راية بيضاء (1/3)

0

أمجد ناصر

لا يولد فجر من دون جرح

على جسد الليل دم وتراب ومشيمة

فاجأ الشاعر الأردني أمجد ناصر متابعيه وقراءه على موقع فيسبوك بتدوينة مؤثرة تحمل عنوان “راية بيضاء”، يوجز فيها فحوى آخر زيارته إلى طبيبه في مستشفى تشرينغ كروس في لندن حيث تم إبلاغه أن “العلاج فشل في وجه الألم”.

في آخر زيارة إلى طبيبي في مستشفى تشرينغ كروس في لندن. كانت صور الرنين المغناطيسي عنده. من علامات وجهه شعرت بنذير سوء. قال من دون تأخير: الصور الأخيرة لدماغك أظهرت للأسف تقدماً للورم وليس حداً له أو احتواء، كما كنا نأمل من العلاج المزدوج الكيمو والإشعاعي.

كان مساعده دكتور سليم ينظر إلى وجهي وفي عيني مباشرة، ربما ليعرف رد فعلي.

قلت: ماذا يعني ذلك؟

قال: يعني أن العلاج فشل في وجه الورم.

قلت: والآن ماذا سنفعل؟

رد: بالنسبة للعلاج، لا شيء. لقد جربنا ما هو متوافر لدينا.

وفي ما يخصني ماذا عليّ أن أفعل؟

قال: أن ترتب أوضاعك. وتكتب وصيتك!

قلت: هذا يعني نهاية المطاف بالنسبة لي.

ردّ: للأسف.. سنحاول أن تكون أيامك الأخيرة أقلّ ألماً. ولكننا لا نستطيع أن نفعل أكثر.

قبل أن أغادره قال: هذه آخر مرة تأتي فيها إلى عيادتي. سنحولك إلى الهوسبيس. وكانت آخر مرة سمعت فيها هذه الكلمة، عندما دخلت صديقة عراقية أصيبت بالسرطان في المرحلة النهائية. يبدو أن الهوسبيس مرفق للمحتضرين أو من هم على وشك ذلك.
قلت له: لدي أكثر من كتاب أعمل عليه، وأريد أن أعرف الوقت.

حدد وقتاً قصيراً، لكنه أضاف هذا ليس حساباً رياضياً أو رياضيات. فلا تتوقّف عنده.

الطريق إلى الكتلة

عدو شخصي

ليس لي أعداء شخصيون
هناك نجم لا يزفُّ لي خبراً جيداً،
وليلٌ مسكون بنوايا لا أعرفها.
أمرُّ بشارعٍ مريبٍ وأرى عيوناً تلمع
وأيدياً تتحسس معدناً بارداً،
لكن هؤلاء ليسوا أعداء شخصيين،
فكيف لجبلٍ
أو دربٍ مهجورٍ أن يناصباني العداء،
أو يتسللا إلى بيت العائلة؟
أيها الشيء القاتم الذي أخذ أمي وحبيبتي الأولى
والأنفاس التي رفعت عليها مداميك حياتي إلى الجانب الآخر من التراب
ما أنت؟
ما مشكلتك معي
إن كنت رجلاً اخرج إليَّ من مكمنك
تعال نلتقي في أي جبَّانة تريد
وجهاً لوجهٍ
لسوف ألقنك مواثيق الرجال
كما لقنتني إياها الصحراء والغدران الجافَّة
أرني وجهك قبل أن تنتضي قناعك الذي تسمّيه عقاباً إلهياً
فأنا لي آلهتي أيضاً لكني لن أدعوها لنزال الوجوه السافرة
إن كان لك دين عندي
أو مشكلة شخصية كأن أكون خطفت هيلين الشقراء من حضنك
ومرغت شرفك في الوحل
مع أني لا أذكر شيئاً كهذا
لا تسترد دينك من الذين يمرون في هذه الدنيا
كما تمر أنفاس الرعاة في قصب الناي..

