الـ (لو) تفتح عمل الشيطان

هل يمكن اعتماد الحقيقة من سبب القوة

إنّ اللو تفتح عمل الشيطان، لأنها تدعو لطرح تساؤلات لا تستطيع الأفكار الثابتة تجاوزها، التحريم قائم لأنه لا يريد الصدام مع الفكرة المغايرة حتى وإن كانت تساؤلاً وافتراضاً.

0
بقلم: علي الأعرج

في حديث النبي محمد (وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل فإن – اللو – تفتح عمل الشيطان).

الحديث النبوي واضح في النهي لاستخدام كلمة لو، لأنها تؤدي إلى عدم الإيمان بخيار الله في عباده. عند هذا الحد لا يمكننا ولا يُسمح لنا استخدام كلمة لو، لأنها تؤدي إلى الكفر بقدرية الرب بعد حصول الشيء الذي جرى بقرار الله. لكن وضوح الحديث بالمقابل يجعلنا نفهم أن عدم استخدام اللو هو أمر مرتبط مع الفعل الشخصي؛ بمعنى لا يجب علينا القول مثلاً: بأننا لو لم نذهب من هذا الطريق لما مات أناس معنا. فموتهم من المنحى الإلهي مقدّر، فاستخدام كلمة لو هنا، تعني عدم القبول بهذا المصير.

لكن بفهم هذه الآلية لعدم استخدام اللو، يصبح كل ما لا يخضع لهذه القاعدة، هو استخدام جائز ومنطقي؛ ومن هذه النقطة يحق لنا طرح مجموعة من التساؤلات القائمة على اللو، والتي تؤدي بنا لمناقشة الفكرة الأساسية وهي، هل يمكن لنا اعتماد الحقيقة على أنها من سبب القوة؟.

بعد عام 1492، حيث وصل كولمبوس إلى أمريكا، وبدأت حملات الإغارة الاقتصادية الأوروبية على سكانها الأصليين، شاركت أيضاً البعثات التبشيرية بالمسيحية لنشر الدين لدى أناس تم اعتبارهم بدائيين. هنا في هذا التاريخ لا أحد يمكن أن يتوقف أو يتساءل حول ما جرى لأنه اليوم أصبح حقيقة، وتحول بفضل القوة الأوروبية إلى جذر لا يمكن محوه، وتحوّل السكان الأصليين إلى مسيحيين.

الآن، ماذا لو كان سكان أمريكا الأصليين يمتلكون تقنية عسكرية واقتصادية وبشرية أضخم مما كانت لدى الأوروبيين، فهل كانت أوروبا المسيحية ستتعبّد كويتزالكواتيل Tonacatecuhtli وزوتشيبيلي Xochipilli مثلاً كآلهة للأزتيك!، أفلا يكون عالم اليوم القائم على تلك الآلهة الأزتيكية هو الحقيقة التي كل ما يخالفها يؤدي بالبشر إلى الموت المطلق!، هل يمكن تخيّل ما هو أكثر كوميدية من ذلك، أن يخرج بابا الفاتيكان وهو يدعو كواتليكو Coatlicue لتنبت الأرض ثمراً وتتخصب التربة، ويتبعه ملايين من البشر وهم يتضرعون لكواتليكو!.

إن ما نفترضه حقيقة اليوم والبارحة وغداً ليس سوى القوة التي أنتجته، القوة التي تُخضع البشر لقانون جامد دون مناقشته أو السماح لأحد بالبحث ما ورائه.

ذات الأمر ينطبق على التجارب الدينية في كل الأماكن الأخرى. بمعنى، ما يجعل الحقيقة اليوم حقيقة هي حركة التاريخ بظروفه فقط ولا شأن لما فوق الطبيعي بها.

هل يمكن لأي مواطن أوروبي مؤمن بالله أن يتخيل نفسه يعبد “تلالوك Tlāloc” بدل الله؟ وهل يمكن لأي مواطن غرب آسيوي أن يتخيل نفسه بأنه يعبد أهورامزدا Ahura Mazda مثلاً لو أن المد الإسلامي توقف عند حدود تلك الإمبراطورية وانتهى؟.

يبدو بالنسبة لأي شخص هنا أن الأمر قد يأخذ منحى تكفيري نوعاً ما في استخدام اللو، لكننا نفترض شكلاً أكثر منطقية حول القوة ووجودها وكيف نفهم الحقائق فقط لأن القوة هي من أسستها وليست لأنها حقيقة.

في حديث إلكتروني مع شاب مصري أزهري عقلاً، يكفّر أقباط مصر ويدعو الجميع للدخول إلى دين الإسلام، سألته في أحد الأيام بأنّ لو عمرو بن العاص لم يفتح مصر، ألا يكون هو الآن كداعية إسلامي، مسيحياً ويدعو للدين المسيحي؟ المسألة كحقيقة مرتبطة فقط بالصدفة التي أنجبتك هنا. بمعنى لو لم يفتح عمرو مصراً، فالداعية ببساطة سيكون مسيحياً ويحمل اسم أغابيوس بدل عبد الواحد، ويقتنع أيضاً أنّ الله ملكه الشخصي ودينه الحقيقة الأزلية ويجب على الجميع أن يخضعوا لهذا العقل الشمولي الذي هو طبيعة دينية.

ما نعتبره حقيقة مطلقة ويموت البعض من أجله هو فقط نتاج ظروف معينة أدت إلى عالم اليوم وشكله، فتجاوز الحقيقة الثابتة هي أولوية بشرية منطقية وإنسانية.

إن ما نفترضه حقيقة اليوم والبارحة وغداً ليس سوى القوة التي أنتجته، القوة التي تُخضع البشر لقانون جامد دون مناقشته أو السماح لأحد بالبحث ما ورائه.

لكن حتى هنا، سيخرج أناس ليناقشوا من منطق جامد بأنه لو لم تكن هذه حقيقة للأديان وانتشارها ليس بالقوة، إنما بالرسالة الصادقة، لن يستمر وجود تلك الديانات.. لكن بنفس المنطق، كيف يمكن مثلاً أن نفهم انحسار المد الإسلامي بإسبانيا وعودة المسيحية إن كان الله ناصر لدين معين؟.

هنا سيمغمغ البعض ويقول بأن المسألة هي أيضاً مرتبطة بطبيعة القوة والضعف للمجتمعات.

المشكلة في العقل الجامد هو اختياره للحقيقة وإطلاقها متى أراد، وإرجاع الانحسار والضعف لطبيعة القوة متى أراد، إنه لا يملك جواباً واحداً مقنعاً حول ما هو الصحيح وما هي الحقيقة، إنه يتخبط ما بين الدعم المطلق للقوة الإلهية وما بين تراجع القوة إلى مراحل انهيار أبدية، إنه لا يريد الاعتراف أو البحث بأن المسألة فقط بشرية بحتة وبأن الرؤية الإلهية لا تفعل شيئاً حقيقياً على الأرض.

ما نعتبره حقيقة مطلقة ويموت البعض من أجله هو فقط نتاج ظروف معينة أدت إلى عالم اليوم وشكله، فتجاوز الحقيقة الثابتة هي أولوية بشرية منطقية وإنسانية.

إنّ اللو تفتح عمل الشيطان، لأنها تدعو لطرح تساؤلات لا تستطيع الأفكار الثابتة تجاوزها، التحريم قائم لأنه لا يريد الصدام مع الفكرة المغايرة حتى وإن كانت تساؤلاً وافتراضاً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!