fbpx

لبنان يخلع عباءة الطائفيّة ويستعيد صورته الحضاريّة ويكتب تاريخه الجديد

0
بقلم: ناتالي الخوري غريب

في هذا المقال تبوح الكاتبة ناتالي الخوري غريب بما حركته في وجدانها تظاهرات لبنان الأخيرة، فهي تنتقل، مثلما بعينيها، بقلبها في جغرافيا الحراك وترى فيه وجها آخر للأرض، ولكني نتنقل معها؛ نقرأ معًا

لبنان في صورته الأبهى اليوم، لأنّه يستعيد صورته الحقيقيّة ووجهه الحقيقي، لبنان الرسالة إلى كلّ العالم، لبنان ثقافة الحياة ونبض الكرامة ورسالة الحريّات والإباء، لبنان الوجدان الأغلى الذي به نشعر بأنفسنا وبالآخر.

ثورة لبنان اليوم هي صرخة الكرامة في وجه الإذلال والاستزلام والتبعيّة، صرخة الوطنية في وجه الطائفيّة النتنة، بعد أن عرّته النكبات المتراكمة على أراضيه. انتفض اللبنانيّون لاسترداد حقوقهم المسلوبة في وجه حكّامهم من الفاسدين. انتفاضة اليوم هي نسيج لبناني هو نسيج الوجع القهر، ولون لبناني هو لون الأمل والتمسّك بتراب هذا الوطن.

نزعة التأليه

من شهد لبنان في ثورته اليوم، يستعيد أمله بهذا البلد وشعبه، ويلمس روح الوعي في صوت الحقّ الطالع من وجع الناس، وغضب الناس ومآسي الناس، عبّر عنه اللبنانيون بمسؤوليّة تجاوزوا بها دور الحركات النقابية والمنظّمات والجامعات وقادة الرأي، عبّر عنه اللبنانيون بجرأة أظهرت أنّهم أحرار ومستقلّون وغير مرتهنين، وقد تجاوزوا بوعيهم وحسّهم المسؤول طروحات النّخب البعيدة عن نبض الناس ومآسيهم.

ثورة اليوم خلعت نزعة التأليه عن الزعماء الدهريين الذين تحكمّوا بلبنان عقودًا طويلة، واستغلّوا ثرواته، وجعلوه رهينة وساحة قتال ونزاع لدول أخرى، وربّما يسجّل هذا الأمر انتصارًا أو ثمرة لهذه الانتفاضة إلى اليوم، فطريق العيش الكريم لم تعد تمرّ حكمًا بالزعامات الدهرية وأزلامها، على أمل أن تتمكّن هذه الثورة من ان تقصي أمراء الحرب بعد محاسبتهم.

من شهد لبنان في ثورته اليوم، يهلّل له لأّنّه خلع عباءة الطائفية التي ألبسه إيّاها زعماؤه، وقد ترّتّقت ألف مرّة ومرّة، إلى أنّ تكشف جسد لبنان الحقيقي اللاطائفي من ألبسة القولات الطائفية النتنة التي كانت تُجَيَّش عند كلّ استحقاق انتخابي وغير انتخابي.

من شهد لبنان في ثورته اليوم، يهلّل له لأّنّه خلع عباءة الطائفية التي ألبسه إيّاها زعماؤه، وقد ترّتّقت ألف مرّة ومرّة، إلى أنّ تكشف جسد لبنان الحقيقي اللاطائفي من ألبسة القولات الطائفية النتنة التي كانت تُجَيَّش عند كلّ استحقاق انتخابي وغير انتخابي.

من شهد لبنان في ثورته اليوم، يطمئنّ لمشهد يتبادل فيه الشعب الثائر مع الجيش والقوى الأمنية نظرات المودّة والاحترام والمحبّة، وكيف يهدونهم ورود الامتنان لوقفتهم وحمايتهم، من شهد ذلك يدرك أن أزمة الثقة تمّت بين الشعب والطبقة الحاكمة وليس بين الشعب وجيشه.

من شهد لبنان في ثورته اليوم، يفرح لاكتمال المشهد مع حضور الآباء والامهات وأبنائهم وبناتهم على أكتافهم، إيمانًا منهم أنّ هذا الوطن مستقبل أبنائهم، وثقة منهم أنّ أبناء الوطن الواحد لا يضمرون السوء والشغب والعنف لبعضهم بعضًا، وأنّ اليقظة تمّت والحياة لم تقطع أشواطًا بعيدة عنّا، ولم نصل بعد إلى الإفلاس الإنساني.