روح حرَّة

(إلى هند)
أيَتها الروح الحُرَّة.
لم تنطفئ شعلتك رغم الريح التي تهب في غير موعدها،
رغم الأيام الجافة
الأيام الماطرة
النجوم التي صارت صخوراً بعدما هجرتها الأغاني
وهذه الليالي المرسومة بالفحم
كيف كانت ستدلني على الطريق.
زرعنا زيتونةً فأثمرت.
شتلة عنب فغطّت سياج الجارة التي لم تعرف
كيف نصنع من أوراقها الخضر طعاماً وخارطة
يدُكِ تقلب التراب فتعثر على دودة
تعيدها إلى مكانها،
شذرة ذهب فتطمرها
لعلها علامة الغريب الباحث عن كنز أجداده الذين مروا من هنا.
كنزك لا يلمع. بل يطلع من غصن يابس، وجذرٍ ذاوٍ.
ها نحن نرفع يداً فيرتد أربعون ظلاً على حائط الحمائم المطوَّقة
لم يعد، هنا، للكلام معنى إلا في رواسبه الغائرة
فقد أودع الأيدي سعفٌ كثير لأيام الأسبوع.
أيتها الروح الحرة
لا الأحمال هدَّتك
ولا طول الطريق.
الرحلة التي بدأت برقصة تحت نجم
لم تبلغ تلال الوعد السبعة بعد.

لم تكن لهذه الكلمات مناسبة. هكذا خطر في بالي حينها. إنها ليست أكثر من تحية لرفيقة رحلة شاقة. ولكن كلا، ففي ثناياها، في ما لم أره من وجوهها المحجوبة عني، حتئذ، تمدد شريط من الورم بين جسدين. عندما، لا تجد أي خيار، وربما بمحض اختيار حر، “تتبرع” ببضعة من لحمك (كلية) لتمشي خطوات أكثر مع رفيقة/ رفيق حياتك، قد يكون هذا أقصى ما بوسعك عمله، ثم تظن أنك قدمت، أخيراً، “هديتك”/ أو ربما “أضحيتك”. تُقبل “الأضحية” وتقوم بعملها على أفضل وجه.. إلى حين، لكنه حينٌ طويل بعض الشيء (ست سنين)، إلى أن “تتسرطن”، وتفشل.. ثم يصار إلى استئصالها ورميها في مختبر ما لمزيد من “الدراسة” والتحليل.

********

كان صيف لندن هذا العام “هندياً” كما يقولون، هنا، عن الطقس الحار. يبدو أنني غفوت على أريكة في صالون منزلي. فكَّرت أنني أحلم: كان حولي ابني وابنتي وأخي، وكل منهم يقيم في بلد، تأكدت أنهم موجودون فعلاً، فهم يتحدثون، وهذه أصواتهم التي أعرفها. وهذه يد ابنتي تمسح العرق الذي بلل رأسي وعنقي بمنشفة. مع ذلك أظنني سألت باستفهام، أو استنكار، (لست متأكداً): لِمَ أنتم هنا؟ لأنك لست على ما يرام.

كان رأسي خالياً من أي صورة. ذهني مشوَّش، ولكن بلا تفاصيل. أخبروني بما جرى:
كنت أنزل من سيارة أجرة أمام بيتي، ثم سقطت على الأرض. لكن لِمَ كنت أستقل سيارة أجرة وأنا لدي سيارة؟ يبدو أنني كنت عائداً من المركز الصحي المحلي بسبب صداع “زائد” عن الحد أصابني في الأيام الماضية. صداع غير ذلك الذي تعايشت معه طويلاً. حتى مع هذا التسلسل للأحداث، المسرود علي، ظلت هناك ثغرة لم تردم. في يدي سوار بلاستيكي عليه اسمي ورقمي الطبي، وتاريخ يشير إلى يومين سابقين. ما هذا؟ سوار كهذا لا يوضع في اليد إلا إذا نمت في مستشفى.

