هل تؤتي اللجنة الدستورية أُكُلها؟

أي حل سياسي يأتي بعد حسم عسكري فرضته دول دخيلة؟ أي حل سياسي تقدمه سلطة مستبدة وقبضة أمنية؟ وهل يمكن أن يتأتى حل سياسي من سلطة أمنية قمعية خبر العالم دمويتها؟.

0
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” الاثنين (23 أيلول/سبتمبر 2019) تشكيل لجنة دستورية سورية تضم ممثلين عن كلّ من النظام والمعارضة والمجتمع المدني بهدف مراجعة الدستور والتوصّل لحل سياسي ينهي النزاع العسكري المستمر منذ أكثر من ثمانية أعوام.

بدأت اللجنة أعمالها في جنيف بتاريخ 30/10/2019 وقد أرسل المبعوث الأممي إلى سوريا “غير بيدرسون” خلال كلمته بافتتاح الجلسة، رسالة إلى أعضاء اللجنة بضرورة التوافق على إصلاحات دستورية وهي المدخل لإجراء تسوية سياسية. ورسالة إلى الشعب السوري بأنه عليه أن يوافق على مخرجات عمل اللجنة.

هل بإمكاننا فعلاً أن نتفاءل باقتراب حل سياسي للمعضلة السورية.
هل تتحقق آمال الحكومات الأوربية بإعادة السوريين إلى “وطنهم”.
هل تؤتي تلك الهيئة أكلها هذه المرة.

المبعوث الأممي إلى سوريا عبر بوقت سابق عن تفاؤل حذر، فهو لا يرى أن اللجنة ستنجح بالتوصل إلى حل الأزمة السورية، لكن يمكنها أن تسهم بتجاوز الاختلافات داخل المجتمع السوري وخلق ثقة متبادلة، ومن جهة ثانية سوف تكون قادرة على إطلاق عملية سياسية شاملة، والأهم هو أن صياغة دستور جديد لسورية تتم من قبل سوريين وعلى المجتمع السوري الموافقة عليه -وفق تعبيره-

الأمين العام للأمم المتحدة “غوتيريش” يعتبر اللجنة الدستورية مستقلة وذات مصداقية وهي متكافئة، تدعمها الأمم المتحدة، وتعمل لأجل عقد اجتماعي جديد يساعد على إصلاح بلد مدمر.

بداية أتى تشكيل اللجنة من قبل أطراف دولية متواجدة عسكرياً على الأرض السورية وتفرض سلطتها على البلد، تم ذلك برعاية دولية، دون اعتراض من أي جهة سياسية أو حقوقية، وهذه سابقة خطيرة بتاريخ العلاقات الدولية، وتراجع سافر بأداء الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المنبثقة عنها.

فتمرير قرار تشكيل اللجنة الدستورية بداية ومن ثم مباركة انطلاق أعمالها، يعني التخلي عن المسؤولية الأممية للمنظمة الدولية، وتسليم مصير دولة وشعبها إلى سلطة احتلال متواطئة مع حاكم اغتصب السلطة بعيداً عن إرادة الشعب السوري. إن اختزال القضية السورية إلى دستور واستبعاد موضوع الانتقال السياسي للسلطة من خلال هيئة حكم انتقالي، موضوع بيان جنيف 2012 وقراري مجلس الأمن 2118، 2254 الذي يعتبر أساس العملية السياسية في سوريا. فكان تشكيل اللجنة الدستورية، التفاف على بيان جنيف وقراي مجلس الأمن 2118، 2254 ومن ثم إبقاء الحال على ما هو عليه.

تلك الهيئة لا يمكن أن تكون إلا أداة إضافية لإنهاء الحراك الثوري وإيقاظ السوريين من حلمهم بالتغيير الديمقراطي، وإعطاء الشرعية لنظام الحكم في سورية.

قرار تشكيل اللجنة الدستورية تم بطريقة غير قانونية، ومتابعتها العمل يشكل اشتراك بجريمة سياسية ترتكب بحق الشعب السوري.

