fbpx

السياسات الدولية في الصراع السوري بوصفها «ألعاب خفة»

0
بقلم: بكر صدقي

هل فعلاً خريطة المنطقة الآمنة التركية المفترضة، ستأتي مطابقة تماماً لما سيتم التوصل إليه من تفاهمات بين أنقرة وواشنطن وموسكو، في هذا المقال يحاول بكر صدقي كعادته أن ينقل بلا تكلف ولا استفاضة أن يضع الأمور في نصابها الحقيقي بعيداً عن تهويل الإعلام بأجنداته المختلفة.
لنقرأ معاً...

قال «الخبير» التركي في شؤون الصراع السوري «آكدوغان أوزكان»، تعليقاً على انسحاب القوات الأمريكية من سوريا: «إنها أكبر هزيمة عسكرية للولايات المتحدة منذ حرب فيتنام»! وذلك في معرض تعليقه على مقاطع فيديو صورت آليات أمريكية منسحبة باتجاه الحدود العراقية وهي تتلقى من غاضبين كرد مقذوفات من البندورة والبطاطا والحجارة.
نعم، يستطيع الإعلام، بمراسليه وخبرائه وصوره ومقالاته، أن يصنع انتصارات وهزائم قد لا تعكس أبداً واقع الحال. فالإعلام هو، في وجه منه، صانع سياسي من خلال تأثيره على الرأي العام، وليس مجرد مرآة تعكس الأحداث السياسية بدرجات متفاوتة من الأمانة. أحداث الأيام الأخيرة، بدءاً من مكالمة ترامب – أردوغان في السادس من الشهر الحالي، وصولاً إلى مذكرة التفاهم الروسية -التركية التي تم توقيعها في سوتشي، 22 منه، هي من النوع الذي يمكن تدريسه – مستقبلاً – في كليات الإعلام والسياسة. فقد صعد عدد من الحواة إلى المسرح ولعبوا أمامنا ألعاب خفة من نوع إخراج وردة من الأذن أو أرنب من القبعة أو قطع جسد امرأة بالمنشار.

6 ساعات من «المباحثات» بين بوتين وأردوغان أنتجت مذكرة تفاهم من عشر نقاط، فخرج منها كلا الطرفين رابحاً يبتسم. وقبلها «تباحث» وفد أمريكي، برئاسة نائب الرئيس بنس، مع الرئيس التركي، فأنتجا تفاهماً على موضوع المنطقة الآمنة التركية. في حين «سهلت» روسيا أمر تفاهم موازٍ بين النظام الكيماوي وقوات «قسد» في قاعدة حميميم.

بهذه التفاهمات الثلاثة تم إرساء ستاتيكو جديد «شرقي نهر الفرات» كما يقال، ولهثت وسائل الإعلام لمواكبة هذه التطورات الكبيرة في الصراع السوري. ولكي «يكتمل النقل بالزعرور» على قول المثل السوري السائر، قام بشار الكيماوي بزيارة تحدٍ إلى تجمع لقواته في موقع هبيط في محافظة إدلب التي ما زالت «متنازعاً عليها» بين الروس والنظام وتركيا وهيئة تحرير الشام.

ثمة رواية تتشارك فيها جهات عدة، على رأسها محور الممانعة، تقول إن الولايات المتحدة حاولت إسقاط نظام بشار الكيماوي، من خلال دعم المعارضة، وفشلت في ذلك. تتكرر الآن الرواية نفسها بشأن تركيا التي «أفشلت» الولايات المتحدة في سعيها لإقامة دولة كردية في سوريا، وأرغمت الأمريكيين على سحب قواتهم من سوريا.

إذا قرأنا أحداث الشهر الحالي من هذا المنظور فسوف نصل إلى نتيجة مفادها أن واشنطن خسرت، مقابل ربح تركيا وروسيا والنظام الكيماوي. و«يتعمق» خبراء في هذا التحليل فيقولون إن الولايات المتحدة لم تعد تلك القوة العظمى التي كانتها قبل عقدين من الزمان، ولم تعد كلية القدرة في تقرير مصائر العالم. حتى لو سلمنا بصحة هذا التقدير إلى حد ما، فهل روسيا أو تركيا هما من القوة بما يكفي لإفشال الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها؟ هل تعرضت واشنطن في سوريا حقاً «لأكبر هزيمة عسكرية منذ حرب فيتنام» كما زعم الخبير التركي المذكور في مطلع المقالة؟