هناك خور في جسدي. داخلي فارغ. إحساس بتخدير قوي. تذكرت ليلة طويلة في جناح الطوارئ. كنت هناك. كان لدي ألم لا يطاق في خاصرتي اليمنى. صداع شديد. سمعت كلمة مورفين. كأني قلت لهم: كلا. ولكنهم لم يسمعوني. أو لم يتوقفوا عند اعتراضي. ألم كهذا لا يعالج إلا بالمورفين. هناك تقرير صغير يقول: احتمال حصى في الكلية! لم تكن هناك صور شعاعية للجسم، الرأس خصوصاً.

جاءت سيارة الإسعاف التي أقلتني إلى مستشفى تشيرنغ كروس، ذائعة الصيت، وليس مستشفى منطقتنا، في غرب لندن. في الأثناء قام الطاقم الطبي بفحصي. ركزوا على يديّ وقدميّ. عيني. طلبوا مني رفع يدي إلى الأعلى. خصوصاً الجانب الأيسر. هؤلاء يحملون أجهزة متكاملة. يصلون إلى نتائج سريعة ويقررون طبيعة المستشفى التي يتوجهون إليها.

كنت وحدي. هذا ما أظنه. لا أحد من عائلتي معي. أين هم؟ زوجتي في المستشفى. مستشفى آخر. سرير آخر. بجانبه كرسي لزائر. الفشل الكلوي يعود بعد سنين من العمل “الجيد” لكلية “سليمة”. لكن هذه الكلية السلمية يتسلل إليها الورم السرطاني. جاء هذا من جسد لم يكن يعاني أوراماً، ولا حتى في الخيال!!

فهمت من الطاقم الطبي أن الأمر قد يتعلق بجلطة دماغية. السرير يدفع في الباب الرئيسي لمستشفى تشيرنغ كروس. إلى الطابق الحادي عشر (أم لعله العاشر؟). تظهر لافتات تشير إلى الجراحات الدماغية. بلا إبطاء إلى تصوير المقطعي. لا تتأخر الصور في الظهور. أنا في السرير. يسألني الطبيب الذي يقدم لي نفسه: دكتور خان. أسئلة ستكرر لاحقاً، بلا توقف تقريباً. يعود الجسد إلى اسم وتاريخ ميلاد ينبغي أن ينضبطا في ملف طبي. جاء طبيب شاب يدعى علي: مصري. يتحدثان. الصور تظهر شيئاً آخر. كلا، لم تكن جلطة دماغية. شعرت أن دكتور خان يتهيأ لرمي قنبلة. سألني إن كنت أفضل وجود فرد من العائلة. قلت له مازحاً، كأنك تمهد الأرض لرمي قنبلة؟ ضحك. قلت له: ارمها:
الصور تظهر، للأسف، ورماً في الدماغ.

ماذا؟
ورم في المنطقة اليمنى من الدماغ، ها هي الصورة. أرى الصورة. وردة متوحشة. شكل هندسي نابض. يسميه دكتور خان: كتلة MASS.

صمتُّ. لم أكن أتوقع خبراً كهذا. ربما أي شيء آخر.

ينتقل، فوراً، إلى ما هو عملي: سنبدأ علاجاً بالسترويد لتخفيف ضغط الكتلة على الجوانب الأخرى من الدماغ، ووقف الصداع.

من بين كل كتل الدنيا، خطرت في بالي لحظتها القصيدة التي سميتها: قصيدة الكتلة. بلوك. أردت أن أفهم من الطبيب المصري (المساعد) المزيد بعد انصراف خان. لم أجده. كنت رأيته يدخل مكتباً قريباً للأطباء. نزلت من السرير. مشيت في ممر كان يعج بالممرضات والممرضين وعاملي النظافة وصار الآن شبه فارغ .

رحت أغني أغنية مصرية: أنت فين يا علي أمك بتدور عليك!

الليل، لا نوم

بقيت وحدي. عدت من رحلة الممر العبثية إلى السرير. الليل لا يزال “شاباً” على حد التعبير الإنكليزي.

شظايا القنبلة تتحرك.

كتلة..
ورم..
لو لم أقع على الأرض ما عرفت بالتشكّل السريّ لهذه الكتلة، هذا الورم..

