أنثى الثعلب.. التهكم من الذات

هل باتت الآلية الساخرة بالأحاديث شكل ممنهج لأي نظام شمولي يريد أن يزرع نمطية داخل الوعي؟ وها باتت هذه المسألة بالنسبة لهذه الأنظمة ترسيخ لآلية وعي جديدة لدى الناس، من التهكم الذي لا معنى له.

0
بقلم: علي الأعرج

قبل أربع سنوات، عندما كانت تدمر تسقط بيد داعش، كان تلفزيون النظام السوري يعرض على قناته برنامجاً ثقافياً حول “كيف تلد أنثى الثعلب”.

رغم بؤس هذه الحقيقة وقسوتها ومرور هذا التاريخ على الحادثة، إلا أن مستوى الحقارة في تلك المرحلة وبذلك الشكل، يصيب الشخص بالهذيان لدرجة الضحك؛ أي مستوى من الوضاعة يمكن أن توجد في آلة إعلامية كما لدى النظام السوري!، وبالطبع الحديث عن هذا الأمر في هذا الوقت، غير مهم كثيراً، فبعد كل ما جرى، ليست مشكلة أن النظام عرض برنامج حول أنثى الثعلب، لكن الأهم هو كوميديا المجتمع البائس الذي يحيا في عمق ذلك النظام.

لقد وصل البشر إلى مرحلة عندما تخونهم الكلمات والمشاعر والقدرة العميقة بالتعبير عن غضبهم، ذلك الإحساس بالشلل والفشل التاريخي وانهيار الحياة والمستقبل، لم يكن لديهم حل سوى الحديث عن أنثى الثعلب، لقد تحولت ثقافة بلد بأكملها إلى خبراء في الطريقة التي تلد بها تلك الأنثى.

اليوم عندما نستعيد تلك الصورة الإعلامية، تجابهنا حقيقة مغايرة عما كنا قبل أربع سنوات نفهمه ونحاول نقده، وهو حرفية هذه الأنظمة في خلق صور مختلفة عما تبدو عليه.

سابقاً كنا نشاهد الموضوع من زاوية، أن النظام يحاول تهميش الواقع السياسي من خلال استعراض أمور ومواضيع غير مهمة، كمن يقول بأنه لا شيء يجري في البلد، وحتى الثقافة ما زالت تعمل، لكن اليوم اختلفت صورة تلك السلوكية الإعلامية؛ بطريقة ما الأنظمة الديكتاتورية، الأمنية، الشمولية والعسكرية، لن يهمها كثيراً أن تتحدث بحقيقة التدمير الذي تفعله، لا تملك مشكلة بأن تُظهر للعالم أجمع وجهها السافل، وبالأخص أنها مدعومة من قوى كبرى كروسيا وإيران، لكن محاولة ذلك التهميش الإعلامي، هدفه في الدرجة الأولى أن يتوجه إلى المستوى النفسي لدى الناس، خلق حالة من إحساس بالفشل أمام واقع مرير، وتحويل الغضب والحقد على النظام إلى تهكّم من الذات؛ تماماً مثلما جرى مع أنثى الثعلب.

التهميش الإعلامي، هدفه في الدرجة الأولى أن يتوجه إلى المستوى النفسي لدى الناس، وخلق حالة من الإحساس بالفشل أمام واقع مرير، وتحويل الغضب والحقد على النظام إلى تهكّم من الذات؛ تماماً مثلما جرى مع أنثى الثعلب.

مجتمع بأسره عندما يجلس في مقهى أو مدرسة أو شارع أو محل طعام، بدأ يكرر ذات الصيغة التهكمية مما يريده النظام وإعلامه، وهو أن يسخر الناس من النظام بهيكل النقد بالحديث عن أنثى الثعلب بينما البلد تحترق، وخلق حالة لدى البشر في شعورهم بالتهكّم من النظام، لكنه في حقيقته ليس سوى تهكّم من الذات البائسة والمحطمة.

فالإنسان الذي يبدأ بحديث عن أنثى الثعلب ليس لأنه غير واعٍ للدمار الذي يعيشه، بل لأنه يريد أن يستهزئ بالنظام بطريقة غير مباشرة، دون أن يعي أن النظام يريد ذلك الاستهزاء وبتلك الصورة الحصرية.

لا يوجد ما تقوله فعلياً بالنسبة لحياتك، فالأحرى أن تتحدث عن أشياء غير مهمة؛ لقد تأقلمت الناس في تلك اللحظة مع بؤسها التهكمي. وهذه الآلية تتحول مع مرور الوقت إلى شكل لتصبح دعابة عميقة في الوعي، فقد تصل إلى مستوى إذا جلست مع أحد ما وينتهي أي شكل للحوار، فتبدأ بالحديث عن كيف تلد أنثى الثعلب، تماماً مثل كثير من المواضيع، عندما تجالس شخصاً وتشعر بأنه لم يعد بينكما ما يُقال، فتستخدم صيغ الموافقة على أي شيء، حتى لو كنت غير مقتنع بما يُقال، إنها رغبة لكسر الصمت دون فائدة، أو أن يتحدث شخصان عن قدوم فصل ما وتعيد الحقيقة المزعجة للفصل والذي يعرفها جميع البشر، بأن تقول مثلاً أن الصيف سيء لأنه يسبب التعرق، ويوافقك الآخر بعمق كمن يحاول قول أنه على تواصل معك.

هذه الآلية الساخرة بالأحاديث ليست وليدة موقف عفوي ضمن الحياة، إنها شكل ممنهج لأي نظام شمولي يريد أن يزرع نمطية داخل الوعي.

أخبرني أحد الأشخاص عن الضحك الشديد عندما جلس في أحد المقاهي فسمع ثلاث مجموعات يتحدثون عن أنثى الثعلب وكيف تلد بينما البلد تحترق. تلك اللحظة هي محاولة ترميم للذات أمام فشل الواقع، ترويض غير مباشر وتهكم عميق من وصول الإنسان إلى مرحلة لا رجعة فيها من البؤس والهزيمة.

المسألة بالنسبة لهذه الأنظمة ليست إخفاء للحقيقة، بل ترسيخ آلية وعي جديدة لدى الناس، من التهكم الذي لا معنى له.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!