الوعي الفاشي والعدالة الواهية… ترسيخ الأوتوقراطية

هل يحق لنا أن نطلق لفظ “وعي أوتوقراطي” على مجموعة المبادئ التي يتبناها الناس تحت مسميات عديدة، منها حرية الاقتناع تحت الستار الإيديولوجي المتطرف، الديمقراطية المشروطة بعدم المخالفة للرأي!

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إنّ الأوتوقراطية كنظام حكم قد لا تختلف كثيراً عن الديكتاتورية مع بعض الفوارق وهي أنّ النظام الديكتاتوري هو نظام شمولي يكون بيد فرد له جميع الصلاحيات أو حزب يسيطر على كافة الأمور، وهنا كثيراً ما يكون الشعب الذي يعيش ضمن هذه الدائرة، يحمل الولاء من جانب الخوف من البطش والقمع، أما النظام الأوتوقراطي فهو بالتأكيد يكون بيد حاكم فردي أو جماعة حزبية لكن جوهره يتميز بأنّ الشعب يصبح مدافعاً شرساً عن ذلك النظام وهو مقتنع أنه يعيش تصور العدالة ويصبح موالياً دون الحاجة للخوف.

إنه يعيش تجربة القناعة التامة، ومن أمثال الحكم الأوتوقراطي تاريخياً، ما يمكن أن توصف فيه الفترة الرومانية، أو حتى المعتقدات القديمة التي تنظر لطبيعة الحكام الآلهة، وربما مثالها الأبرز القريب كان في التجربة النازية والاشتراكية السوفيتية، لكنها بالطبع لا تقتصر على هذا الجانب الذي قد يجد فيه البعض مبرراً، أن الأوتوقراطية هي نتاج مرحلة غربيّة فقط.

وحديثنا هنا ليس عن الأوتوقراطية بمعناها السلطوي بقدر ما هي محاولة لفهم كيف يصبح الإنسان جزءً من هذه الأوتوقراطية طوعاً وكيف تتجسد بأي مجموعة قد تلتف على نفسها تحت شعار الحرية والعدالة. إنها بالضبط نظام إقصائي وتهميشي لكل شخص يخالف ذلك النظام.

فهل يحق لنا أن نطلق لفظ “وعي أوتوقراطي” على مجموعة المبادئ التي يتبناها الناس تحت مسميات عديدة، منها حرية الاقتناع تحت الستار الإيديولوجي المتطرف، الديمقراطية المشروطة بعدم المخالفة للرأي!

حديثنا ليس عن الأوتوقراطية بمعناها السلطوي بقدر ما هي محاولة لفهم كيف يصبح الإنسان جزءً من هذه الأوتوقراطية طوعاً وكيف تتجسد بأي مجموعة قد تلتف على نفسها تحت شعار الحرية والعدالة.

إنّ الأوتوقراطية في الوعي (وخاصة الشعبي) هي أخطر بآلاف المرات من الديكتاتورية وداعميها، لسبب أن الأخيرة تقوم أساساً على التبجح والقمع، أما الأوتوقراط فيقوم على التوهّم وإقناع الناس بالعدالة الزائفة، إنها عدالة تحتوي في طياتها فقط من هم مستعدون أن يحاربوا أي شخص يخالفهم الرأي حتى قد تصل إلى مراحل الموت للآخر.

وإنّ أشد الداعمين لبناء الوعي الأوتوقراطي هم البشر الضعفاء الذين يندرجون فيها لأنهم يرون حياتهم ضمن ذلك الانضباط الصارم ويصبحون نتيجة ضعفهم وجهلهم أشخاص ذوو مكانة تقوم على مبدأ القوة السياسية الحاكمة لا على قدرة الإنسان على تقديم شيء مفيد للبشر والمجتمع، إنها بنية انضباط عسكري ذهني داخل الأدمغة وإن تجلت بأشكالها المدنيّة.

إنه بالضبط وعي يقوم على قومية أو دين أو طائفة، إنها المجموعة المسيطرة التي يصبح الوعي الإنساني خاضعاً لها ومتوهماً قدرتها على الإنجاز.

