قراءةٌ في عملية مقتل البغداديّ في إدلب

هل يمكن فصل عملية مقتل البغدادي عن تطورات المشهد الأمني والعسكريّ في إدلب؟ وما الرسائل التي وجهتها إدارة ترامب للعالم بعد تنفيذها عملية الاغتيال؟ وما هو دور المخابرات التركية التي وقعت العملية في مناطق نفوذها؟.

0
بقلم: د. محمد عادل شوك

يرى عددٌ من المراقبين أن عملية مقتل البغدادي لا يمكن فصلها عن تطورات المشهد الأمني والعسكريّ في إدلب.

وهم يشاطرون تركيا الرأيَ في أنّ دفع البغداديّ إلى شريطها الحدودي مع سورية، ليقوم بالدخول مع أسرته إلى منطقة الريحانية في الداخل التركي، كان الغرض منه هو محاصرتها بالجرم المشهود، وهو الأمر الذي تداركته أنقرة، فبادرت إلى الاتصال بإدارة ترامب لحسم خيارها: إمّا أن تقوم واشنطن بقتله، أو تترك ذلك لأنقرة.

وهم يَرَوْن أنّ مقتله سيشكِّل نقطة تحوّل في المعركة المشتركة ضد الإرهاب، كما قال الرئيس أردوغان، وأنّ هناك كثيرًا من الأسئلة المثارة عن هذه المصادفة التي جمعت قرار الانسحاب الأميركي من شرق الفرات، وتزامنه مع عملية تصفية البغدادي، أليس ممكنًا أن يكون رأس البغدادي جزءًا من صفقة بين الرئيسين التركي والأميركي؟ فتكون تصفيته مقابل الضوء الأخضر أمام العملية العسكرية التركية في شرق الفرات؟

هناك حديثٌ يتمّ تداوله، ووصل صداه إلى وسائل الإعلام، عن الدور التركي الفاعل في عملية مقتل البغدادي، وبأنّ المعلومات الاستخبارية التي حصلت عليها الاستخبارات التركية هي التي ساهمت في تحديد مكانه، وبأنّ هذه المعلومات قد مُررت إلى الرئيس ترامب حين لقاء نائبه مع الرئيس أردوغان، في: 17/ أكتوبر.

غير أنّ هناك أصواتًا في واشنطن لم تتوقف عند ما تقوله أنقرة، وهي تذهب إلى أنّ القرار بتنفيذ هذه العملية في هذه المنطقة على منطقة نفوذ أنقرة، هو رسالة تذكير أمريكية ثانية بعد عملية مزارع بروما: المتاخمة لمدينة إدلب، قبل أشهر قليلة، بأنّ تلك المنطقة لم تعد حديقة خلفية لذئب الأناضول أو الدبّ الروسي، وأنّ الفيل الأمريكي قادم إليها لا محالة، والأمور عندها ستشهد تغيّرًا دراماتيكيًا ملحوظًا.

وهي ستطلب منهما تنفيذ اتفاقيات غرب الفرات، بالقضاء على التنظيمات الجهادية، وإلَّا فإنها ستتحرّك للقيام بهذه المهمة من غير تردّد، وأنها قد فرضت عليهما أمرًا واقعًا جديدًا، يتمثَّل في التنسيق معها بعد الآن ضد تلك الجماعات.

أغلب الظنّ أنّ بوتين سيتحرّك بعد الآن وفق طريقته في إدلب إذا لم تتحرك القوات التركية ضد الهيئة، بذريعة أنّ الوعود التركية لم تنفذ، وأنّ الهيئة تقوى ميدانيًا يومًا بعد الآخر، الأمر الذي سيزيد من صعوبة اقتلاعها لاحقًا.

وهي الخطوة التي تركت أنقرة وموسكو وجهًا لوجه؛ لا بلْ حملت موسكو على التحرّك على التصعيد لاسترداد الاعتبار الذي فقدته بسبب هذه العملية، التي أظهرت أنّها والنظام على حدٍّ سواء لم يكونا في صورة ما جرى في باريشا، وأنّ ما قيل عن التواصل معهما لم يتعدّ سوى الأعلام بتحرّك طائراتها على مقربة من قاعدة حميميم في تلك الليلة.

يغلب على الظنّ أنّ بوتين سيتحرّك بعد الآن وفق طريقته في إدلب إذا لم تتحرك القوات التركية ضد تلك الجماعات، بذريعة أنّ الوعود التركية لم تنفذ، وأنّ هذه الجماعات تقوى ميدانيًا يومًا بعد الآخر، الأمر الذي سيزيد من صعوبة اقتلاعها لاحقًا.

هذا فضلاً على ما أخذت واشنطن تقوله لطرفي أستانا، بأن العملية التي وقعت في منطقة نفوذ هيئة تحرير الشام، لتدللّ على أنّ العلاقة بين هذا التنظيم وبين الجماعات الجهادية الأخرى، لم تنقطع على الرغم من كل ما قيل حول الطلاق والقطيعة بينهما؛ لا بل هي تردّد على مسامعهما بأن البغدادي لم يتّجه إلى المنطقة، إلاّ وهو يدرك ذلك.

وبذلك تكون الرسالة قد وصلت من الرئيس ترامب: “إنّ يدنا طويلة، وسنواصل ملاحقة الإرهابيين أينما كانوا”. وهو بذلك سيستغل هذه العملية في الداخل الأميركي: سياسيًا وانتخابيًا؛ إمّا أن تقوموا بما هو مترتّب عليكما، وإلاّ فافسحوا لنا الطريق، فنحن قادمون لنقوم بما عجزتم أنتم عن فعله.

وهو الأمر الذي قرأته موسكو، فأرادت أن تبادل واشنطن القناعة بأنّ تركيا، هي غير الجادة في إنهاء ملف إدلب، وأنّ المُهَل التي تطلبها لا تعدو أن تكون لكسب الوقت وتحسين شروطها معها ومع واشنطن، وأنّها لن تتأخر بعد الآن في حسم ملف تلك الجماعات، وفق طريقتها الخاصة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!