لقد كنت قبل ساعات فقط من “الأصحاء”، وها أنا في قسم خاص بالأورام الدماغية في مستشفى كنت أرافق إليه زوجتي، المريضة بالفشل الكلوي، من أجل “غسل” الكلى ثلاث مرات في الأسبوع، ولم أتخيل نفسي مريضاً في أحد أقسامه، بل لعله أكثرها إثارة للخواطر السيئة.

لم يطلع النهار بسهولة. يبدو أن الليل كان في أوله. منتصفه. لا أدري. أنا الآن في وضع غير الذي كنت فيه (ولم أكن أعرفه) قبل ساعات. قبل يوم. قبل أيام. شعرت برغبة شديدة بالتدخين. معي علبة سجائر. رغم أني توقفت عن التدخين ست سنين. طلبت من الممرضة المسؤولة عن الجناح أن تسمح لي بالنزول إلى الطابق الأرضي لتدخين سيجارة. رفضت. ألححت. فوافقت. أرسلت معي ممرضة وكرسياً متحركاً. كان هناك مرضى غيري يدخنون. لا تزال هناك حركة في شارع فولهم بلاس الذي تقع على جانبه المستشفى، أقف بالقرب من كتلة هنري مور. من تمثالي المتكئين إلى بعضهما بعضاً في مدخل المستشفى.

كتلة هنري مور

هذا ليس النصب الأصلي، بل هو نموذج مصغر من العمل الضخم الذي نفذه هنري مور بطلب من مركز لنكولن للفنون في منهاتن/ نيويورك. هناك يبسط عمل مور سيطرته على الفضاء/ طالعاً من بركة ماء. لا يختلف النصب الصغير في مدخل مستشفى تشارينغ كروس من حيث علاقته بالماء، عن الموجود في مدخل مركز لنكولن للفنون في منهاتن، الفارق يكمن طبعاً بالحجم. هنا في مدخل المستشفى يطلع النصب من بركة ماء صغيرة مخضوضرة تنعكس عليها صورة الكتلتين المتكئتين على الماء. ذكَّرني ذلك بآية قرآنية تقول: وكان عرشه على الماء. المقصود هنا عرش الله.

قطعاً لم يكن ذلك في ذهن هنري مور وهو يصنع نصبه البرونزي. بيد أن هذا يمكن أن يدور في خلد واحد له مرجعيات ثقافية مثل مرجعياتي. ثم إن صلة النصب والتماثيل، عموماً، بالمقدس تبرر الخاطر الذي راودني. مؤكد أن النصب الحديثة انقطعت عن منشأها الأول، عن وظيفتها الأولى، كرموز، أو تجسيد للتصورات البشرية في خصوص الآلهة، لكن من يستطيع منع المقدس من الحضور في النصب والتماثيل؟ لقد رأى المثالون الحديثون النصب والتماثيل الطالعة من فكرة المقدس ودرسوها في الأكاديميات التي تخرجوا فيها. وفي هذا الطور من عمله الفني تخلى هنري مور عن النماذج والموديلات التي كانت تمهد للعمل الفني وصار يعمل مباشرة، بلا موديل مسبق، على المادة نفسها، سواء كانت برونزاً أم حجراً، التي يجب، حسب قوله، احترامها فهي لها “حياتها المكثفة الخاصة بها”، والتي يتعين عليه، كفنان، إفساح المجال لها بالظهور.

وجدت في “كتلة” هنري مور حليفاً لي في ليل الأرق الذي كنت أتسلل فيه من جناح المصابين بالأورام مثلي، إلى البركة التي يتكئ إليها نصفا تمثال هنري مور.. هناك من “تسللوا”، مثلي أيضاً، من أقسام المستشفى المختلفة. بعضهم للتدخين، كما صرت أفعل، بلا هوادة، آخرون لتناول طعام غير ما يقرره علينا مطبخ المستشفى..

مصدر  صفحة الشاعر الشخصية على فيسبوك
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!