من شهد لبنان في ثورته اليوم، يطمئنّ إلى عزم الشبّان والشابات، لابسين ثوب العنفوان والعزّة والكرامة والإيمان بالوطنّ الأبيّ الحرّ المستقبل، ثوب التمسّك بهذا الوطن تحت راية العلم اللبناني، العلم اللبناني وحده، ومتغنّين بالنشيد الوطني اللبناني، في وجه التوريث السياسي والبطالة والقمع.

من شهد طرابلس البارحة في ثورتها الحضارية، وصلته رسالتها في موسيقاها وأغانيها وروحها الواحدة، وقد أظهرت للعالم أجمع أنّها ليست كما تُتّهم به انغلاقًا وإرهابًا، بل طيبة وانفتاحًا ووعيًا حضاريًّا، لشعب ينتعش أملًا أّنّ طرابلس تستحقّ حقوقًا سلبت منها زمنًا، واهتمامًا بإنمائها، كذلك أختها عكّار، ونظيرتهما في الحرمان بعلبك وجوارها.

من شهد جرأة مدينة صور والنبطيّة في شبّانها وشاباتها، تطلق صرخة حقّ في وجه التبعيّة، وجرأة استثنائيّة في وجه الاستزلام واللون الواحد، في وجه البطالة والحرمان، كذلك جارتهما صيدا، من شهد ذلك يعرف أنّ الحياة تمضي وفاقًا لمسلك طبيعي من الثورات المتعاقبة، فلا ترضى بالبقاء الأزلي ربع قرن وأكثر في بلد ديمقراطي لحاكم، إلى أن تستقيم الديمقراطية والعدالة.

من شهد جرأة مدينة صور والنبطيّة في شبّانها وشاباتها، تطلق صرخة حقّ في وجه التبعيّة، وجرأة استثنائيّة في وجه الاستزلام واللون الواحد، في وجه البطالة والحرمان، يعرف أنّ الحياة تمضي وفاقًا لمسلك طبيعي من الثورات المتعاقبة.

من شهد البترون وجبيل والذوق وجلّ الديب، كيف يرفع أبناؤها أيديهم سلامها أنوارًا متلألئة ليلًا على إيقاع الأغاني الرومنسية والثورية، ليلًا ونهارًا، وتوزيع الحلوى على المواطنين، في فضاء احتفالي بالحياة والحقّ والكرامة، من شهد ذلك يطمئنّ إلى أنّ الإثمار في مواقيته نضج يدعو إلى الزهو والامتلاء.

من شهد بيروت، في ساحات الحريّة، ساحة الشهداء ورياض الصلح يلحظ كيف يكتب اللبنانيون من كلّ المناطق، الصفحة الأولى من كتاب ما بعد 17 تشرين الأول/ أكتوبر في تاريخ لبنان الجديد، لبنان العابر للطوائف، لبنان الولادة الجديدة، لبنان الفرح والطمأنينة والكرامة، لبنان الحريّة، صورة عن الأعراس التي جرت في تلك الساحة، عهد وفاء متجدّد بين الشعب ولبنان، اتحادًا لصون كليهما، وفرح الشبّان ورقصاتهم على إيقاع حبّ الحياة والشغف بها والنظر إلى مستقبل واعد يخبّئ الكثير من تحقيق الطموحات. من شهد ذلك، يعرف أنّ اللبنانيين يؤسّسون لغدهم على ضوء اختبارات أمسهم التي خابت.

هل حقًّا يستعيد اليوم لبنان دوره الريادي والحضاري؟

الأهم أنّ الشعب قال كلمته واقتناعاته ووجعه وأمله وطموحاته بأكثر الطرق سلميّة وحضاريّة تحت أعين حُماته وإخوانه من الجيش اللبناني وقوى الأمن، متوحّدًا تحت راية خطاب وطني واحد، يطالب بحقّه في العيش والكريم، والمساءلة والمحاسبة.

ماذا بعد أن أصغى المسؤولون إلى صوت الشعب؟! هل سيعودون إلى الخطاب الاستعلائي؟ أم أنّ صرخة الشعب اللبناني خضّت ضمائرهم وسيتمّ تنفيذ قوانين استعادة الأموال المنهوبة؟ّ كيف سيتمّ تأطير الانتفاضة الشعبيّة فكريًا وتنظيميًّا وقانونيًّا ومنهجيًّا؟ ومَن الجهة المخوّلة لفعل لذلك كي لا يتمّ استغلالها؟ الأسئلة كثيرة، لن يجيب عنها إلا الآتي من الأيام، عسى ألا تكون بعيدة.


ناتالي الخوري غريب، أكاديميّة لبنانيّة

مصدر المادة منشورة في صحيفة القدس العربي بتاريخ 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2019
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!