وإنّ أحد أهم أشكال ترسيخ الوعي الأوتوقراطي لدى الناس هي الخطابات التي تأتي من منطق الحث على المظلومية الدائمة، وضرورة تحقيق العدالة، وبالأصل تنطلق من القاعدة إلى القمة، فمثال الديكتاتورية قد تأتي بانقلاب عسكري أو قد تُشترى فيه الذمم لخلق تجمعات ديكتاتورية أصغر، لكن الأوتوقراطية هي القاعدة الشعبية التي تتسع تحت مبدأ العدالة والتحرر وتتبنى إيديولوجيا ما لتتوسع وتسيطر وتتحول إلى شكل إقصائي لكل ما يخالفها وبالأخص عندما يكون هذا الوعي الشعبي لا يعالج مشاكل مجتمعه بإطار مدني، بل معاجلة تأتي بطريق الولاء المطلق والأعمى لأيديولوجيا خاصة.

في النظام الأوتوقراطي، يشعر الأفراد العاديون المهمشون بأنهم يمتلكون القدرة الكاملة في السيطرة والتحكم، ويستمدون ذلك الشعور من الفرد الحاكم، فيمكن أن نقول ببساطة أن أي نظام مخابرات في العالم يمتلك وعياً أوتوقراطياً (كأفراد) يقوم على التحكم بكل تفاصيل حياة البشر.

النظام الأوتوقراطي هو بجزء كبير منه يقوم على الوعي الفاشي. الإقصاء للآخر دون اهتمام بوجوده.

إذاً فالنظام الأوتوقراطي هو بجزء كبير منه يقوم على الوعي الفاشي. الإقصاء للآخر دون اهتمام بوجوده.

لكن ما هو الوعي الفاشي، كيف يُبنى، وهل فعلياً يمكن له الاستمرار دون نظام سياسي يدعمه؟

بالتأكيد يمكن له الاستمرار دون وجود نظام سياسي، فالمسألة هنا لا ترتبط أبداً بداعم إن كانت القاعدة مؤمنة به، فالإيمان بذلك الشكل سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى ظهور تلك الصيغة السياسية التي يتحول فيها المجتمع إلى مرحلة إقصاء وتهميش للتنوع الفكري في المجتمع قبل إقصاء التنوع المذهبي أو الديني أو القومي. وليست بالضرورة أن تتمحور الفاشية ضمن بند العلمانية. من الصحيح أنّ الأشكال المُعلمنة لنُظم الحكم أدت بطريقة ما تاريخياً لظهور الفاشية لكنها لا تتوقف عندها، إن أي إيديولوجيا تؤمن أنّ المجتمع يجب أن يكون متطبعاً بحسب قناعاتها فقط هو شكل وعي فاشي، إن كان علمانياً أم اشتراكياً أم دينياً أم مذهبياً.

وربما أكبر تجسيد فني لهذا المفهوم جاء في الفيلم الألماني الموجة (Die Welle) عام 2008، حيث يشرح واحدة من أقسى التجارب الإنسانية التي وضحت بعمق، أن الأنظمة الأوتوقراطية وتحولها تدريجياً إلى ديكتاتوريات، اعتمادها الأساسي على الأشخاص المهمشين في المجتمع والأكثر ضعفاً لجعلهم اليد الأساسية للسلطة التي تضرب أي محاولة للتنوع الفكري والثقافي في المجتمعات؛ فالأشخاص الميالون للعمل بالاستخبارات أو ميالين لمفهوم السلاح بالعام، هم أفراد محطمين من الداخل، يتم تسليمهم نفوذ اجتماعي ليكونوا اليد الحديدية لتدمير هوية أي شخص يحاول مجرد محاولة أن يفكر أو يرفض البؤس الذي يعيش به.

لذا فوجود هذا الوعي في الأنماط الشعبية هو كارثة إنسانية تحطم المجتمع من الداخل، وهو يستحق محاربته على نفس القدر من محاربة السلطة الديكتاتورية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!