“تضمن التقرير المنجز في إطار المؤتمر السادس (VI) لتوحيد القانون الجنائي المنعقد في كوبنهاكن سنة 1935، ورقة مفصلة حول مفهوم الجريمــة السياسية رغم الانتقادات التي وجهت إليه، إذ تم وضع تعريف للجريمة السياسية تبناه جميع أعضاء المؤتمر حدد فيما يلي: “الجرائم السياسية هي جرائم موجهة ضد تنظيم الدولة وسيرها، وكذلك الجرائم الموجهة ضد حقوق المواطن التي تشتق منها. وهي ما يطلق عليها اسم الجريمة السياسية البحثية”

من جهة، سوريا دولة تحت الاحتلال، ومن جهة، قرار تشكيل اللجنة الدستورية ينص على أن تطرح مخرجات عملها (مشروع الدستور أو التوصيات بتعديل الدستور النافذ) على الاستفتاء الشعبي، ويتم ذلك بموجب الدستور الحالي وبمرسوم بإجراء الاستفتاء. بمعنى أوضح لقد منحت الشرعية لحكم بشار الأسد ومكنته المزيد من الوقت لاستمراره بجرائمه بحق الشعب السوري، بالرغم من رفضه من قبل الشعب السوري؛ وغض الطرف عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها.

صحيح إن أعضاء اللجنة هم من السوريين بتمثيل عددي متساوي بين هيئة التفاوض وتمثل “المعارضة السورية” وبين الحكومة، والثلث الثالث للمجتمع المدني. هذه المساواة شكلية، حيث بقي مركز القوة بيد النظام، ومنهم مقيم داخل الأراضي السوري وهؤلاء محكومين بالقبضة الأمنية مثل كل السوريين، كما يلاحظ من خلال حساب بسيط يتبين أن النتيجة محسومة سلفا، لا جديد.

من المبادئ الأساسية بوضع الدساتير، أنها لا توضع بفترات الحرب، والنزاعات المسلحة، بتلك الأوقات تكون الإرادة مغيبة وأولويات الناس مختلفة عن أوقات الاستقرار والأمان.

من المبادئ الأساسية بوضع الدساتير، أنها لا توضع بفترات الحرب، والنزاعات المسلحة، بتلك الأوقات تكون الإرادة مغيبة وأولويات الناس مختلفة عن أوقات الاستقرار والأمان، ولكون المكلفين بالصياغة يعينون تعيين وهم مرتبطون بمراكز القوى، في حين الدستور يتم وضعه من قبل هيئة منتخبة.

موسكو لم تتدخل بشكل مباشر في عمل اللجنة، هدفها أبعد من ذلك، إنها توجه أنظار المجتمع الدولي مرة أخرى إلى إمكانية إيجاد حل سياسي للأزمة السورية من خلال الطريق الذي ترسمه موسكو وتوجه إليه؛ الأمر الذي يفتح المجال ثانية للغرب بمد اليد للأسد بدون حرج، فما يهم الساسة الغربيين إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، والمساهمة بمشروع إعادة البناء. لذا تبنت دعم عمل اللجنة الدستورية بل بالغت في تقييم دورها، كمن وجد أنها ستصل إلى الإعداد لانتخابات ديمقراطية.

هذا هراء؛

أي حل سياسي هذا بعد الحسم العسكري الذي فرضته دول دخيلة، أي حل سياسي تقدمه سلطة مستبدة وقبضة أمنية، لا يعنيها من أمر الشعب السوري وحياته ومعيشته وكرامته شيء، كيف ينجز حل سياسي بمشاركة جهة لم تعرف مشاركة الشعب بالعمل السياسي طيلة أكثر من خمسة عقود، هل يمكن أن يتأتى حل سياسي من سلطة أمنية قمعية خبر العالم دمويتها.

تلك الهيئة لا يمكن أن تكون إلا أداة إضافية لإنهاء الحراك الثوري وإيقاظ السوريين من حلمهم بالتغيير الديمقراطي، وإعطاء الشرعية لنظام الحكم في سوريا. سوف يستمر عمل اللجنة شهور وسنين ويبقى الحال على ما هو عليه. آلاف المعتقلين والمغيبين قسراً والمفقودين، استمرار القتل والتهجير، استمرار القمع والعنف بعلم ومعرفة ومباركة المنظمات الأممية والمجتمع الدولي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!