاً ما، نحن الأشخاص الأقل شأناً في الحياة، أن نتخذ موقفاً لا مبالياً وندع تلك القوى تستمر ببهيميتها وصناعاتها وحروبها وننتظر انفجار الكوكب على الجميع، إذا لم يكن البشر يريدون أن يقاوموا السلطات ويبيدوها.

لماذا يجب علينا نحن البائسين أن نكون الأكثر إنسانية في هذه المعادلة، بينما القوى والسلطات تستغلنا أكثر؟. إنه أكثر شيء مضحك أشعر به أمام دعاة الإنسانية. عندما تثور الطبيعة لا معنى للصناعة ولا معنى للسلطة. عندما يكون الآخر “كسلطة” عبارة عن حيوان فالأجدر أن ينتهي وننتهي معه نحن الإنسانيون. دعوا الطبيعة تُعيد تشكيل الحياة.

لكن بعيداً عن كل هذا، ما أثار استغرابي هو موقف أولئك الأصدقاء الذين كانوا قبل أن يتقدموا في العمر، لديهم نفس الطروحات تقريباً من أشكال مقاومة السلطات والسخرية منها ومحاربة الصناعات فيها التي تستغل البشر. حاولت جاهداً أن أجد مبرراً واحداً لهذا التحول في دعوتهم لنكون إنسانيين اتجاه القوى التي تستغلنا وطروحاتهم غير المباشرة في محاولة إيجاد صيغة توافقية معهم!.

إنه أكثر شيء مضحك أشعر به أمام دعاة الإنسانية. عندما تثور الطبيعة لا معنى للصناعة ولا معنى للسلطة. عندما يكون الآخر كسلطة عبارة عن حيوان فالأجدر أن ينتهي وننتهي معه نحن الإنسانيون. دعوا الطبيعة تُعيد تشكيل الحياة.

كل بحثي لالتماس عذر، لم أجد سوى سبب وحيد ولا يمكن لي سوى وصفه بالأناني والجبان، وهو أبناؤهم. بالمعنى الدقيق إنهم يخشون على ذريتهم من الانقراض، وكأن أبنائهم سيعيشون في عالم أفضل إذا ما أوجد الآباء صيغة توافقية مع وحوش الصناعة.

عذراً أصدقائي، لكن هل أنتم حمقى؟ أبناؤكم سيعيشون ذات المعضلة التي تعيشونها الآن، لسبب بسيط أن السلطات والقوى الصناعية لا تهتم أصلاً لكل ثرثراتكم الفارغة، إنهم سيدمرون أنفسهم وسيدمرون الكوكب عاجلاً أم آجلاً، فالأحرى أن لا تشعروا بالخوف تحت مسمى الإنسانية اتجاه ذرياتكم، لأن ذرياتكم ستنتهي بأي حال.

الموقف الإنساني الذي يتخذه أولئك الخائفون على الذرية، ويحاولون الحلم بأن أبنائهم سيكونون في عالم أفضل هو ضرب من وهم يعلمون جيداً بأنه لا يمكن تحقيقه، ومع ذلك يتحولون نفسياً إلى كائنات منكفئة على ذاتها من خلال شعورهم الآخذ بالضمور بأنهم إذا ما تجانسوا توافقياً مع السلطات فإن تلك القوى ستكون رحيمة بهم.

شخصياً أفهم رغباتكم وشعوركم المتناقض بين الواقع والحلم الذي تريدون، لكن للآسف الحقيقة دائماً قاسية، ولا سبيل ليعيش هذا الكوكب بطريقة صحيحة سوى أن ينهار على رؤوس الجميع.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!