الطفولة السورية وخراب السياسة

هل دفع أطفال سوريا ضريبة حرب الكبار؟ من المسؤول عن ضياع حلم الأهالي بتعليم أولادهم؟ ومن المسؤول عن ضياع اللغة الأم لجيل كامل من الأطفال ولدوا وعاشوا خارج وطنهم؟

0
الأيام السورية/ خالد المحمد

لا ينسى ولا يُنكر أحد من السوريين، أن السبب المباشر لتفجر الثورة السورية عام 2011 كان مجموعة من الأطفال عبّروا بكلماتهم عمّا عجز عنه الكبار وقتها.
ودفع هؤلاء الأطفال أصابعهم وحياتهم ثمناً لثورتهم التي ربما لم تستوعب براءتهم ما حدث لهم حينها.
واستمرت الطفولة السورية منذ ذلك الوقت بدفع الفاتورة الأكبر والأخطر فيما جرى ويجري في حرب الكبار.
الموت والبكاء والنزوح، ثلاثية حلتْ محل ثلاثية القلم والسبورة واللعب في حياة الطفل السوري، وبات مطارداً بالحرمان ونازحاً من عالمهِ إلى مدنٍ وبلدان لم يتخيل حتى والديهِ أنها ستكون جزءاً من مأساتهم يوماً.
الأطفال السوريون اليوم لا تختلف أحوالهم باختلاف أوضاعهم إما تحت الاحتلال، أو نازح خارج سيطرة قوات الأسد وأعوانه، أو لاجئ في إحدى الدول بعيدة أو قريبة، هم كلهم الآن تحت رحمة أو بالأحرى ظلم الخرائط السياسية ومؤتمراتها وتجاذباتها في شطري حياته “العائلة والمدرسة.”
فعائلته التي ترزح تحت خط الفقر أو موت أحد أعمدتها أو الخوف أو النزوح والتشرد والانكسار النفسي، والصدمات التي يتعرض لها مع كل قرار عسكري أو سياسي ينعكس على حياتهِ إما قصفاً أو نزوحاً أو هروباً أو حلماً بالعودة.
مئات الألاف يعيشون منذ سنوات تحت ظل خيام لا تقيهم برداً ولا حراً، وما تعنيه الخيمة من تشردٍ وأمية ومعيشة خارج خارطة الزمان والمكان، منتظرين قراراً أو حلاً طال انتظاره يعيدهم إلى بلداتهم وبيوتهم.
وحتى خارجاً في بلاد اللجوء، والتي تعتبر العائلة في وضع “أحسن”، طاردتْ العائلة فيها أشباح السياسة وعدم الاستقرار، وتيارات الأوضاع السياسية والانتخابات والاقتصاد، وحملات تلصق بهم حتى أسباب الأمراض الشائعة، عدا عن التنقل الدائم وظروف العمل القاسية، وتحكم المنظمات، جعلت الطفل يشعر باليتم وسط مجتمع هو أساساً غريب عنه.
أما المدرسة وهي حلم الطفل وبيته الثاني وملاذه النفسي والفكري، فلم تكن حالها بأفضل مع تغيير الخرائط بين الفترة والأخرى، واختلاف مناطق السيطرة وتغير الحدود مع تعاقب المؤتمرات والمؤامرات، وتبدل أدوار المدارس ما بين معتقلات ومقرات عسكرية سواء في مناطق النظام أو مناطق الثوار، عدا عن قصف آلاف المدارس ودمارها، وهيمنة المنظمات على المدارس، وطرح توجهاتها وشروطها على المعلمين والطلاب.

في سوريا بات اليوم الطالب السوري يدرس لغات عدة تبعاً لمناطق السيطرة، فمدارس تُدّرس الفارسية أو الروسية، ومدارس تدرس التركية ومدارس تدرس الكردية ومدارس لا دراسة ولا تدريس فيها أصلاً.

خارج سوريا بات الاغتراب الثقافي والتأخر اللغوي ونسيان اللغة العربية، عنواناً بارزاً لمعظم الأطفال السوريين الذين باتوا يتقنون قراءة وكتابة لغات أخرى غير لغتهم الأم، وبات الكثير منهم في مهب الريح إذا ما بدا في الأفق بوادر حل سياسي في سوريا، وطرح فكرة العودة إلى الوطن الأم ولكن بدون لغة أم، بعد أن أمضوا سنوات في مدارس خارج سوريا، نسوا العربية أو لم يتعلموها أصلاً، وسط معادلة من الصعب حلها إن عاد الطالب إلى المدارس السورية وهو ربما في المرحلة الإعدادية، ولا يجيد القراءة والكتابة باللغة العربية.

خارج سوريا بات الاغتراب الثقافي والتأخر اللغوي ونسيان اللغة العربية، عنواناً بارزاً لمعظم الأطفال السوريين الذين باتوا يتقنون قراءة وكتابة لغات أخرى غير لغتهم الأم، وبات الكثير منهم في مهب الريح.

عدا عن عقود من العلاج النفسي وغسيل الثقافة المجتمعية التي ستحتاجه الأجيال الراهنة السورية، لمحو آثار التشبيح والطائفية والخوف والتنمر، ونسيان الثقافة التي عاشوها، واليتم ومئات المشاكل النفسية التي نمت وكبرت مع أطفالنا، فصوت القصف والانفجارات وحده يحتاج سنوات كي تنمحي آثاره النفسية من أعصاب هذا الجيل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!