في تشرين الأول (أكتوبر) 2014، اتصل الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالرئيس التركي طالباً منه فتح «كوريدور» على الأراضي التركية يسمح بمرور مقاتلين بيشمركة من إقليم كردستان في شمال العراق إلى مدينة كوباني المحاصرة من قبل قوات داعش. واستجاب الرئيس التركي فمرت قافلة لمقاتلي البيشمركة مع أسلحتهم عبر الأراضي التركية لمؤازرة مقاتلي «وحدات حماية الشعب» في كوباني، وذلك بعد أسابيع على إغلاق حدود تركيا المطلة على كوباني وتبشير الرئيس التركي بسقوط المدينة بين ساعة وأخرى.

لقد فعل الاتصال الهاتفي فعله السحري في أنقرة التي فتحت أراضيها أمام مقاتلين «أجانب» (حتى لا نقول «إرهابيين») ليؤازروا وحدات الحماية «الإرهابية» وفقاً للتوصيف التركي، في منطقة ملاصقة للحدود التركية.

الآن، اتصال هاتفي آخر بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس التركي نفسه، في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، «تمكن» فيها أردوغان من انتزاع الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي بغزو مناطق هي تحت الحماية العسكرية الأمريكية. علماً أن فتح الأراضي التركية لمرور البيشمركة إلى كوباني، في 2014، قد تم حين لم يكن هناك جندي أمريكي واحد على الأراضي السورية.

فقد بدأ دخول القوات الأمريكية إلى سوريا، أيضاً في شهر تشرين الأول/أكتوبر، عام 2015، أي بعد التدخل العسكري الروسي بفترة قصيرة جداً. واضح أن الهدف من ذلك كان موازنة القوة الروسية لكي لا تستفرد بمصير سوريا.

والآن ينسحب الأمريكيون بموجب قرار اتخذه الرئيس ترامب، منذ عام تقريباً، بدوافع تخص استراتيجيته الخاصة بسوريا، وليس خوفاً من البعبع التركي أو الروسي. كذلك يتعلق الأمر، في الحالتين، بالحرب على داعش: في 2015 كان الأمريكيون بحاجة إلى حليف ميداني وجدوه في «وحش» (قوات حماية الشعب) وبدأ عدد محدود من الخبراء العسكريين يتوافد إلى الأراضي السورية لمهمات تدريبية واستخبارية، ثم ارتفع عدد القوات، بالتدريج، وفقاً للحاجات، ومن ذلك تأمين مظلة حماية للحليف المحلي الذي بدأت تركيا تهدده.

أما وقد تم تحقيق الهدف المتمثل في إزالة دولة البغدادي، على ما يرى ترامب، فقد آن الأوان لسحب تلك القوات من هناك وفاءً بوعده لناخبيه. مقاومة وزارة الدفاع والكونغرس لقرار ترامب لا تعني غير أنهما ينظران إلى الأمر من زاوية مختلفة عن زاوية نظر ترامب. أي الموقفين هو «الصحيح» من وجهة نظر المصالح القومية الأمريكية؟ هذا من شأن الأمريكيين أنفسهم. أما أن يتم تصوير الأمر على أنه هزيمة أمريكية وانتصار روسي أو تركي، فهذا ما يدخل في باب ألعاب الخفة.

دخلت القوات التركية إلى «شرق الفرات» في 9 من الشهر الجاري، والهدف المعلن هو إنشاء منطقة آمنة تمتد على طول الحدود المشتركة (480 كلم) وبعمق 32 كلم، خالية من قوات «وحش» وبناء مساكن لعودة مليوني لاجئ سوري. بعد مذكرتي التفاهم بين أنقرة من جهة، وكل من واشنطن وموسكو من جهة أخرى، تم اختصار المساحة المذكورة إلى 120 كلم طولاً، بين تل أبيض ورأس العين، و32 كلم عمقاً، وصولاً إلى الطريق الدولي (M4).

لفت الصحافي التركي فهمي كورو النظر إلى خريطة للمنطقة الآمنة التركية المفترضة، مطابقة تماماً لما سيتم التوصل إليه من تفاهمات بين أنقرة وواشنطن وموسكو، نشرها موقع «دبكا فايلز» الإسرائيلي المقرب من الموساد، في 9 تشرين الأول (أكتوبر)، أي في يوم بدء العملية العسكرية التركية!


بكر صدقي، مترجم وصحفي سوري

مصدر المادة منشورة في صحيفة القدس العربي بتاريخ 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2019
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!